رحلة الجهادي جون أو أبو عبدالله البريطاني… من لندن إلى تنظيم الدولة الإسلامية

حجم الخط
0

لندن ـ «القدس العربي» وصفت صحيفة «إندبندنت» «الجهادي جون» الذي كشف عن هويته يوم الخميس «بالروح الضالة»، فمحمد موازي المولود في الكويت والذي نشأ في غرب لندن ودرس في جامعة ويسمنتستر، حيث تخرج منها بدرجة بكالوريس في هندسة الكمبيوتر، ارتبطت صورته ومنذ آب/ أغسطس الماضي بفيديوهات قتل وذبح الرهائن الغربيين، حيث حضر بقناعه الأسود وسكينه ولهجته اللندنية ووجه تهديدات ضد القوى الغربية المشاركة في الحملة الدولية ضد تنظيم الدولة الإسلامية.
وكانت صحيفة «واشنطن بوست» قد كشفت عن هوية الشاب التي قالت إنه سافر إلى أفريقيا وله صلات بشبكات لندن الجهادية ودعم حركة الشباب الصومالية.
وتقول مصادر صحافية إن هوية موازي كانت معروفة للسلطات الأمنية على جانبي الاطلنطي قبل كشف صحيفة «واشنطن بوست» لها.

قصة حياة

وبعد إماطة اللثام عن هويته بدأت المعلومات الشخصية تظهر عنه، فعرفنا أنه ابن عائلة من الطبقة المتوسطة جاءت إلى لندن قبل 20 عاما وسكنت في منطقة «نورث كينزنغتون -غرب لندن، وقد جاء من هذه المنطقة عدد من الجهاديين الذين سافروا إلى سوريا. درس محمد في مدرسة «كوينتين كينستون» في سان جونز وود – شمال لندن، ومن ثم ذهب إلى جامعة ويستمنستر.
وعرف عنه أثناء الدراسة بالمواظبة على الصلاة والخلق الحسن. وكان جزءا من حلقة من الشبان الذين يصلون في الجامع نفسه ويلعبون كرة القدم معا.
ومن بين هذه المجموعة ثلاثة ماتوا، وواحد يعيش في السودان بعد أن سحبت الجنسية منه وآخر لا يستطيع مغادرة بريطانيا فهو تحت الإقامة الجبرية.
وسيتم سحب الجنسية من موازي أسوة بالآخرين بعد الكشف عن هويته. وبحسب صحيفة «الغارديان» فقد بدأ موازي يظهر في الحلقات الجهادية قبل خمس سنوات.
ويقول عارفون به إن المخابرات الداخلية (أم أي فايف) بدأت تراقبه وعددا من الأشخاص حيث تم الكشف عن اتصالات قام بها البعض مع حسين عصمان الذي حاول زرع متفجرات في مترو الأنفاق بعد هجمات 7 تموز/ يوليو 2005 فيما تمت مراقبة الآخرين بعد مشاركتهم في معسكرات صيفية في إنكلترا واسكتلندا.
وبعد خمسة أعوام بدأت شخصية بلال البرجاوي تفرض حضورها على الناشطين في منطقة نورث كينزنغتون.
ومثل موازي فقد نشأ البرجاوي في المنطقة بعد انتقال عائلته من لبنان إليها عندما كان صغيرا. في عام 2011 سحبت السلطات البريطانية منه الجنسية ومن ثم سافر إلى الصومال حيث عمل مع حركة الشباب وتسلم فيها منصبا مهما قبل مقتله عام 2012.
وبعد ساعات أنجبت زوجته طفلا في مستشفى سانت ماري مما أثار الشكوك في أن المخابرات ربما حددت مكانه بعد مكالمة جرت مع زوجته.
وبعد مقتله بشهر قتل محمد صقر الذي كان يعيش قريبا منه في لندن وبالطريقة نفسها أي بغارة نفذتها طائرة بدون طيار. وقد ولد صقر ونشأ في لندن لأبوين مصريين، وسحبت منه الجنسية قبل مقتله بأشهر.
وسافر والداه إلى مصر وتخليا عن الجنسية المصرية رسميا حتى لا تسحب الجنسية البريطانية من ولديهما الباقيين.

إلى أفريقيا

في عام 2009 سافر موازي إلى تنزانيا حيث أخبر أصدقاءه أنها رحلة لمشاهدة السفاري، لكن المخابرات البريطانية لم تكن مقتنعة على ما يبدو وتم ترحيله ورفيقه حال وصولهما العاصمة دار السلام.
وأعيدا على طائرة كانت متجهة إلى مطار سيخبول في هولندا، وهناك حقق معه محققون من أم آي فايف، وكتب فيما بعد لمنظمة «كيج» التي تدافع عن ضحايا «الحرب على الإرهاب» ووصف كيف هدده المحققون وأخبروه أنه كشف وأن حياته ستكون صعبة.
ونشرت المنظمة قصته مع حالات أخرى في صحيفة «إندبندنت» كمثال عن الآثار السلبية للحرب على الإرهاب.
وقال موازي إن أم آي فايف «كان يعرف كل شيء عني، أين أسكن وماذا أفعل ومن التقي من الناس».
وزعم أن المخابرات حاولت تجنيده للعمل معها. وعندما رفض هدده المحققون بأن الحياة ستكون صعبة بعد ذلك، ووصل إلى بريطانيا عبر عبارة نقلته من هولندا إلى ميناء دوفر وحققت الشرطة معه مرة أخرى وأخبروه أنهم اتصلوا بخطيبته في الكويت، وفي فترة لاحقة انفصلت عنه. بعد فترة انتقل موازي للكويت حيث عمل في شركة كمبيوتر هناك. وفي رحلة عودة من لندن بعد زيارة لها أوقفته الشرطة وحققت معه، ويقال إن أحد المحققين ضربه. وفي اليوم التالي منع من ركوب الطائرة المتجهة للكويت، وأخبر بإلغاء تأشيرة العمل هناك.
ووجهت له بعد عام تهمة الضلوع في شبكة إرهابية بريطانية وفي شرق أفريقيا تقوم بجمع التمويل لحركة الشباب الإسلامي، وهو ما أنكره. في عام 2012 أكمل دورة في تعليم اللغة الإنكليزية من أجل السفر للتعليم في السعودية، وقدم طلبات لأكثر من مؤسسة هناك ورفض.
عندها نصحه والده بتغيير اسمه إلى محمد العين ولم يحصل على أي عمل. وحاول السفر إلى الكويت ومنع وبعد أسبوع سافر إلى تركيا لمساعدة اللاجئين السوريين.
وبعد أربعة أشهر أخبرت الشرطة عائلته أنه اجتاز الحدود إلى سوريا. وأصبح موازي الآن «جهادي جون» بالنسبة للإعلام الغربي.
ولكن بالنسبة للمقاتلين يعرف باسم أبو عبدالله البريطاني، ففي فترة قصيرة صعد في سلم القيادة داخل تنظيم الدولة خاصة بين المقاتلين الأجانب. ورغم ذلك ظل جنديا بعيدا عن القرار في التنظيم، واستخدم في التفاوض حول إطلاق سراح الرهائن. ويصفه من تحدث معه عبر سكايب بأنه شخص «قاس لا يرحم».

روح ضلت

ومن هنا تعلق صحيفة «إندبندنت» «من الصعب تجنب الشعور بالرهبة، مرة أخرى على الطريقة التي قام بها شاب بريطاني بالتحلل من بلده وفضل مواجهة شعبه وقيمه بطريقة وحشية».
ولم يكن موازي بحاجة لهذا التصرف فهو كما كشف من معلومات عن حياته ينتمي لعائلة موسرة وجاء إلى بريطانيا وعمره ستة أعوام.
وبالضرورة كان شابا عاديا.
وما يدعو للتساؤل هو الكيفية التي تحول فيها هذا الشاب من ابن لندني إلى وجه التطرف والقتل في تنظيم الدولة وضد الرهائن الغربيين. ولم يكن موازي وحده في هذا السياق فهناك 600 بريطاني ممن سافروا إلى سوريا للقتال هناك. وتظل حالة موازي مهمة لأنه يمثل الطريقة التي يحتقر فيها تنظيم الدولة حياة البشر.
وترى الصحيفة أهمية في معرفة ظروف تحوله للتشدد، ما ورد في رواية «كيج» ومعاناته من ملاحقة المخابرات، وكانت قصة موازي واحدة من القصص التي نشرت عنها صحيفة «إندبندنت» قبل خمسة أعوام حيث أشير إليه باسم «محمد بن معظم».
وتربط الصحيفة بين الحرب على الإرهاب وما كشفت عنه دراسة مسحية أجرتها هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» عن المخاوف التي تعتري المسلمين البريطانيين. فرغم رفض غالبية الذين شاركوا في الدراسة العنف الذي يمارسه مسلمون ضد من يتهجمون على دينهم (90%) أشاروا إلى صعوبة أن تكون مسلما في بريطانيا (46%).
وتظهر الدراسة أن لا مشكلة للمسلمين في الولاء لبريطانيا (95%) وتطبيق قوانين البلد (93%) ـ لكن هناك شعور بالخشية والرهبة.
تؤكد الدراسة كما تقول الصحيفة إن مشكلة مكافحة التطرف يجب أن لا تترك للمسؤولين والوزراء. فرغم محاولة الحكومة الحالية التفريق بين الحرب الحقيقية على الإرهاب وما يدعم الانسجام الاجتماعي إلا أن الفجوة بين المسلمين والحكومة تظل قائمة. وتعتقد الصحيفة أن ما يجب فعله لدمج المسلمين هو تغيير «الرواية» خاصة فيما يتعلق بالنسبة لموازي وغيره من الذين ينجذبون للجهادية وهي تذكيرهم بأن الخيار لم يعد بين المجتمع المسلم وغير المسلم أو بين اختيار الحرية في سوريا أو التحيز في بريطانيا بل يجب أن يكون الخيار بين أن تكون إنسانا أو وحشا.
وتظل مسألة التطرف بين الشبان المسلمين في الغرب أبعد من كونها مسألة مرتبطة بالتهميش وتحرش السلطات الأمنية بهم، فهي مسألة مرتبطة بالمرجعية الدينية ففي غياب الرموز الدينية التي يتعلم منها هذا الجيل فمعلمهم الرئيس هو ما موجود على الإنترنت. والأزمة ليست مرتبطة بواقع المسلمين في الغرب بل والحالة الإسلامية بشكل عام.
ومن هنا تبدو الدعوات التي تقودها الولايات المتحدة والدول الغربية لدفع المسلمين و «القيادات» الإسلامية لأخذ زمام المبادرة لمواجهة التطرف عبثية في جزء منها لأن القيادات الرسمية لا تحظى بالشرعية التامة لدى الشبان أو حتى أيديولوجيي تنظيم الدولة.

محاربة التطرف

وفي هذا السياق علقت مجلة «إيكونوميست» في عددها الأخير على هذه الجهود حيث قالت إن القادة الغربيين يحثون المسلمين على عمل ما يجب لمواجهة الأيديولوجية الجهادية. وأشارت لدعوة الرئيس باراك أوباما الأسبوع الماضي المعتدلين المسلمين بمن فيهم العلماء والمشايخ لتحمل مسؤوليتهم لرفض «التفسير المنحرف للإسلام» والكذبة التي تقول إن «الولايات المتحدة والغرب هم في حرب مع الإسلام».
وفي 23 شباط/ فبراير دعا رئيس الوزراء الأسترالي قادة المسلمين إلى القول إن الإسلام هو دين سلام «ويعنون ما يقولون».
وترى المجلة أن المسلمين لم تعجبهم هذه الغطرسة. ومع ذلك أعلن الشيخ أحمد الطيب، إمام الجامع الأزهر في 22 شباط/ فبراير أن أصل التطرف نابع من التفسير السيئ للقرآن والسنة وأن هناك حاجة لتغيير طريقة تدريس الدين في المدارس والجامعات الإسلامية. وفي مركز النقاش هناك مفهومان، الجهاد والتكفير.
ويفسر المتطرفون الجهاد بأنه واجب ديني وحرب هجومية مقدسة، رغم أنهم قد يختلفون حول زمان ومكان الحرب. وعبرت مجلة «دابق» الإلكترونية عن هذا الموقف عندما أكدت أن الإسلام هو دين السيف.
وفي السياق نفسه يختلف المتطرفون حول فكرة التكفير ففي الوقت الذي تستخدم فيه القاعدة التكفير في حدود معينة حتى لا تهمش المسلمين، يفرط تنظيم الدولة في تطبيقها خاصة ضد الشيعة والطوائف التي يراها التنظيم منحرفة. ويحاول ممثلو «التيار الرئيسي» في الإسلام دحض هذه الفكرة وتقديم تفسير للجهاد لا يعني الحرب بل الاجتهاد من أجل تحقيق السلام، كما يقول داودا بيلو، الإمام في شمال شرقي نيجيريا التي تنتشر فيها حركة بوكو حرام.
وفي العام الماضي كتب 120 عالما مسلما لأبو بكر البغدادي زعيم تنظيم الدولة رسالة واتهمهوه بإساءة فهم الإسلام لأنه تجاهل السياق القرآني والتقاليد الكلاسيكية والواقع الحاضر.
وقالوا إن التكفير لا يستخدم إلا ضد من يعلنون الكفر صراحة. وذكروه بشروط وآليات التعامل مع قضايا كهذه مثل منح المرتد فرصة. وترى المجلة إن المؤسسات الإسلامية مثل الأزهر والزيتونة في تونس والجامعة الإسلامية في المدينة تستند على تقاليد في البحث والتدقيق ليست متوفرة لدى التنظيمات الجهادية.
وتنقل المجلة عن محمد مهنا وهو مستشار للشيخ الطيب ان الأحكام قائمة على ما أقره العلماء المسلمون عبر القرون.
ولكن المشكلة هي أن هذه المؤسسات رغم مرجعيتها الدينية لا تستطيع التصدي لفكر المتطرفين لأن هؤلاء لا يعترفون بها ونظرا لغياب المرجعية العليا منذ ان ألغى مصطفى كمال أتاتورك الخلافة الإسلامية عام 1924.
وكما تقول المجلة فأربعة مدارس فقهية والآلاف من الأحاديث تعطي مساحة للتفسير. فكل من تنظيم الدولة الإسلامية وبوكو حرام يؤكدون على أولوية المصادر الإسلامية الأولى. ويقول مؤيدو التنظيم أن زعيمهم أبو بكر البغدادي متبحر في العلوم الدينية وحاصل على شهادة الدكتوراة من جامعة بغداد.

فرض نموذج

وتضيف المجلة ان الحكومات في العالم العربي تحاول فرض نموذج إسلامي ومرجعية رسمية. ففي العام الماضي عزلت الحكومة المصرية 12.000 من الأئمة واستبدلتهم بحملة شهادات من الأزهر ممن طلب منهم تقديم الموضوعات الدينية التي توافق عليها الحكومة. وفي السعودية التي عادة ما استرضت الأئمة بالمال والمميزات فقد أضافت للمساجد كاميرات من أجل مراقبة ما يقوله الائمة، وتقوم بإعادة تأهيل النظام التعليمي.
وفي دراسة أعدها معهد كارنيجي للسلام العالمي عن المقررات الدراسية أعدتها عام 2012 ووجدت أن المناهج التعليمية تحتوي على تعريف للجهاد الذي يشمل الكفار وأعداء البلاد.
في نيجيريا أقام الأئمة هناك مساجد تجمع بين التعليم المدني والديني وهو ما ترفضه حركة بوكو حرام، خاصة أن المدرسين في المدارس هم من ذوي المؤهلات العلمية الدنيا.
وتعتقد المجلة أن ما يعقد جهود تعزيز المصادر التقليدية ومرجعيتها هي انها مرفوضة من قبل الجماعات الجهادية. فعندما استنكر أمير كانو لميدو سنوسي والذي عمل سابقا مديرا للبنك المركزي تفسيرات بوكو حرام ردت الأخيرة بالقول «لا نتبع تعاليم دين لميدو سنوسي بل تعاليم الله». يضاف إلى هذا فالدول ذات الغالبية المسلمة والتي ثار سكانها ضد الديكتاتورية لا يثقون بالسلطة الدينية خاصة الذين عانوا قمع الحكومات. وفي مصر يعتبر شيخ الأزهر جزءا من الحكومة باعتباره معينا من قبلها.
وكذا يأتي أعضاء هيئة الإفتاء من الجماعات الرسمية. ومن العوائق الأخرى التي تواجه الحكومات في الشرق الاوسط وهي انتشار الإنترنت التي ترفع من نسبة المتعلمين وتجعل من المصادر الدينية متوفرة. ويقول أستاذ علم الكيمياء في جامعة القاهرة محمد جمال إنه يبحث عن المصادر بنفسه ويتعلم آراء مختلفة. وتنتشر نكات في المنطقة تقارن بين شباب البغدادي وعمائم الأزهر.
ويقول رفائيل لافيفير الباحث الفرنسي في شؤون الحركات الإسلامية إن الناس ينظرون للمؤسسات التقليدية باعتبارها غريبة وبرجوازية ويتحدث أفرادها بلغة غير مفهومة.
وفي النهاية تقول المجلة إن فرض نسخة رسمية للدين عادة ما تترك آثارا جانبية من ناحية دفع الجهاديين تحت الأرض، وفي الغالب قد لا ترضي النسخ الرسمية للدين أذواق الليبراليين.

qal

إبراهيم درويش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية