رحلة عائشة نور الطويلة نحو الشهادة: بمعايير بايدن حياة الأمريكيين غير متساوية ولا عدالة عندما تكون إسرائيل مذنبة

إبراهيم درويش
حجم الخط
0

كانت رحلة طويلة قطعتها الناشطة التركية-الأمريكية عائشة نور أيجي (1998-2024) وفي زمن قصير، فمن سياتل في ولاية واشنطن إلى رام الله في فلسطين ومن ثم رحلتها الأخيرة للتظاهر في قرية بيتا بعد صلاة الجمعة في 6 أيلول/سبتمبر ومقتلها برصاص الجيش الإسرائيلي ورحلة العودة الأخيرة عبر الأردن إلى اسطنبول ومسقط رأسها ديمديم على الساحل الغربي لبحر إيجة، وهي رحلة مليئة بالمعاني والتجليات، فهي صورة عن مدى التعاطف مع الفلسطينيين الذين يواجهون حرب إبادة في غزة وتهجير ومحو في الضفة الغربية. ولكن اللافت للانتباه ليس الرحلة الطويلة ولا التعاطف الدولي، فالجميع يعرف هذا، فهذه الشابة التي تطوعت مع حركة التضامن الدولي مع فلسطين واحدة من ملايين الشباب الذين خرجوا في التظاهرات بحرم الجامعات والشوارع وساحات مدن العالم يطالبون بوقف النار في غزة ومعاقبة إسرائيل على جرائمها. وقد تخرجت إيجي في حزيران/يونيو من جامعة واشنطن بتخصص في السيكولوجي وآخر فرعي في الشرق الأوسط. وهذه هي رحلتها الأولى إلى فلسطين وإلى مكان التظاهر الذي قتلت فيه إسرائيل عشرات الفلسطينيين وجرحت الآلاف خلال السنوات الماضية أثناء احتجاجهم على البؤرة الاستيطانية المقامة منذ 2013 باسم «أفيتار».
وما يهم في هذا السياق هو موقف الإدارة الأمريكية بقيادة الرئيس جو بايدن من عملية القتل التي تعرضت لها مواطنة أمريكية، فقد خيبت هذه الإدارة أمل العائلة بتحقق العدالة للشابة التي قتلت عمدا وهي تختبئ بين أشجار الزيتون بعد أن انسحبت من مسرح التظاهرة التي انتهت وتفرق المتظاهرون في شعاب التلة القريبة. فقد تبنت إدارة بايدن الرواية الإسرائيلية واعتراف الجيش الإسرائيلي بعد أيام بعملية القتل ولكنها بدون قصد. مع أن تحقيقا فلسطينيا وتحقيقا مطولا نشرته صحيفة «واشنطن بوست»(11/9/2024) كشفت فيه بعد تحليل صور ولقطات فيديو قدمتها حركة التضامن الدولي للصحيفة وشهادات ناشطين كانوا مع أيجي في التظاهرة ورفيقة استرالية كانت معها عندما أطلق النار عليها، يعطي رواية مختلفة عما قاله الجيش الإسرائيلي.
وبدلا من إعلان إدارة بايدن عن تحقيق مستقل في عملية القتل، أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية المرتبك كعادته بأن الإدارة تنتظر التحقيقات الإسرائيلية، وكأن إسرائيل ستقوم بإدانة جنودها، فهي لم تفعل بعدما قتلت أكثر من 15 ناشطا فلسطينيا في نفس مكان التظاهرة التي تحاول منع التمدد الاستيطاني في أراضي البلدة الفلسطينية، كما وبرأت جنودها في عمليات قتل صحافيين مثل مراسلة قناة «الجزيرة» شيرين أبو عاقلة في عام 2021.
وكان من المفترض، كما تقول عائلة عائشة أن يتصل بايدن ونائبته كامالا هاريس ويعلنان عن تحقيق مستقل في عملية القتل، ولم تفعل الإدارة، غير بيانات من البيت الأبيض أشار فيها الرئيس إلى أن مقتلها «غير مقبول» وتصريحات من وزير الخارجية، أنطوني بلينكن التي وصفت بأنها غير عادية في نقدها لإسرائيل وطالبها بتغيير طريقة عملياتها في الضفة الغربية وقواعد الاشتباك. والسؤال: متى استمعت إسرائيل لتصريحات بلينكن وحتى نقده؟ فكم مرة زار فيها المنطقة منذ هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر وأصدر تصريحات متشددة بشأن الحرب في غزة ولم تستمع إليه إسرائيل؟
ولكن الموقف من مقتل الناشطة الأمريكية هو دليل آخر عن غياب التعاطف من الإدارة الديمقراطية الحالية مع الفلسطينيين، وهو ما كان واضحا في تعامل بايدن مع الضحايا الفلسطينيين في غزة الذين شكك بأعدادهم لأنها صادرة من جهة فلسطينية، وبرأ إسرائيل من جرائم أخرى. والغريب أن هذا الرئيس يستخدم لغة التعاطف كسلاح في جذب الناخبين له، وطالما ذكر الذين يستمعون إليه بوفاة ابنه بعد إصابته بمرض السرطان، فهو يعرف الألم وكيف يتعاطف مع الثكالى، لكن عندما يتعلق الأمر بفلسطين والفلسطينيين فلا مجال للتعاطف. طبعا يحاول الكثير من المعلقين الأمريكيين الحديث عن فجوة أجيال بين بايدن والشباب الأمريكي اليوم، لكن موت الأطفال وقتل الناشطين ظلما وتدمير بلد كامل لا يحتاج لأن تكون كبيرا في السن ومن جيل نشأ على التماهي مع إسرائيل مثل جيل بايدن، فإن لم تتحرك مشاعرك أمام صور الأطفال الذي فقدوا أطرافهم وقتلت عائلتهم بالكامل، فهذا يعني ان لديك مشكلة كبيرة.

راشيل كوري

وقد عبرت عائلة راشيل كوري، التي قتلتها جرافة عسكرية إسرائيلية في رفح عام 2003 عن هذه المخاوف، فقد كانت راشيل فتاة أمريكية شابة جاءت للدفاع عن أهالي رفح التي تعرضت بيوتهم للهدم، وحمت البيت بجسدها الشاب وماتت تحت جنازير الجرافة. ومن هنا فتح مقتل عائشة نور جرحا لعائلتها مضى عليه عشرون عاما، وفي تصريحات لصحيفة «الغارديان»(11/9/2024) قال والدها كريغ ووالدتها سيندي إنهما تعاملا مع مقتل عائشة نور بأنه مسألة شخصية، لمعرفتهما أن القتل يمزق العائلة وأن هناك فجوة كبيرة لا يمكن ملؤها بسهولة لهذه الأسر الثاكلة. ولهذا انضما للدعوات التي طالبت بها منظمات حقوقية بتحقيق مستقل في مقتل الناشطة عائشة وعبرا عن مخاوف من أن قتلها سيمضي بدون عقاب كما حدث مع ابنتهما.
وقد عمل الزوجان ولعقود لتحقيق العدالة في قضية راشيل والتي برأ فيها الجيش الإسرائيلي نفسه وفشلت الولايات المتحدة بفتح تحقيقها الخاص بها. وفي عام 2015 أصدرت المحكمة العليا في إسرائيل حكما ضد عائلة كوري في دعوى قضائية سعت فيها العائلة لتحميل إسرائيل مسؤولية مقتل راشيل. وسرد كريغ وسيندي أسماء الناشطين والصحافيين الذين قتلوا في غزة والضفة الغربية منذ بداية القرن الحالي، حيث جادلا أن كل عملية قتل لم تتحقق فيها العدالة وفتحت الباب أمام عملية القتل المقبلة. وقال كريغ كوري: «لو تحدثت عن تغير الأمور فإنها تغيرت للأسوأ» و»في عائلتنا، فقد كان دافعنا لعمل ما قمنا بعمله هو منع حصوله لشخص آخر ونرى الفشل في هذا». وعلقت والدة راشيل، سيندي كوري قائلة إن بلينكن وعد في عام 2011 بتغيير قواعد الاشتباك للجيش الإسرائيلي في رسائل متبادلة مع السفير الإسرائيلي بواشنطن مايكل أورين، مضيفة: «إذا كان بلينكن يقول اليوم إن قواعد الاشتباك في الجيش الإسرائيلي بحاجة إلى التغيير، فمن الواضح أنها بحاجة إلى التغيير، ولكن عندما يتعلق الأمر بالمحتجين، فقد وعدته حكومة أورين/نتنياهو بالفعل بالتغييرات بشكل مباشر في عام 2011». ومع ذلك فشلت الحكومة الأمريكية وبشكل منتظم بدفع إسرائيل الإعتراف بمسؤوليتها عن قتل ناشطين وصحافيين وعرقلت بل وتجاهلت التحقيقات التي قامت بها المنظمات الدولية مثل المحكمة الجنائية الدولية أو الأمم المتحدة. ويقول بيل فان إسفيلد، المدير بالوكالة لبرنامج إسرائيل/فلسطين في منظمة هيومان رايتس ووتش: «لو كنت الولايات المتحدة، فستعرف أنه لن تكون هناك محاسبة من الجانب الإسرائيلي».
ويبدو أن الإدارة الأمريكية تتعامل مع الحياة وقيمتها بناء على الأصل، فهذه ليست المرة الأولى التي تقتل فيها أمريكيين، ففي كانون الثاني/يناير بداية العام قتل جندي إسرائيلي مستوطن، توفيق عبد الجبار، الفلسطيني الأمريكي من لويزيانا وبعده قتل محمد خضور من فلوريدا ولكن الولايات المتحدة لم تفعل أي شيء للاقتصاص من القتلة. ونقل موقع «ذي انترسبت» (6/9/2024) عن لارا فريدمان مديرة مؤسسة السلام في الشرق الأوسط قولها إن الرد الأمريكي الصامت على مقتل أمريكيين في المناطق الفلسطينية المحتلة أصبح سياسة الأمر الواقع.
وقالت إن «سياسة الحكومة الأمريكية، في الفرع التنفيذي والتشريعي، أصبحت في واقع الأمر هي أن حياة الأمريكيين ليست متساوية عنما يتعلق الأمر بالموت في النزاع بين الإسرائيليين والفلسطينيين» وقالت إن «الإسرائيليين الأمريكيين يستحقون المطالبة بالمحاسبة عنهم أما الفلسطينيون الأمريكيون ومن يقف معهم من الأمريكيين، فحياتهم لا تستحق. ويبدو الأمر مهزلة للحديث بهذا الوضوح لأن السجلات واضحة». وقالت فريدمان: «لدينا رئيس يقول: لو آذيت الأمريكيين فستدفع الثمن» في إشارة لتصريحات بايدن بعد مقتل الجنود الأمريكيين في الأردن و»هذا ليس هو الحال لو كانوا فلسطينيين أمريكيين أو متعاطفين مع الفلسطينيين». ويقول خالد الجندي الزميل في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى أن مقتل عائشة نور لم يكن ليثير الانتباه لو لم تكن أمريكية، ذلك أن إسرائيل تستهدف المتظاهرين الفلسطينيين بالقوة القاتلة وبشكل روتيني.

الكابوس المستمر

ولا حاجة لتكرار ما قيل دائما أن بايدن كان بيده وقف الحرب منذ البداية لو استخدم ما لديه من أدوات ضغط على نتنياهو وأوقف صفقات الأسلحة المقدمة لإسرائيل، لكن أسلحة أمريكا لا تزال تقتل الأطفال في غزة، كما حدث بمدرسة الجاعونية في النصيرات، وسط غزة، والتابعة لأونروا التي استهدفتها القوات الإسرائيلية منذ بداية الحرب وضربت منشآتها ومدارسها وقتلت 200 من العاملين فيها واتهمتها بدون أدلة بالمشاركة في هجمات حماس، مما أدى لقطع دول غربية التمويل عنها، في وقت هي في أمس الحاجة للدعم الإنساني وتوفير المساعدات للمحتاجين في القطاع. وقد أسهمت الولايات المتحدة باستمرار الكابوس على غزة، حيث قالت صحيفة «الغارديان»(12/9/2024) إن كابوس غزة يقترب من عامه الأول، ولا توجد بارقة أمل على نهايته، فهو مستمر لأن نتنياهو يريد إطالة أمده خدمة لأغراضه السياسية كما يقول الجميع بمن فيهم حليفه المنافح عنه بايدن. ولا يجد نتنياهو أي حاجة للإستماع أو حتى الرد على مكالمات الأمين العام للأمم المتحدة أنطوني غويتريش، الذي لم يتحدث إليه منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر. ولهذا فهو ليس معنيا بالإستماع لدعوات غويتريش الذي طالب بوقف الحرب وعلى الفور. ورأت الصحيفة أن إحباط بايدن من نتنياهو لا أهمية له، فهو لم يفعل أي شيء لتحقيق العدالة للناشطة عائشة نور أيجي ولم يدع إلى تحقيق مستقل. إضافة إلى أنه لم يوقف حمام الدم وتساقط الضحايا ويعالج الأزمة الإنسانية، حيث بات كل القطاع تحت أوامر الإخلاء المستمرة ومحلا للعمليات العسكرية الإسرائيلية حتى «المناطق الآمنة» بعرف الجيش. وأشارت «الغارديان» إلى أن هاريس أبدت لهجة متعاطفة نوعا ما مع الفلسطينيين لكنها لم تقدم وصفة ناجعة للخروج من الكابوس.
ومن هنا، فموقف هاريس من الحرب كما بدا من مناظرتها مع ترامب في الأسبوع الماضي لا يختلف في الجوهر عن الرئيس السابق دونالد ترامب. فهي متفقة معه على ضرورة مواصلة الدعم العسكري لإسرائيل في غزة.
وفي تقرير نشره موقع «ذي إنترسبت» (11/9/2024) علقت فيه على المناظرة التلفزيونية بين هاريس وترامب، قال سونجيف بيري إن المعركة الكلامية خلال المناظرة كانت حول من لديه أكبر قدر من المؤهلات المؤيدة لإسرائيل والمعادية لإيران. وبعد لحظة وجيزة من الأمل في أن تقدم هاريس شيئا مختلفا للناخبين الأمريكيين، بدا كلامها تأكيدا للوضع الراهن القاتم: فبغض النظر عمن سينتخب رئيسا، ستظل الولايات المتحدة مستثمرة بعمق في بنى العنف والقمع في جميع أنحاء الشرق الأوسط. وأمضت هاريس وقتا أثناء المناظرة في التأكيد على التزامها بمساعدة إسرائيل في «الدفاع عن نفسها» وهو ما تعنيه بالشيك المفتوح المستمر للدعم العسكري الأمريكي لإسرائيل. إن هذا الموقف المتكرر لهاريس، والذي تم ترسيخه الآن على موقع حملتها على الإنترنت، يقوض الأمل الذي ربما كان لدى العديد من الناخبين الديمقراطيين في إدارة هاريس المستقبلية التي من شأنها أن تعطي الأولوية لإنهاء حرب إسرائيل في غزة. وقد حاول ترامب التفوق على هاريس من خلال الادعاء بأن هاريس «تكره إسرائيل» وأنها ستدمرها. في واحد من تصريحات ترامب السخيفة في تلك الليلة، قال: «إذا أصبحت رئيسة، فأنا أعتقد أن إسرائيل لن تكون موجودة في غضون عامين». وردت هاريس بمضاعفة حسن نيتها المؤيدة لإسرائيل: «لقد دعمت إسرائيل والشعب الإسرائيلي طوال حياتي المهنية». وأكد الكاتب أن تصريحات التعاطف مع الفلسطينيين من هاريس لن تكون ذات قيمة كبيرة إذا كانت سياستها الأساسية هي الحفاظ على الدعم العسكري الأمريكي لإسرائيل. وما دامت هاريس ملتزمة بتسليح إسرائيل فلن يكون لديها أداة ضغط تستطيع من خلالها إنهاء الإبادة الجماعية التي تقوم بها إسرائيل ضد الفلسطينيين.
وأضاف أن الهيمنة العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط ترتكز على ثلاث محاور: التحالف مع إسرائيل والتحالفات مع ممالك النفط في الخليج والعداء تجاه إيران. وتعزز هذه العلاقات الثلاث بعضها البعض وتبقي الولايات المتحدة عالقة دائما ومتورطة في كل المنطقة. ولهذا السبب فإن إسرائيل على وجه الخصوص تدفع في كثير من الأحيان نحو صراع أمريكي مع إيران. وفي غياب الأعمال العدائية بين الولايات المتحدة وإيران، قد يتساءل المزيد من الأمريكيين عما إذا كانت الولايات المتحدة بحاجة إلى تحالف مع إسرائيل.
وفي قلب هذا الواقع، كما يقول بيري، تكمن حقيقة قبيحة لا يريد العديد من الديمقراطيين الاعتراف بها، وهي أن إدارة بايدن-هاريس نفذت وعملت على توسيع نطاق سياسة خارجية أساسية لترامب: اتفاقيات أبراهام. لقد عملت هذه الاتفاقيات على تهميش الفلسطينيين من خلال تأمين الاعتراف الدبلوماسي بين إسرائيل والعديد من الأنظمة الملكية في المنطقة، مثل الإمارات والبحرين والمغرب.
إن مساعي بايدن لتوسيع اتفاقيات أبراهام التي أبرمها ترامب من خلال تأمين اعتراف سعودي رسمي بإسرائيل من شأنها أن ترقى إلى المسمار الأخير في نعش تضامن الحكومات العربية مع الفلسطينيين. ومن المرجح أن يكون هذا عاملا رئيسيا في قرار حماس بمهاجمة إسرائيل في 7 تشرين الأول/ أكتوبر.
وبالمجمل، فرغم خلافاتهما بشأن السياسة الداخلية، فقد كشفت المناظرة عن مدى تشابه المرشحين في السياسات التي تحافظ على الهيمنة العسكرية الأمريكية على الشرق الأوسط وإدامة الوضع الراهن الدموي. ففي السياسة الخارجية تتفق هاريس مع ترامب وكلاهما صورة للآخر عندما يتعلق الأمر بغزة وأوكرانيا والدور الأمريكي في العالم.

التستر على الإبادة الجماعية

وهو ما يعني استمرار الإبادة الجماعية، ويرى جوناثان كوك بمقال نشره موقع «ميدل إيست آي» (13/9/2024) أن الحرب في غزة كشفت عن الفاشية الإسرائيلية والغربية. وقال: «كلما تفاقمت الإبادة الجماعية وكلما طال أمد الحصار التجويعي الذي تفرضه إسرائيل على القطاع، أصبح من الصعب إخفاء الأهوال، وقلت التغطية الإعلامية لأحداث غزة».
ويرى أن المذنب الأسوأ هي هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) باعتباره المؤسسة التي يمولها المواطنون من خلال دفع رخص التلفزيون.
وكان هذا هو السبب الذي جعل من السخافة رؤية وسائل الإعلام التي يسيطر عليها المليارديرات تثرثر في الأيام الأخيرة حول «تحيز هيئة الإذاعة البريطانية» ليس ضد الفلسطينيين، بل ضد إسرائيل. في إشارة لتقرير اتهم الإذاعة باستخدام مصطلح الإبادة ضد إسرائيل وليس ضد حماس. وأشار في معرض حديثه إلى مقتل عائشة نور الذي جاء الإعلان عنه كالآتي «ناشطة أمريكية قتلت في الضفة الغربية المحتلة» بدون ذكر من قتلها، ولإعطاء انطباع ان الفاعل فلسطيني وليس جنديا إسرائيليا. وأشار إلى رفض «بي بي سي» الأسبوع الماضي طلبا من 15 منظمة إنسانية في لجنة طوارئ الكوارث التي نظم حملة جمع تبرعات لصالح غزة. وهو نفس موقف «بي بي سي» المفترض أنها متحيزة لإسرائيل عام 2009 لأن مشاركتها في النداء، سيؤثر على حياديتها كما قالت في ذلك الحين. و «ومن المفترض، في نظر بي بي سي، أن إنقاذ حياة الأطفال الفلسطينيين يكشف عن تحيز لا ينسحب على إنقاذ حياة الأطفال الأوكرانيين». في عام 2009 قام النائب العمالي توني بن بتحدي القرار وقرأ مضمون الإعلان على الهواء وقال إن الأطفال سيموتون في غزة بسبب قرار الهيئة. في ذلك الوقت قتل أكثر من 1.300 فلسطيني أما اليوم فلا أحد يعرف العدد الحقيقي الأكبر من 41.000 شخص.
لكن «بي بي سي» خائفة من ردة فعل اللوبيات والميليارديرات من أصحاب الصحف والمؤسسات الإعلامية الذين يدافعون عن الحرب الإسرائيلية في غزة. وقال إن السبب الذي يجعل إسرائيل قادرة على تنفيذ إبادة جماعية ومواصلة قادة الغرب دعمها بنشاط نابع من أن وسائل الإعلام الرسمية تقدم مواقف دائما تحبذ إسرائيل. ومن هنا لا يشعر القراء والمشاهدون بأن إسرائيل ترتكب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بشكل منهجي في غزة والضفة الغربية المحتلة، ناهيك عن الإبادة الجماعية. ويفضل الصحافيون تصوير الأحداث باعتبارها «أزمة إنسانية» لأن هذا يجرد إسرائيل من مسؤوليتها عن خلق الأزمة. ويركزون على الآثار والمعاناة وليس على السبب: إسرائيل. والأسوأ هو استمرار الإعلام ذر الرمال في عيوننا بمزاعم سخيفة وهي أن إسرائيل ضحية وليست معتديا. وكمثال عن هذا الدراسة التي قام بها محام بريطاني مقيم في إسرائيل رصد استخدام «بي بي سي» المفرط لمصطلح «إبادة جماعية» ضد إسرائيل وليس ضد حماس. وكأن الأخيرة قادرة على تنفيذ إبادة جماعية ضد أقوى جيوش العالم. مع أن استخدام المصطلح 283 مرة حسب الصحيفة، جاء في سياق تغطيتها لجلسات محكمة العدل الدولية التي بثت «بي بي سي» المرافعة الإسرائيلية أمامها بشكل كامل. ولم يكن هناك أي مجال لتغطية الحدث بدون استخدام «إبادة جماعية» لأن الحدث هو عن دعوى جنوب أفريقيا.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية