رحلة العتمة والنور: عن ليلى والسذاجة النفسية

حجم الخط
0

من العتمة إلى النور ومن النور إلى عتمة… هذه هي رحلة النضوج والتحوّل التي تركز عليها العديد من القصص الشعبية والأساطير، والحكايات الخرافية، وحتى قصص الأطفال، مع تمييز أن قِيم العتمة والنور تختلف حسب المبتغى من كل واحدة منهما. فإذا كان المبتغى رؤية خارجية فالعتمة عتمة والنور ونور، أما إذا كان المبتغى رؤية داخلية فالعتمة هي النور؛ النور الذي في إمكانه أن يعتم على ما لا يستحق ليضيء ما يستحق.
من بعض ما يكبحنا في الحياة كنساء ويعيدنا إلى نقطة البدء كلما حاولنا الانطلاق نقص نضجنا النفسي، في الحالات التي تستوجب فيها المواقف نضجاً، ليس الحال لأننا ضعيفات أو محكومات، هناك الكثير من القويات ظاهرياً والقاسيات والفجّات والمتمكنات، لكنهن يعشن في «سذاجة نفسية». ونقص النضج هذا ناجم عن افتقادنا للحلقة الفاصلة والمفصلية في نموّنا، وهي حلقة تتعلق بمرحلة بين مرحلتين؛ الطفولة والبلوغ. وافتقادنا لهذه الحلقة ناجم عن كوننا لا ننمو من خلال تجاربنا، بل بالوصايا المفروضة علينا، أي بصوت الآخر وقراره وليس بصوتنا الشخصي وتجاربنا. تلك المرحلة الفاصلة مهمة لأنها تُمكّننا من تشكيل أنفسنا وفهم دواخلنا بمعزل عن العالم وآرائه وأحكامه، لنخرج من تلك المرحلة في ما بعد ناضجات بما تعلمناه، لا بما علق فينا من وصايا القبيلة. ولأنها مرحلة فهم وتعمق في الذات فهي رحلة داخلية بحتة، تنتقل فيها المرأة من السذاجة الطفولية إلى النضج، مستقيةً قوتها من داخلها لا من قوانين وشروط المجتمع الذي يعين السذاجة والنضج، حسب العمر أو الأدوار الموكلة للمرأة. هذا النضج تُحدثه تغيرات على مستوى نفسي داخلي، ولا تكون الأحداث الخارجية سوى محفزات ومحرضات على تحريك الداخل وإثارته، أي تكون صدى له. ولأنه ينبعث من الداخل فانعكاساته على الخارج لن تكون تقليدية؛ لن تتحول المرأة إلى كائن فج بهذه المعرفة وهذا النضج، على العكس ستعيش باكتفاء وغنى وقوة، بعد أن اطّلعت على إمكانياتها القابعة داخلها. تقول كلاريسا بنكولا: «إن نكن قويات لا يعني أن تتضخم عضلاتنا وتتكور، بل يعني أن نقابل روحنا المقدسة دون أن نهرب، ونعيش متفاعلات مع طبيعتنا الوحشية بطريقتنا الخاصة».

قُرئت قصة «ليلى والذئب» وفُهمت دائماً على أنها قصة تربوية لحماية الفتيات من المتحرشين، لكن القصة، إذا ما قُرئت من وجهة نظر التطور النفسي للفتيات والنساء، لها أكثر من هذه الأبعاد التبسيطية بكثير، هي رحلة سقوط وقيام، أو موت وانبعاث، أي رحلة نضوج. وما يميز هذا السقوط أو الموت بالنسبة للنساء هو أن المُسبِّب ليس الذئب، بل ما يجعل الذئب يتمكن من ليلى؛ الفضول. كتَب الحكاية الأصلية لليلى والذئب أو «ذات الرداء الأحمر» أو «القبعة الصغيرة الحمراء» شارل برو في فرنسا عام 1698، ثم ظهرت نسخة محسّنة للأخوين غريم في ألمانيا وهي النسخة الأشهر، وتتحدث عن فتاة لا تصغي لنصائح والدتها فتتوه في الغابة، ويستغل الذئب طيبتها ويُغريها وتكون النتيجة أن يأكلها ويأكل الجدة. في نسخة برو يبتلع الذئب ليلى والجدة وتنتهي الحكاية بانتصار الذئب، لكن في نسخة الأخوين غريم التي ظهرت بعد أكثر من قرن على حكاية شارل برو، يأتي الصياد وينقذهما وينال الذئب عقابه.
إن الضوء الهادي في هذه القراءة المتواضعة لحكاية «ليلى والذئب» هي الشاعرة والمحللة النفسية اليونغية كلاريسا بنكولا، التي تناقش في عرضها لقصة بلوبيرد «قاتل الزوجات» الآليات والطرق التي يمكن للمرأة اتباعها لإيقاظ الصوت الداخلي الهادي، واستدعاء المرأة الوحشية التي تحيا فيها في كل زمان ومكان. وكما فعلت بنكولا في مناقشتها لهذه القصة وغيرها من قصص كتابها «نساء يركضن مع الذئاب» سأتغاضى عن سن ليلى، فحتى فتاة كبيرة كفاية يمكنها أن تتصرف تماماً كما يُتوقع من ليلى، إذا ما وجدت نفسها على الدوام تحت حماية ووصاية الآخرين ولم تجرب أن تكتشف وتفهم ذاتها والعالم بنفسها. إن ما يحاربه المجتمع الذي يود فتاة لطيفة ومطيعة على الدوام، هو فضولها للعالم الخارجي، لذا تركّز الوصايا في قصة «ليلى والذئب» على عدم كسر المرطبان في السلة وعدم التحدث مع الغرباء: «لا تنظري حولك ولا تكوني فضولية» لا تتسكعي في الغابة ولا تحادثي الذئب. الالتهاء، التروي في مواجهة العالم، التسكّع والتمتع بالزهور لا يمكن أن تبدو عوامل خطر، لكنها رغم ذلك السبب الأساسي في انقضاض الذئب على ليلى، حسب الحكاية. كأن الحكاية تقول: لن ينقضّ الذئب على ليلى لأنها تعبر الغابة، بل لأنها تتلكأ وتتسكّع وتلاحق الزهور. الافتراس هو عقوبة من تعرّفت عمق روحها، وتجرّأت على الذهاب أبعد من المرسوم والمحدّد. وهذا الأمر لم يأتي من عبث، فمن ناحية أولى للفضول الذي يعتري ليلى أمام أزهار الغابة وغناها دلالات جنسية واضحة. في حكاية برو تتعرى ليلى الساذجة وتنضم للذئب في السرير وعندما تسأله عن سبب كبر ذراعيه يقول: لأتمكن من احتضانك جيداً. وواضح هنا لم الفضول في الخارج ممنوع على الفتيات. لكن من ناحية أخرى التروي والبحث والفضول في أبعاده النفسية لا يقتصر على الممنوع والمسموح في الجنس، بل يشير إلى قوى أكبر وأكثر فاعلية في المرأة وهي الطاقة الخلاقة الداخلية التي يحترس المجتمع منها ومن قوتها. بين القوة والطاعة سيختار المجتمع غير القادر على التعامل الحكيم مع أفراده، طاعة النساء لا قوّتهن. والطاعة رديف العمى وما ينقذنا هو الرؤية. تقول بنكولا: «فعلى الرغم من أن الروح تطلب منها أن ترى، إلا أن الثقافة المحيطة بها تطالبها بالعمى، وبينما روحها تتمنى أن تتحدث عن حقيقتها، تظل مجبرة على الصمت».

تقف ليلى أمام نضجها في هذه النزهة تحديداً وتدركه بلقائها الذئب وابتلاعه إياها. النضج المُحرِّر سيُفعّل الحدس الفطري لديها وفي يدها المفتاح المدمى. تفترض بعض التفسيرات في التحليل النفسي، أن الذئب يمثل «الأب» أو من يقوم مقام الذكر في حياة المرأة، ويرى البعض أنه العقوبة الصرفة لعدم الطاعة، كما أن الذئب يمثل في حكاية حديثة ساخرة الجانب الطيب الذي تحرمه ليلى من زهوره.

في قصة بلوبيرد «قاتل الزوجات» يقرر الرجل ذو اللحية الزرقاء قتل زوجته الشابة التي فتحت الغرفة السرية. بهذه الطريقة قتل صاحب اللحية الزرقاء كل زوجاته والدماء السيالة من خلف باب الغرفة السرية هي دماء نساء أردن معرفة سر نفوسهن والخروج من السذاجة. رحلة المعرفة والنضج لا تلقى القبول، بل إن النضج خطر ورسائل المجتمع تحرص على إظهار هذا الخطر والتوكيد عليه. على النساء أن يتعلّدون خوض التجارب، ودون معرفة أنفسهن، وعلى ليلى أن تعبر الغابة كطفلة وأن ترجع إلى بيتها طفلة، عليها ألا تنمو.. ورفض الفضول هذا ليس حكماً مجتمعياً فحسب، بل قُدّر كطبيعة على المرأة الامتثال لها. تشير بنكولا إلى أن فضول الزوجة الذي ساقها لغرفة ملأى بالدم لم يُفسر من قبل المحللين النفسيين كفضول وحب معرفة، بل كنوع من التطفل الساذج لأن الزوج (المجتمع) قرر ببساطة أن النزول للغرفة السرية ممنوع، فتقول: «لقد فسر السيكولوجيون – من فرويد حتى بتلهايم- الأحداث التراجيدية، مثل التي نجدها في حكاية بلوبيرد بأنها العقاب السيكولوجي للشغف الجنسي عند النساء. فقد أضفوا دلالات سلبية على الفضول عند النساء، بينما وصفوه عند الرجال بالبحث والاستقصاء، فهو فضول عند النساء، وتحقيق واستكناه عند الرجال. وفي الواقع إن تسفيه فضول المرأة واعتباره لا شيء أكثر من كونه عملاً مملاً من التطفل – ينكر على المرأة بصيرتها وحسها الباطني الغريزي، إنه ينفي عنها كل مشاعرها، فهو محاولة لمهاجمة القوة الأصولية فيها».
أما الحكمة الأخلاقية في نسخة برو فتؤكد أنه بالنسبة للفتيات، المعرفة ممكنة بالتلقين: «الفتيات الصغيرات الجميلات المهذبات اللطيفات يخطئن باستماعهن لكل الناس» ويقول قانون المجتمع الذي يفضل إبقاء الفتيات على سذاجتهن: على الليلات إطفاء فضولهن ليبقين ليلات. لن يهتم هذا المجتمع بنضج النساء ولن يكترث بحاجتهن للمعرفة وتلمّس العالم، بل سيكتفي بإبقائهن في الظل. فهل تتعلم الفتيات حقاً بهذه الطريقة، هل تلقينهن يكفي لحمايتهن حقاً، أم أنهن بحاجة لمعرفة أعمق لنفوسهن وقواهن؟ تشير الباحثة في قصة بلوبيرد إلى أن السبب الذي أوصل الزوجة الشابة إلى أن يحكم عليها زوجها بالقتل، يكمن في تجاهل الشابة للإشارات وفي إطفائها للحدس الفطري الغريزي قبل ذلك بكثير. الوداعة والرقة والبساطة المطلوبة من النساء تصبح لبوسا لهن، ويفقدن مع الوقت الاستماع لصوتهن الداخلي، وإشارات الحدس التي تبين لهن طريق الخير من الشر. وهكذا كان الزوج منذ البداية، على الرغم من لطفه ذا علامة مميزة؛ لحية زرقاء مخيفة. لكن الشابة تغاضت عن غرابة ورعب مظهره مدفوعة بلطفه الخارجي وتصرفه المغوي. إذ تقول لنفسها لتبرر لنفسها خضوعها له: «إن لحيته في الحقيقة ليست بهذا القدر من الزرقة». في الحقيقة كانت اللحية منذ البداية زرقاء ومرعبة، وكانت الحبائل منصوبة جيداً، لكن عندما لا تستمعين لنفسك، عندما تتجاهلين صوت «المرأة الوحشية» الهادي في داخلك ستخنقك اللحية الزرقاء على مهل ودون أن تنتبهي.
تُعتبر رحلة ليلى رحلة فاصلة لا لأنها سترى أثر مخالفتها للوصايا، بل لأنها ستتعرف للمرة الأولى على عوالمها الداخلية. وهذا الاكتشاف لا يمر، دون خوف وألم. في حكاية بلوبيرد، عندما تفتح زوجة الوحش الضاري الغرفة السرية، وترى الجثث بعينها تلاحظ أن المفتاح ينزف، ومهما فعلت لا تتوقف الدماء، بل تلوثها وتُفقدها براءتها السابقة. لقد نضجت إذ اطلعت على الجثث الميتة منها، كانت الجثث هي نفسها قواها النازفة، ولم يعد في إمكانها أن تتجاهلها بعد. تقول بنكولا: «يجب على المرأة التي كانت في ما سبق ساذجة أن تواجه ما قد حدث. إن قتل بلوبيرد لكل زوجاته «الفضوليات» هو قتل للأنوثة الخلاقة القادرة على تطوير كل السمات الجديدة والفعالة. ويكون الوحش الضاري عنيفاً في اصطياده للطبيعة المتوحشة في المرأة، فهو يسعى في أفضل الأحوال إلى التحقير منها، ويعمل في أسوئها على أن يقطع الاتصال بين المرأة وبصيرتها وإلهامها ودأبها وما هو أكثر».
تقف ليلى أمام نضجها في هذه النزهة تحديداً وتدركه بلقائها الذئب وابتلاعه إياها. النضج المُحرِّر سيُفعّل الحدس الفطري لديها وفي يدها المفتاح المدمى. تفترض بعض التفسيرات في التحليل النفسي، أن الذئب يمثل «الأب» أو من يقوم مقام الذكر في حياة المرأة، ويرى البعض أنه العقوبة الصرفة لعدم الطاعة، كما أن الذئب يمثل في حكاية حديثة ساخرة الجانب الطيب الذي تحرمه ليلى من زهوره. لكن في مسيرة نضج ليلى يمكننا رؤية وجهي الذئب؛ فمن جهة الذئب مصدر تهديد كما يفترض ظاهر الحكاية، لكنه من جهة أخرى مَن يفتح عين ليلى على اللذة والجمال إذ يسألها: «كل هذه الأزهار الجميلة في الغابة كيف لم ترها؟ والعصافير يقال إنك لم تسمعيها تغني. أنت تسيرين وفق خط مستقيم، كما لو أنك ذاهبة إلى المدرسة». السير وفق خط مستقيم لن يعلّم ليلى شيئاً إذن، ولن يحميها من الذئاب، هذه هي الحكمة التي يقدمها الذئب لليلي. السير وفق خط مستقيم هو مطلب كسول من مطالب المجتمع الذي يرغب بنساء كسولات وطيّعات. لكن ولأن الوصية تقول لليلى ألا تتلكا في الغابة فيغدو كلام الذئب تلقائياً كتهديد ويفتح الباب للشعور بالذنب. ومن الشعور بالذنب تتولد الأخطاء، الواحدة تلو الأخرى، خاصة إذا كنا نشق طريقنا منفردات وحيدات، بلا بركة وموافقة المجتمع. خطيئة ليلى ومنبت الشعور بالذنب هو أنها ترى، ترى الزهور وتستمتع بها وتجمعها. هذا الابطاء، هذا السير عكس المخالف لن يجرها في حد ذاته للنضج، لكنه ضروري لتمر في تجربة تنضج من خلالها، وهي تجربة النزول إلى عتمة نفسها. الدخول إلى عتمة بطن الذئب ليس نزهة وهكذا هو النزول إلى طبقات النفس، عندما تخرج ليلى تصرخ: «أي خوف شعرت به. كم كان مظلماً جوف الذئب».
في كتابه «التحليل النفسي للحكايات الشعبية» يقول برونو بتلهايم: «فإن لم نكن نحمل في ذاتنا شيئا يميل إلى الذئب المحتال الكبير فسيكون هذا الأخير أقل سيطرة علينا. فمن المهم إذن أن نفهم طبيعته، ومن الأهم أن نعرف ما يجعله مغريا لنا. مهما كانت سلامة الطوية جيدة ومغرية فمن الخطر أن نبقى سليمي الطوية كل حياتنا». لكن ليلى لن تفهم ولن تُفعّل عناصر الحذر في داخلها دون المرور بتجربة قاسية. فمن الواضح أن الوصايا لا تؤسسنا ولا تساعدنا على النمو. القول نفسه لا ينفع، وصايا والدتها لم تثنيها عن محادثة الذئب. ستفهم ليلى الذئب وخطورته عندما يُترك لها تفعيل وتنشيط المرأة الوحشية الحامية فيها. تلك الإضاءة الداخلية الغريزية تهدي المرأة لطريق السلامة فيما لو لم يتم تعطيلها.

في التفسير الساذج لحكايات الفتيات يشار لأمثال الصياد بالمنقذ الذي يمد البطلة بالقوة من الخارج، وقد يختتم تجربتها بأن يتزوجها لتنتهي القصة نهاية سعيدة.

فإن كان الذئب والعتمة الداخلية تجارب تدفع ليلى للتجربة، فما/ من هو منقذها؟ هنا يظهر الصياد. في التفسير الساذج لحكايات الفتيات يشار لأمثال الصياد بالمنقذ الذي يمد البطلة بالقوة من الخارج، وقد يختتم تجربتها بأن يتزوجها لتنتهي القصة نهاية سعيدة. لكن الصياد يمكن أن يكون الطاقة الغريزية الطبيعية (الذكرية) في المرأة، الطاقة التي تظهر في الأوقات الحاسمة، التي تتطلب منها المواقف تغيير أسلحتها لكسب معركة ضد العتمة والظلام لم يسبق لها أن خاضتها… كانت تلك القوى غريبة عن ليلى، تماماً كما الصياد غريب. هذه القوى التي يمثلها الصياد لا تظهر بسهولة، ففي الحكاية لا يصل الصياد إلا بعد أن تصبح ليلى في عتمة بطن الذئب وكان يمكن للحكاية أن تستقدمه قبل أن يعضها أو يؤذيها. لكن لا، على ليلى أن تغوص في الداخل، أن تلاقي عتمة نفسها، أن تنزل لعالم الموت، أن تتعرف إلى هاديس، لتعرف السبيل الحقيقي إلى الحياة. لا الحياة التلقائية لطفلة ساذجة تحمل السلة للجدة وتستمع لنصائح أمها، بل لليلى السيدة التي تعرف متى تستفيد من الغنى الذي في داخلها، قوى الموت والحياة، وتستعين بها لإدراك النضج. إن الوصايا التي يلقيها المجتمع ليست وصايا حماية، بل وصايا الإبقاء على السذاجة. لذا فليلى – كما في كل حكايات البطلات الساذجات – تقول عندما تُنقذ: «لن أترك بعد اليوم أبداً الطريق كي ألهو في الغابة عندما تمنعني أمي من ذلك».
في الحقيقة لم تتعلم ليلى بالطاعة، بل بخوض تجربة الخوف.. يقول بتلهايم في نهاية تحليله لحكاية ليلى: «سذاجة القبعة الصغيرة الحمراء الطفولية، تكف عن الوجود في اللحظة التي يظهر الذئب فيها على حقيقته ويلتهمها، وعندما يفتح الصياد بطن الذئب وينقذها تولد على مستوى وجودي أعلى، وتصبح قادرة على إقامة علاقات إيجابية مع والديها. انها تكف عن ان تكون طفلة وتولد ثانية في الحياة كفتاة شابة». لكن بتلهايم لا يقول لنا كيف وصلت إلى المستوى الوجودي الآخر، أو مَن ساعدها بالضبط على ذلك، في قصة بلوبيرد بعد أن تستدعي الزوجة أخوتها الذكور – أي قواها الداخلية العدوانية – لمصارعة الوحش المفترس تتحول من فتاة عذراء ذات عيون عسلية ناعسة إلى أخرى ذات عيون متقدة ويقظة. لقد نضجت عندما عبرت برزخ الوجود الحقيقي للأنوثة، عرفت مكنوناتها وقوتها وعرفت متى تستخدمهما لتنضج بالفعل. لقد سمح لها النزول إلى لاوعيها واستدعاء قواها من هناك، بالكشف عن الوحوش التي تعيقها وتعيق تواصلها مع نفسها. لن تكون للضغوط الهائلة، سواء تلك التي تمارسها هي أو تلك التي يمارسها الوسط الخارجي تأثيراً كبيراً عليها، بعد أن عرفت قوتها الداخلية. كذلك ليلى التي دخلت العوالم المخيفة لنفسها، انتقلت إلى مستوى وجودي مختلف حققته قواها الداخلية، لا تخرج ليلى من بطن الذئب جسداً مقطعاً أو مجروحاً، بل سليمة. لقد خلعت ثوب السذاجة بمواجهة الخوف، لذا لن تعود ضحية مرة أخرى. وفي زيارة أخرى لبيت الجدة حسب نسخة أخرى من الحكاية نفسها للأخوين غريم، تخبر ليلى جدتها فوراً عما حدث في الغابة فتأخذان حذرهما وتوصدان الباب. لقد تغيرت ليلى لا لأنها حفظت الوصايا، بل لأنها التقت بقواها في ما خلف حدود الخوف، وهنا كما في حالة زوجة بلوبيرد كفّ المفتاح «عن النزيف».
تشير بنكولا إلى أننا لا يمكننا أن نواجه العالم ونحن «نحلّق في عالم الخيال ونواجه أنواع الصقيع بغلالة من حرير» يتحقق النهوض بالنفس بالتنبه وبالاستفادة من الأسلحة الداخلية، حتى العدوانية منها، بالمغامرة وتحقيق النضج وليس بالبقاء في النعومة المرتجاة من النساء.. نعم مثل صغار الذئبة تحتاج النساء للوصايا، وصايا كثيرة تحميها من المخاطر الخارجية، لكنها ليست وصايا كتلك التي تمنحها إياها أم ليلى، بل نصائح بالإبحار والغوص في ذاتها، هناك الكنوز والأسلحة التي تساعدها وتنتشلها وتدفعها في كل محطات حياتها، خاصة عندما تضعف وتخور قواها.

كاتبة سورية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية