«رحلة في تخوم الهوية والحداثة»… ملامح من تجربة الفنان عمر النجدي

محمد عبد الرحيم
حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: يقام حالياً في غاليري بيكاسو في القاهرة معرض بعنوان «رحلة في تخوم الهوية والحداثة» يستعرض بعض أعمال الفنان الراحل عمر النجدي (1931 ــ 2019) الذي يعد من أهم التشكيليين المصريين، بداية من منتصف القرن الفائت. تجربة النجدي الفنية لافتة ومؤثرة في مسيرة الفن المصري، فلم يكتف بشكل واحد من أشكال الفن، بل تنوعت أعماله بين التصوير، الخزف، النحت، الحفر، وتشكيل الخشب والمعادن، وصولاً إلى تأليف المقطوعات الموسيقية.
الملمح الآخر من تجربة النجدي، والخاص بالأسلوب والرؤية، أنه لم يبتعد عن عنصرين شكّلا هذه التجربة، وهما الفن المصري القديم والفن الإسلامي، فبينهما دارت أعماله، واستحضار التشخيص كعامل أساس، حتى لو تنوعت المدارس الفنية التي استلهمها في هذه الأعمال، من دون الاكتفاء بالنقل الحرفي عنها، كما الكثير من الفنانين المصريين، كالتكعيبية والتجريدية، على سبيل المثال، لتصبح مجرد صدىً أو نغمة يمكن الإحساس بها، من دون سماع إيقاعها الصاخب.

بعيداً عن المحاكاة والفوتوغرافيا
بداية تخضع أعمال النجدي للمخيلة، التي بدورها تعيد صياغة الواقع والطبيعة، فحتى في اللوحات التي تمثل مشهداً عادياً مألوفا.. كنسوة يطللّن من الشرفة، أو لوحة تمثل الزار أو المولد الشعبي، تبدو المفارقة بين المألوف واللوحة، ومنه تحويل العادي إلى فن، وهو أصعب بكثير، وأكثر حِرفيّة ورهافة حِس من تجسيد مشهد، أو لقطة لغير المألوف، أو بها من المبالغات التي قد تدعو أحياناً إلى الدهشة.

التصميم والتكرار

لا يبتعد عنصر التشخيص عن معظم لوحات وأعمال الفنان، الذي من خلاله يدمج ويمزج بين أسلوبين من وحي حضارته، وهما الفن المصري القديم والفن الإسلامي. فتبدو الشخصيات وكأنها مأخوذة عن جداريات المعابد المصرية القديمة، من حيث وضعية الجسد والوجه، ثم يأتي تكرار العنصر الواحد في اللوحة، ليقترب بذلك أكثر من الفن الإسلامي، حيث يخلق هذا التكرار إيقاعاً عاماً يحكم اللوحة.
ملمح آخر يبدو في تقنية (فن الفسيفساء) الذي أجاده النجدي، وعبّر من خلاله عن العديد من اللوحات ـ كتقنية هذه المرّة ـ فتبدو اللوحات وكأنها قِطع مُجمّعة تحمل تفصيلاتها الدقيقة، سواء للشخصيات أو المكان أو الجو العام الذي تدور من خلاله أو تتجسد اللوحة.
كذلك يتأكد هذا الأسلوب أو هذه الرؤية من خلال تضافر عنصرين مكملين، هما التجريد والزخرفة من ناحية، والتشكيل الأيقوني من جهة أخرى، وهو ما يتضح أكثر في استخدام الخط العربي، وكتابة بعض من آيات القرآن الكريم، مع تشكيل هندسي له الكثير من الدلالة في نفس وروح المتلقي كالشكل الدائري. ففي إحدى اللوحات تبدو الدوائر المتقاربة والمختلفة الأحجام، وبها تكرار للفظ الجلالة، أو لحرف (الألف) أو الرقم (واحد) ـ فكرة الوحدانية المتمثلة في الحرف الأول من اللغة، والرقم الأول في الأعداد ـ لتبدو وكأنها مرسومة من خلال منظار مُقرّب، لتشبه الأجرام السماوية التي تدور في الأفلاك.

البيئة الشعبية

تأثر الفنان كثيراً بالبيئة والجو الشعبي المصري العام، فهو من مواليد حي باب الشعرية في القاهرة، لذا كان قريباً جداً من المظاهر والطقوس الشعبية، التي كانت نقلاً وتعبيراً مباشراً من المخيلة والمعتقد الشعبي إلى الفعل اليومي والممارسة الحياتية، بخلاف النظر إلى هذه الطقوس الآن وكأنها شيء من التاريخ، أو من وجهة نظر استشراقية، كما يفعل العديد من الفنانين المصريين الآن، فاستدعاء المشهد أو الموضوع أو الحكاية من التاريخ ولو كان قريباً، يختلف تماماً عن معايشة الطقس الشعبي والتعامل من خلاله، كمظاهر (الزار)، (المولد)، و(التخت الشرقي)، وحتى (المقهى الشعبي) بأثاثه ورواده المختلفين تماماً عن رواد المقاهي الآن.

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية