رحلة في صميم عقل السلفية الجهادية (القاعدة نموذجا) (2)

حجم الخط
0

رحلة في صميم عقل السلفية الجهادية (القاعدة نموذجا) (2)

القاعدة ولدت كأداة تنسيقية إدارية وستظل كذلك حتي انتهاء المرحلة الأولي من الجهاد الأفغاني عام 1992فكرة الجهاد العالمي حطمت الحواجز القومية والوطنية وصهرت ولاءات أفرادها ضمن ولاء واحدرحلة في صميم عقل السلفية الجهادية (القاعدة نموذجا) (2)د. أكرم حجازيہيعزف المرء أحيانا عن الخوض في بعض المواضيع ذات الطبيعة الحساسة خشية المتاعب التي قد يلاقيها أو لأن المواضيع ذاتها علي درجة من الغموض بحيث يغدو التعرض لها نوع من المغامرة العلمية والأخلاقية. يستحضرني في هذا السياق كثرة الحديث عما يسمي بـ استراتيجية القاعدة وسيل التصريحات المتعلقة بوصول أو قرب وصول القاعدة إلي غزة والضفة الغربية، ولكن ما لفت الانتباه تلك التصريحات النارية التي أدلي بها الرئيس الفلسطيني محمود عباس (2/3/2006) مستندا إلي معلومات استخبارية فلسطينية تشير إلي وجود تنظيم القاعدة في المناطق الفلسطينية لاسيما غزة والضفة الغربية علي حد السواء، ولا شك أن المخاوف الإسرائيلية من تسرب تنظيم القاعدة إلي فلسطين لها ما يبررها باعتباره تنظيما يثير فزعا من نوع ما علي هذه الدولة/ إسرائيل التي تحسب لكل صغيرة وكبيرة وتَحْسَب أنها مهددة في وجودها علي الدوام بسبب النشأة الشاذة التي رافقت ظهورها في قلب العالم العربي والإسلامي، ولكن، أن تكون الخشية الفلسطينية علي لسان الرئيس ترقي إلي استعمال عبارات مرعبة من نوع تخريب المنطقة فهي مسألة تدعو إلي التأمل بقطع النظر عن اتفاقنا مع الرجل أو اختلافنا معه، فإذا ما صحت تحليلاتنا القادمة فإن كلمة تخريب ستغدو بائسة لما يمكن أن تتعرض له المنطقة.ويبدو أن الوقت قد حان لاستطلاع ما يسمي بـ استراتيجية القاعدة ، والتفتيش عن محتوي التخريب المزعوم ومداه حتي لا تبقي المسألة، وبلا مسؤولية، حبيسة لتكهنات البعض من أولئك الذين تقدمهم بعض وسائل الإعلام بصفة باحث أو خبير في الحركات الجهادية ويظنون، عبثا، أنهم كذلك، أو أولئك الذين يقدمون خدماتهم في الكتابة والبحث عن القاعدة حتي بدوا لكتاب آخرين متطفلين وكأنهم في موسم تسوق مهمتهم تنظيم جولات من السياحة الإعلامية للراغبين بها من الإعلام المحلي أو الدولي. يحدث هذا في وقت يبدو فيه العالمين العربي والإسلامي واقعين في حالة فريدة وغير مسبوقة في التاريخ من انعدام الوزن. ثالثا: تطبيقات مفاهيمية ـ الوطن الإسلامينقيضا للوطن العربي في الواقع يمكن أن ينقلب الأمر رأسا علي عقب، فالوطن والشعب والمجتمع والقومية والأمة والقطر و … كلها مفاهيم حديثة يمكن أن نجد لها نظائر في التاريخ الإنساني وحتي الإسلامي، إلي هنا فليس ثمة مشكلة بعد، ولكن في العقيدة الإسلامية المسألة جد مختلفة، ذلك أن الحديث يجري عن ديار المسلمين أو أرض المسلمين، وحينها يبيت الوطن بالنسبة للمسلم حيث توجد العقيدة ممثلة بالإسلام وأمة المسلمين بغض النظر عن موقع البقعة الجغرافية سواء كانت في مشارق الأرض أو في مغاربها. وبالنسبة للقاعدة من الطبيعي أن يسترشد المسلم بالعقيدة والأحكام الدينية والتشريعات والسنة النبوية، وبتراث السلف الأول من الصحابة والتابعين في بناء استراتيجياته، ومن المؤكد، سلفيا، أن الهجرة إلي أرض الله الواسعة يمكن أن تكون متاحة وواجبة، في ظروف ما، إلي حيث تتحرر العقيدة والدين من وصاية السلطان أو يتبناهما، أو في أي بلد إسلامي سواء كان هذا البلد هو باكستان أو أفغانستان أو الفلبين أو الشيشان أو كشمير أو إندونيسيا أو البوسنة أو ماليزيا أو جنوب أفريقيا أو الجزائر أو اليمن أو العراق أو السعودية أو الشام أو أي بلد آخر.في الإسلام ثمة أمور تستعصي علي فهم الآخر، ففي الغرب حيث الديانة المسيحية يمكن للمرء أن تكون له كنيسة يصلي بها ولا يصلي بغيرها! بل إننا نجد كنائس للسود وأخري للبيض وكنائس للفقراء وأخري للأغنياء وكنائس للمواطنين ومثلها للمغتربين، وطقوس كنيسية لهذا تختلف عن ذاك في حين تفترض وحدة الديانة والمعتقد طقوسا متماثلة يقع الجميع فيها تحت سقف التعاليم الربانية، وفي إسرائيل أيضا ثمة عنصرية في شتي مناحي الحياة بما في ذلك الدين، وأسوأ من ذلك، فمن غير المسموح أو المألوف مثلا أن يتعبد يهودي في غير الكنيس الذي يتعبد به عادة فإذا ما حان وقت عبادة فعلي اليهودي إن كان ملتزما أن يذهب إلي كنيسه فقط، ولا يجوز له التعبد في كنيس آخر! أما في الإسلام فمن العبث الاعتقاد بعنصرية دينية، فإذا حضرت الصلاة جاز للمسلم أن يؤديها في أي مسجد علي وجه الأرض وفي أي مكان إذا تعذر وجود مسجد لسبب ما. فالتماثل ووحدة العقيدة في أحكامها ونواهيها وتشريعاتها واحدة في كل زمان ومكان. إذن ليس ثمة مشكلة في العيش حيث يتواجد الإسلام والمسلمون طالما أن العقيدة واحدة والرب واحد والنبي محمد هو خاتم الأنبياء والهدف واحد وهو إقامة الدولة الإسلامية وإحياء سنة الخلافة في الحكم واستئناف تبليغ رسالة الإسلام إلي أمم الأرض. بهذا المحتوي لمفهوم الوطن والشعب والدين سيكون لزاما علينا تقبل أن تكون الأمة الإسلامية برمتها هي المورد البشري بحيث يغدو التنظيم معبرا فعليا عن إطار إسلامي أصيل وليس إطارا قطريا أو قوميا أو إقليميا. فماذا نعني بالإطار الإسلامي؟ وما الفــرق بينه وبين الإطار القومي مثلا؟إن الفرق بين الإطارين هو حكما فرق في الاعتقاد وبالأصح هو فرق في الإيمان، فإذا كان من الممكن أن يتخلي الفرد عن الأيديولوجيا أو يستبدلها في لحظة من الزمن فمن غير الممكن حدوث الأمر نفسه إذا ما تعلق الأمر في العقيدة، فالإيمان هو قول يصدقه العمل وليس كما تقول الإرجائية إيمان يصدقه القول.وإذا انطلقنا من القومية العربية كمثال سنجد أيديولوجيا حظيت بالكتابات الغزيرة والمساندة من قبل المثقفين والسياسيين علي السواء، ونظمت لها المؤتمرات والندوات والمهرجانات الخطابية وعزفت لها الأناشيد ما عزفت، بيد أن واقع الأمر يشير مبدئيا إلي:ہ دول أعلنت تبنيها الأطروحة القومية والتزمت فعليا بأطروحة قطرية فجة ترقي في كثير من الأحايين إلي العنصرية (= الاستعلائية) إن لم يكن الانغلاق.ہ تربية أجيال بحالها علي القــــطرية والاعتزاز بالذات القطــــرية، آل بعضها أو أقـــسام كـبيرة من السكان إلي التنــــكر للعروبة والأصول القومية.ہ التشدد في ممارسة المركزية كخيار الدولة العاصمة نجم عنه إيقاع للتمايز واللامساواة داخل البلد الواحد وعدم التوزيع العادل للثروة.ہ ظهور الأطروحة القومية كأطروحة نخبوية وليس كأطروحة شعبية، بمعني أن التفاعل في الأطروحة القومية ولد ونشأ وترعرع في مستويات ثقافية وسياسية عليا لم يكن للتشكيلات الاجتماعية شأن بها، وإن تفاعلت معها في بعض الأحايين.ہ تحول الأطروحة القومية إلي مادة للسخرية والحقد والانتقام لدي كافة التشكيلات السياسية والاجتماعية والاقتصادية جزئيا أو كليا، في الداخل القطري والخارج الإقليمي.ہ تفكيك الجغرافيا والديمغرافيا القطرية إلي جزر طائفية ومذهبية وعرقية متصارعة إلي حد التناحر. لا شك أن مثل هذه الزراعات الأيديولوجية خلفت نبَتا مشوها ومدمرا في كثير من البلدان العربية، وأنتجت جزءا من أمة عربية عنصرية وصريحة في عدائها للأطروحة القومية، وجزءا آخر مناصرا لها ولكنه في واقع الأمر لا يشعر بها ولا يدري ما هي استحقاقاتها والأهم من كل ذلك أنه فاقد لأي نمط حضاري في معايشتها كونه ولد وعاش ونشأ في بيئة قطرية منغـــــلقة علي الأقل وذات حدود ضيقة. فالفرد العربي في أية دولة عربية يعتبر عمله، مثلا، في دولة أخري غربة قاسية اضطر إلي تحمل مشاقها بسبب الحاجة الاقتصادية، وفي واقع الأمر نحن بصدد فرد لا يطيق مجرد الانتقال للعمل في بلد مجاور أو حتي في مدينة تبعد عن مسقط رأسه مسافة مائة كم، فهل من الممكن أن يصدق المرء أن ذات الفرد قادر علي بناء وطن عربي كبير، ناهيك عن العيش فيه، فيما هو عاجز عن مبارحة مقر سكنه؟! ولو قسنا المسألة في دول ذات مساحات شاسعة كتلك التي لم تشهد تقسيما استعماريا مثل الهند أو الصين أو روسيا أو حتي الولايات المتحدة لوجدنا أن أبناءها لا يتذمرون من الانتقال للعمل أو حتي العيش في أنحاء مختلفة من الوطن، بل إننا نجد موظفين يعملون في مــــناطق داخل بلدانهم تبعد مسافة ساعتين أو ثلاثاً عن مقر سكناهم، وبعضهم ذو نزعة قارية في اختياره لمقر العمل أو الإقامة حيث تجده يعـــــمل في قارة ويقيم في أخري ويقضي إجازته في ثالثة وهكذا. فكيف يمكن الترويج لأطروحة قومية تتوسط بقاع الأرض وتمتد علي مساحة تقدر بنحو 14 مليون كيلومتر مربع وسط مئات الملايين من السكان؟ في حين لا يشعر الفرد العربي ولا يستسيغ القول بأن الفرق في الوطن الأميركي بين نيويورك ولوس أنجلوس لا يختلف كثيرا عن الفرق في الوطن العربي بين صنعاء ودمشق لولا أن للضرورة أحكاماً؟ بين الرموز الإسلامية والعلمانيةأما علي المستوي التنظيمي للجماعات العلمانية فلو أخذنا التجربة الفلسطينية الأغني عربيا لوجدنا أن المقاتلين الفلسطينيين علي اختلاف انتماءاتهم الأيديولوجية في إطار منظمة التحرير الفلسطينية فضلوا التمثل والتميز برموز الكفاح الأممي مثل الجنرال الفيتنامي جياب وغيفارا وماوتسي تونغ وكاسترو وماركس ولينين علي رموزهم الوطنية والإسلامية مثل جعفر الطيار وعبد الله بن رواحة وسعد بن أبي وقاص وطارق بن زياد وموسي بن نصير وقتيبة بن مسلم وصلاح الدين وخالد بن الوليد ومصعب بن عمير وحمزة ونور الدين زنكي وغيرهم، بل وأكثر من ذلك إذا عرفنا مثلا، وحتي هذه اللحظة، أنهم ليسوا بقادرين علي تقبل الأطروحة الإسلامية كرصيد معرفي هائل يمكن أن يساهم علي الأقل إن لم يوجه الكفاح ضد إسرائيل العلمانية والتي قامت ودافعت عن نفسها حتي اللحظة بمصطلحات توراتية. ولما يتعرضون لنقاشات مثلا عن قضيتهم مع أفراد إسلاميين ينتمون إلي حماس أو الجهاد أو أية جهة إسلامية أخري (فردا أو جماعة)، حتي لو كانت غير منتمية، تجدهم في قمة الشعور بالاستفزاز بحيث يجيبون بعصبية تصل إلي حد الإهانة والسخرية وبما يشبه التنكر والإنكار: أين كان هؤلاء لما كنا نواجه إسرائيل وحدنا؟ ولماذا قاتلوا بأفغانستان؟ أليست فلسطين أقرب لهم؟ ولعلهم محقون فيما يعتقدون بما أن الأيديولوجيا القطرية التي يحملونها تعودت أن تتسع لأيديولوجيات صديقة قادمة من الصين أو موسكو أو فيتنام أو حتي الولايات المتحدة وتفاخر بها وتدافع عنها وتستميت في سبيلها ولكنها لا تتسع لشريك في الكفاح حتي لو كان من آل البيت، وأسوأ من ذلك أن البنية الذهنية والإدراكية والمعرفية والتصورية لهم لا يبدو، مهما حاولت من جهد، أن تستجيب في تطلعاتها وطموحاتها، في أحسن الأحوال، لأكثر من محيطها التنظيمي المنغلق، فكيف ستستجيب لمحيط عربي أو إسلامي ناهيك عن العقيدة والدين وما يتطلبانه من عبور نحو العالم؟ ويستحضرنا في هذا السياق امتناع الدول الصديقة الكبري عن الاقتراب من المواقف الفلسطينية والعربية ومناصرة قضاياهم لخشيتها من تقلب مواقفها وعدم اتضاح خياراتها وتقوقعها وانحسار طموحاتها في الدولة أو التنظيم أو القبيلة أو السلطة أو الامتياز وكأنها غنيمة العمر، فعلامَ تراهن دولة مثل الصين مثلا أخطأ أحد مسؤوليها في يوم ما عندما صرح بأن بلاده لن تعترف بإسرائيل حتي لو اعترف بها العالم أجمع؟ الاطروحة الاسلاميةولو عاينا الأطروحة الإسلامية بين شريحة من ذوي النزعة الجهادية العالمية فهل سيبدو الأمر مختلفا ومثيرا للانتباه؟ لنتابع القبس التالي: عندما رأيت أفغانستان وقع في قلبي أن هذه الأرض هي التي نبحث عنها لإقامة دولة إسلامية … لأن فيها الجبال، والحدود المفتوحة، ودولاً متعاونة مثل باكستان، وأناساً يمدون إليك يد المساعدة، ثم هي بقعة واسعة، والشعب كله معك… . هذا القول لعبد الله عزام مؤسس وقائد حركة المجاهدين العرب في أفغانستان إبان الاحتلال السوفييتي. فهناك، في البقعة الواسعة، بنيت قواعد عسكرية للمقاتلين العرب، ومثلها لآلاف المسلمين من غير العرب ممن شاركوا في الجهاد الأفغاني، بل إن الكثير منهم ارتحلوا إلي هناك للعيش في أفغانستان وأسسوا لأسرهم مواطن جديدة، والأمر الجدير بالذكر أن معسكرا تأسس في أفغانستان إبان حكم طالبان ضم آلاف المقاتلين العرب وغير العرب ولكن من غير الأفغان، والأجدر بالملاحظة أنهم تماثلوا فيما بينهم من حيث نمط حياتهم بالكامل من الملبس والمشرب والمأكل والمسكن وحتي الشكل، وكأن المرء لا يري فيهم إلا مقاتلي الصدر الأول من الإسلام. وحدث مثل هذا الأمر بالضبط في الشيشان حيث برز من بينهم قادة ميدانيون لا يقلون بأسا وجبروتا عن الزرقاوي أو بن لادن مثل القائد العربي الشهير خطاب. كما حدث في ألبانيا والبوسنة والهرسك، ونسبيا في أوزباكستان وطاجيكستان وتركستان الشرقية وكشمير والفلبين. ولما عاد قسم من هؤلاء إلي مواطنهم الأولي بعد انتهاء الحرب تبين أن الكثير منهم شبه عاجزين عن الاندماج حتي مع أهاليهم ناهيك عن مجتمعاتهم أو حكوماتهم، فعاد بعضهم إلي أفغانستان أو الشيشان واعتقل الكثير منهم علي خلفية ما اشتهروا به من تسميتهم بـ الأفغان العرب واندمج بعضهم وتراجع آخرون وانزوي الكثير منهم أيضا.أما عن علاقاتهم البينية فلا يحكمها أي بعد قومي أو عرقي أو قطري، ولو كانوا كذلك لما نجحوا مطلقا ولطردوا شر طردة. فقد دافع الملا عمر زعيم حركة طالبان عن تنظيم القاعدة وقادته وعناصره دفاعا مستميتا، وفضل مواجهة الأمريكان في حرب خاسرة علي تسليم بن لادن لهم إثر تفجيرات نيويورك. وها هو بن لادن والظواهري وعناصر القاعدة يعيشون حتي الآن في أفغانستان وربما، كما يقال، علي الحدود المشتركة مع باكستان بحماية القبائل المحلية تحت ضغط ومطاردة أعتي القوي الاستخبارية في العالم. ولمن شاهد الشريط الذي بثه مجلس شوري المجاهدين وظهرت فيه شخصية الزرقاوي بدون اللثام، من المؤكد أنه لاحظ عبارة ترحيب لطيفة ممزوجة بهيبة وأدب جم حين تقدم إليه أحد القادة الميدانيين من العراقيين بينما هو جالس يقول له: حيا الله شيخنا الفاضل في أرض الأنبار، أرض الجهاد والرباط … شيخنا الكريم … . فأية أيديولوجيا تتيح لرجل في بلده أن يؤمّر عليه قائدا غريبا عن دياره لمقاتلة أعدائه، ويخاطبه بلفظة شيخنا وليس سيدي مثلا؟ والمثل يقول: أهل مكة أدري بشعابها .خطاب في الشيشاننفس الأمر ينطبق علي القائد العربي خطاب في الشيشان والذي خاض حرب عصابات ومعارك أسطورية ضد الجيش الروسي لم تعادلها إلا معارك أعظم رموز الحرب الشيشانية القائد شامل باساييف. أما القائد الأفغاني المميز قلب الدين حكمتيار فمن المعروف أنه كان أشد خصوم طالبان إلا أنه لم ينزلق لحظة واحدة في التعامل مع الأمريكان بل أمر أتباعه بالقتال تحت إمرة طالبان عشية الغزو الأميركي لبلاده، ولكن المثير حقا أن يخرج هذا الزعيم الأفغاني ليعلن علي الملأ وباللغة العربية الفصحي رغبته بالانضمام إلي تنظيم القاعدة والقتال تحت إمرة بن لادن والظواهري ليس بصيغة الصديق أو الحليف بل بصيغة المهاجرين والأنصار، فنراه يقول: … نحن نشكر جميع المجاهدين العرب بالأخص الشيخ أسامة بن لادن والدكتور أيمن الظواهري وغيرهما من القادة الذين ساعدونا في جهادنا ضد الروس … وقدموا تضحيات باهظة لن ننساها لهم نحن والأجيال القادمة علي هذا المعروف الكبير، ونسأل الله عز وجل أن يوفقنا ويساعدنا في أداء واجبنا تجاههم ويمكننا من رد الجميل علي ما قدموه لنا من الدعم والتضحيات ونتمني أن نشاركهم في معركة يقودونها هم، رايتها بأيديهم، ونحن واقفون بجانبهم كأنصار لهم . أما أبو يحيي الليبي فقد فر من سجن باغرام الأمريكي في كابول مع ثلاثة من رفاقه بتاريخ 10/7/2005، وخرج علي الملأ يتحدي في قلب أفغانستان ويتوعد بجولات قتال مع الأمريكان قادمة لا محالة، وكأنه أفغاني المولد والنشأة ويعرف البلاد والعباد بحيث تؤمن له حماية معقولة في وقت تقوم طائرات الاستطلاع وقصاصو الأثر وأجهزة التتبع بملاحقة خطواته لحظة بلحظة.ببساطة، فإن مثل هؤلاء الناس لما يتحدثون بمنطق الدولة الإسلامية أو الإمارة وأمير المؤمنين أو مقاتلة قوي الكفر والظلم والبغي أو المهاجرين والأنصار فهم يتحدثون في واقع الأمر بمنطق الأمة الإسلامية بديلا عن الشعب السعودي أو الأردني أو المصري أو الليبي…إلخ وبمنطق الوطن الإسلامي بديلا عن الوطن العربي الذي لم يكن كائنا أصلا في العصور الإسلامية، وبالتالي فمرجعيتهم السلفية والتاريخية تؤهلهم إلي العيش والتنقل في سائر ما يعتقدون أنه أمة إسلامية ووطن إسلامي غير آبهين ولا متذمرين من المسافات واختلاف الملل والنحل طالما أن هذا العالم الإسلامي من المفترض أنه يتسع لكل المسلمين بقطع النظر عن مقار ولادتهم أو سكناهم.ومما هو جدير بالذكر والتفكر والتوقف عنده، وهو ما لا يريد أن يسمعه أحد أو يتقبله كحقيقة ساطعة وبديهية، أن المنطق الإسلامي يأبي في الصميم التمايز علي أسس عرقية أو اجتماعية أو مادية أو قرابية كبديل عن معايير التقوي والورع وطاعة الله ورسوله وأولي الأمر. ولو جري التفكير بهذه الحقيقة لاختلفت التحليلات والتفسيرات بمقدار 180 درجة عما هو مألوف. ونذكر بأن هذه الخصيصة هي التي جعلت جميع التيارات الجهادية تشيد صروح تربيتها لعناصرها علي أساس عقيدة الولاء والبراء لله التي أفردت لها حيزا كبيرا جدا من أدبياتها لتكون واحدة من أهم ثلاث قضايا مركزية قامت عليها هذه التيارات. هذه العقلية المحصنة بمرجعية سلفية منهجية صارمة والتي ليس لديها من معايير للقياس والمقاربة إلا القرآن والسنة وأهل السلف والإجماع ستؤدي حتما إلي ولادة مقاتل إسلامي عالمي غير مألوف في ثنايا العقود اللاحقة علي انهيار الخلافة وتقسيم الوطن العربي، مقاتل عنيد يمكن أن يتوجه، دون تردد، إلي حيث تأتيه توجيهات الأمير، مقاتل يعتقد أن الله معه في كل مكان وزمان وأن الله أكبر من كل العقبات والطغاة، هكذا هو في نيويورك وواشنطن ومدريد ولندن واندونيسيا واستانبول وكينيا والرباط واليمن والسعودية والكويت وتونس وعمّان وطابا وشرم الشيخ وغيرها. فهل يمكن لأية عمليات تأهيل أن تنجح في ثنيه عما يعتقد بسهولة؟المسألة الثانية: التكون التاريخي لتنظيم القاعدةيمكن لأي ثوري أو مجاهد أو معتقد به أو مناصر له أن يري في القاعدة كتنظيم مسلح واحدا من أشد التعبيرات غموضا في العصر الراهن. وحتي الباحث سيجد نفسه، للوهلة الأولي، إزاء أطروحة غير محددة المعالم إطلاقا ولا من أية زاوية. فلسنا إزاء حزب سياسي له جناح عسكري، ولا تنظيم سري أو علني يمكن الوقوف علي الهياكل التنظيمية المكونة له من قيادات وأفراد ومؤسسات وجغرافيا للعمل، ولا أيديولوجيا معينة ولا جهاز مالي ولا أهداف محددة مرحليا أو استراتيجيا، ولا منظومات اتصال معروفة جزئيا أو كليا. حتي أبو مصعب السوري توقف عن التعرض لتجربة تنظيم القاعدة بعد صفحة واحدة من البداية ليعتذر في الثانية معللا ذلك بخطورة ما سيكتبه بسبب وجود معتقلين من التنظيم بين أيدي المخابرات العالمية والعربية. باختصار نحن إزاء تنظيم هلامي ولكنه حقيقي ويستوجب محاولة الفهم. لذا من الأهمية بمكان الإشارة إلي وجود نظريتين تتوجهان نحو تقديم توصيف للقاعدة. والمقصود:1ـ نظرية تعتقد بوجود تنظيم عالمي حيوي للقاعدة يمتد علي مساحة الكرة الأرضية، ويضم عشرات الخلايا العاملة في شتي المجالات الأمنية والأيديولوجية والاقتصادية والإعلامية والتكنولوجية، وتتلقي توجيهات مباشرة أو غير مباشرة عبر شبكات اتصال ميدانية أو إلكترونية، وبنفس الوقت تتمتع بمبدأ اللامركزية في القيادة مما يتيح لها التحرك دون العودة إلي القيادات العليا في التنظيم. وهذه النظرية تدافع عنها الأجهزة الأمنية العالمية. وعلي أساسها تبني الولايات المتحدة الأمريكية استراتيجياتها وتخوض حربا معلنة باسم مكافحة الإرهاب. 2ـ نظرية أخري تعتقد بأن القاعدة باتت مجرد فكرة وقع تبنيها من المجموعات والأفراد علي السواء، وتنشط بمبادرات ذاتية مشكلة في بعض الأحايين ما يسمي بالخلايا النائمة. وتدافع شرائح كبيرة من المثقفين والباحثين والمحللين وحتي المؤسسات الأمنية عن هذا الاعتقاد.وفي حقيقة الأمر تبدو النظريتان علي قدر كبير من الصحة. فالقاعدة لم تكن تنظيما بالأساس منذ احتلال أفغانستان سنة 1978 وحتي ما بعد سقوط كابول 1992 في أيدي المجاهدين. فماذا كانت إذن؟ نطرح السؤال في الوقت الذي يعيب فيه أبو مصعب السوري علي الجماعات المجاهدة فشلها في توصيف نفسها وتحولها إلي تيارات جماهيرية مما كان سببا يضاف إلي سلسلة الأسباب التي أدت إلي إخفاقها في تحقيق أهدافها. لذا نراه يتساءل عن: الجماعة المجاهدة: ما هي؟ وما هو تعريفها؟ ما طبيعة علاقتها مع ما حولها من الجماعات؟ وما مشروعية تعدد تلك الجماعات المجاهدة وغير المجاهدة؟ وما نسبة صلاحياتها وفحواها إلي جماعة المسلمين العامة؟ وما مسوغات و شرعية وجودها؟ . ولا شك أن التساؤلات المطروحة تمثل، في الوقت ذاته، شروطاً أولية للنجاح بنفس القدر الذي تؤشر فيه علي الاختلالات البنيوية والمنهجية في عمل وتفكير التيارات الجهادية، ومن هذا المنطلق كانت موضع بحث مستفيض احتواها مشروع دعوة المقاومة الإسلامية العالمية وسلسلة الأبحاث التي أنجزها أبو مصعب السوري، ولا شك أيضا أن بعضها يمثل مفاتيح للاسترشاد بها للتعرف علي تنظيم القاعدة. أولا: المستوي النظري الأولمن التوصيف (1984 ـ 1992)تكمن المسألة هنا في النشأة لا سيما خلال المرحلة الأولي من الجهاد الأفغاني حين انتقل الشيخ عبد الله عزام وأسامة بن لادن إلي أفغانستان للمشاركة في الجهاد الأفغاني ضد الروس. فبالتزامن مع ما عرف بـ بيت الأنصار الذي افتتحه بن لادن في مدينة بيشاور الباكستانية سنة 1984 لاستقبال المتطوعين العرب مؤقتا أسس عبد الله عزام مكتب خدمات المجاهدين العرب. وتكاملت نشاطات الرجلين بحيث يؤدي المكتب المهمة الإعلامية وجمع التبرعات وحث المسلمين وخاصة العرب علي الجهاد بالنفس والمال فيما يؤدي البيت المهمة العملية في استقبال وتوجيه الراغبين في الجهاد أو الاطلاع علي أوضاع الأفغان. وظل بن لادن يتردد علي أفغانستان مقدما دعمه المالي للمتطوعين العرب إلي أن تفرغ للعمل الجهادي الميداني في أفغانستان ابتداء من سنة 1986.وبالتعاون مع بعض الكوادر من تنظيم الجهاد المصري من أوائل من قدم إلي أفغانستان؛ افتتح بن لادن مركزا عسكريا متقدما علي أحد المعابر الهامة لإمداد المجاهدين في منطقة (جاجي) الجبلية الوعرة التي تنتشر فيها الغابات. وخلال هذه الفترة وصل عدد المجاهدين الذين التحقوا بساحات القتال في أفغانستان تدريجيا إلي ما يزيد عن أربعين ألفا من مختلف الجنسيات موزعين علي النحو التالي:الأعداد التقريبية للمتطوعين في الجهاد الأفغاني حتي سقوط كابول سنة 1991العدد التقريبي البلد الأصلي20000 السعودية5000 اليمن4000 مصر2000 الجزائرعدة مئات المغرب (مراكش)عدة مئات ليبياعدة مئات فلسطينعدة مئات إمارات الخليج العربيأرقام تتراوح تونس والعراقبين المئات وسورية ولبنانوالعشرات وموريتانيا والصومالالعدد الإجمالي: أكثر من 40000 متطوعهذا بالإضافة لعشرات آلاف المجاهدين الباكستانيين الذين حضروا وشاركوا من خلال تجمعات ومعسكرات مستقلـــة أو مع الأفغان مباشرة.ولادة فكرة القاعدةوهكذا فمع توسع فكرة الجهاد وزيادة الأعباء واحتدام المعارك، وابتداء من سنة 1988 برزت الحاجة إلي ضرورة وجود سجلات توثق لحالات الوصول والشهداء والجرحي بعد أن احتدمت المعارك وتكاثرت استفسارات الأهالي عن أبنائهم خاصة أولئك القادمين من السعودية واليمن وما سببته من حرج لعدم توفر الإجابات. ويشير أحد المعنيين في قضايا الجهاد الأفغاني إلي أصول التسمية بالقول: أحس أسامة أن نقص هذه المعلومات أمر مخجل فضلا عن أنه خطأ إداري مبدئي. من هنا قرر ترتيب سجلات للأخوة المجاهدين العرب. ووسعت فكرة السجلات لتشمل تفاصيل كاملة عن كل من وصل أفغانستان بترتيب من مجموعة الشيخ. ورتبت السجلات بحيث تتضمن تاريخ وصول الشخص والتحاقه ببيت الأنصار ثم تفاصيل التحاقه بمعسكرات التدريب ومن ثم التحاقه بالجبهة. وأصبحت السجلات مثل الإدارة المستقلة، وكان لا بد من إطلاق اسم عليــــها لتعريفها داخليا، وهنا اتفق أسامة مع معاونيه أن يسمــــوها سجل القاعدة، علي أساس أن القــــاعدة تتضمن كل التركيبة المؤلفة من بيت الأنصار ومعسكرات التدريب و الجبهات .هكذا ظهرت التسمية كما يروي أحد المقربين أو المطلعين علي ترتيبات المجاهدين في أفغانستان آنذاك. إلي هنا تبدو القاعدة إطارا تنسيقيا خدميا يتوفر علي بعض الإدارة ذات المهام المحددة. وستظل كذلك دون أن تظهر كتنظيم مستقل علي الإطلاق إلي أن تنتهي المرحلة الأولي من الجهاد الأفغاني سنة 1992 بهزيمة الجيش الأحمر وانسحابه من أفغانستان، ويتمخض عن انتصار المجاهدين في حينه:ہ عودة الأفغان العرب وغير العرب إلي بلدانهم لا سيما أولئك الذين لم يكن لهم مشاكل أمنية تذكر مع حكوماتهم.ہ فيما بقيت أعداد قليلة جدا ممن لم يستطيعوا العودة خشية الملاحقة والمطاردة.ہ وتاه عـــدد كبير منهم في أوروبا كملاذات آمنة.ہ أما أسامة بن لادن فاتجه نحو السودان سنة 1991 مع أنصاره ومعاونيه للاستثمار هناك وبدء الإعداد لإقامة دولة إسلامية هناك.7

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية