رحلة في صميم عقل السلفية الجهادية (القاعدة نموذجا) (3)
بن لادن تحول تدريجيا من صاحب مشروع محدد إلي صاحب أجندة عالمية.. دخلت فيها فلسطيناستراتيجية القاعدة تقوم علي التواجد في مناطق التوتر والنزاع وتوجيه ضرباتها في المناطق الأشد أمنا واستقراراًرحلة في صميم عقل السلفية الجهادية (القاعدة نموذجا) (3)د. أكرم حجازييعزف المرء أحيانا عن الخوض في بعض المواضيع ذات الطبيعة الحساسة خشية المتاعب التي قد يلاقيها أو لأن المواضيع ذاتها علي درجة من الغموض بحيث يغدو التعرض لها نوع من المغامرة العلمية والأخلاقية. يستحضرني في هذا السياق كثرة الحديث عما يسمي بـ استراتيجية القاعدة وسيل التصريحات المتعلقة بوصول أو قرب وصول القاعدة إلي غزة والضفة الغربية، ولكن ما لفت الانتباه تلك التصريحات النارية التي أدلي بها الرئيس الفلسطيني محمود عباس (2/3/2006) مستندا إلي معلومات استخبارية فلسطينية تشير إلي وجود تنظيم القاعدة في المناطق الفلسطينية لاسيما غزة والضفة الغربية علي حد السواء، ولا شك أن المخاوف الإسرائيلية من تسرب تنظيم القاعدة إلي فلسطين لها ما يبررها باعتباره تنظيما يثير فزعا من نوع ما علي هذه الدولة/ إسرائيل التي تحسب لكل صغيرة وكبيرة وتَحْسَب أنها مهددة في وجودها علي الدوام بسبب النشأة الشاذة التي رافقت ظهورها في قلب العالم العربي والإسلامي، ولكن، أن تكون الخشية الفلسطينية علي لسان الرئيس ترقي إلي استعمال عبارات مرعبة من نوع تخريب المنطقة فهي مسألة تدعو إلي التأمل بقطع النظر عن اتفاقنا مع الرجل أو اختلافنا معه، فإذا ما صحت تحليلاتنا القادمة فإن كلمة تخريب ستغدو بائسة لما يمكن أن تتعرض له المنطقة.ويبدو أن الوقت قد حان لاستطلاع ما يسمي بـ استراتيجية القاعدة ، والتفتيش عن محتوي التخريب المزعوم ومداه حتي لا تبقي المسألة، وبلا مسؤولية، حبيسة لتكهنات البعض من أولئك الذين تقدمهم بعض وسائل الإعلام بصفة باحث أو خبير في الحركات الجهادية ويظنون، عبثا، أنهم كذلك، أو أولئك الذين يقدمون خدماتهم في الكتابة والبحث عن القاعدة حتي بدوا لكتاب آخرين متطفلين وكأنهم في موسم تسوق مهمتهم تنظيم جولات من السياحة الإعلامية للراغبين بها من الإعلام المحلي أو الدولي. يحدث هذا في وقت يبدو فيه العالمين العربي والإسلامي واقعين في حالة فريدة وغير مسبوقة في التاريخ من انعدام الوزن. من الواضح أن التسمية ارتبطت بظروف معينة، ومن الأوضح أيضا ان القاعدة كتنظيم ارتبطت بأسامة بن لادن. وستكون الفترة الممتدة بين عامي 1992 ـ 1996 حاسمة علي كافة الأصعدة المتعلقة ببروز القاعدة كتنظيم جهادي فريد من نوعه. ولكن متي؟ وكيف؟ فمنذ أن قرر بن لادن الاستقرار في أفغانستان ومباشرة العمل الميداني سنة 1986 إلي حين الهزيمة السوفييتية الساحقة والذهاب إلي السودان لم يكن له سوي هدفين مركزيين هما:ہ هدف عام يتمثل في المشاركة في الجهاد الأفغاني وإقامة الدولة الإسلامية في أفغانستان.ہ هدف خاص يتمثل بمشروع جهادي يكون اليمن الجنوبي الشيوعي ساحته، وقد باشر ذلك خلال سنتي (1989 ـ 1990) واستمر في محاولته إلي قيام الوحدة ولكن دون أن يحقق أي نجاح يذكر بسبب ما اعتبره خذلانا من الزعماء التقليديين للجماعات الإسلامية لا سيما الشيخ مقبل الوادعي شيخ السلفية هناك.لذا فقد حبذ العمل، في أفغانستان، مستقلا إلي جانب التيارات الأخري المشاركة والتي عملت بنفس الطريقة من الإعداد والتدريب والتوجيه لأهداف قطرية، وكان له ما أراد. ولم تكن له، طوال مرحلة الجهاد الأفغاني الأول، عداوات ولا مشاكل كبيرة مع الحكومة السعودية حتي ذلك الحين، ولم يكن ميالا حتي لفكرة عولمة الجهاد إلي أن ظهرت مشكلة الكويت سنة 1991 واستقدام القوات الامريكية إلي الجزيرة العربية وما خلفه هذا الاستقدام من زلزال عنيف أصاب الأمة وقسمها أفقيا ورأسيا ليس علي خلفية احتلال العراق للكويت بل علي مشروعية وجود قوات غربية صليبية في أرض الحرمين والاستعانة بها. وكانت التيارات الجهادية العاملة في أفغانستان أكثر من عاني من آثار هذا الزلزال. وتأسيسا علي حالة الانقسام هذه بين ساسة الأمة من جهة وبين علمائها من جهة أخري مثلت السنوات الفارقة بين السودان وطالبان المخاض الفكري الحاسم لدي بن لادن والذي انتهي إلي إعلان الحرب علي الولايات المتحدة الأمريكية وعلي الأنظمة السياسية العربية قاطبة متهما إياها بالكفر والردة والتعاون مع الأعداء. وكان لهذا التحول سببان كما يورد أبو مصعب السوري:ہ تأثر بن لادن بتيارات الجهاد الإسلامي القادمة من مصر.ہ الحضور الأمريكي والغربي الكثيف للقوات المسلحة في الجزيرة العربية بدعوة من حكامها، والأنكي منه ما اعتبره تشريعا من هيئة علماء المسلمين الرسمية لهذا الحضور. ومن الطبيعي أن يستدعي هذا التحول مواقف جديدة كل الجدة، ستدفع بن لادن تدريجيا إلي الصعود أكثر من درجة علي السلم حيث سينتقل من صاحب مشروع جهادي محدود إلي زعيم لتنظيم جهادي عالمي، ومن معارض ليّن بالنصيحة والمذكرات والرسائل للحكومة السعودية ولهيئة علماء المسلمين وعلي رأسها الشيخ ابن باز إلي معارض شديد وصعب المراس يصب جام غضبه علي السلطة وهيئة العلماء بحملات إعلامية نشطة ومكثفة، ومن معارض للوجود الامريكي ونازع للشرعية السياسية والدينية عنه إلي ذروة السلم كمقاوم بالفقه الشرعي وبالسلاح للولايات المتحدة الأمريكية في الجزيرة وفي شتي بقاع الأرض. وتبعا لذلك، وعبر نمط الإسلام الشمولي والعالمي، كان ينبغي التوقف عن المشاريع المحدودة وأن يجري الاستحضار الشرعي للقضية الفلسطينية برمتها عبر الربط الطبيعي بين ما يراه عدوانا أمريكيا علي المسلمين في العالم وعدوانا إسرائيليا صهيونيا علي المسلمين في فلسطين وبالتالي إضافة المسجد الأقصي إلي قضية الحرمين الشريفين.خيبة امل في السودانولكن قناعته في السودان التي تحولت إلي ملاذ آمن تحكمه الشريعة سرعان ما بددته الوقائع. ففي سنة 1995 خلال عهد الرئيس بيل كلينتون نفذت الولايات المتحدة برامجها في مكافحة الإرهاب والتي تمثلت بإغلاق كافة الملاذات الآمنة أمام من تعتبرهم إرهابيين، وعملت علي نقل وتوسيع مستوي التنسيق الأمني من الحالة الإقليمية إلي الحالة الدولية، وفرضت علي الدول توقيع اتفاقيات أمنية لتبادل المطلوبين وطرد ما لديها ممن تعتبرهم إرهابيين أو تسليمهم إلي بلدانهم، وهي سياسة تضخمت إلي حد التخمة في عهد الرئيس بوش الابن لا سيما بعد هجمات ايلول (سبتمبر). وهكذا لم يجد بن لادن ومن معه من أنصار وقوي جهادية احتمت بالسودان إلا الرحيل صوب إمارة طالبان وبدء المرحلة الجديدة من الجهاد الأفغاني سنة 1996 تحت مظلة ومبايعة الملا محمد عمر زعيم الطالبان. غير أن واقع الأمر مختلف هذه المرة، فالعائدون تغلب عليهم صفة النخبة من بين التيارات الجهادية المختلفة، كما أن عددهم لم يتجاوز في أحسن الحالات بضعة آلاف مع أسرهم. ومع حلول عام 2000 كانوا قد نجحوا في تأسيس 14 تجمعا أو تنظيما أو معسكرا مستقلا ومعترفا به رسميا من قبل طالبان وتربطهم بوزارات الدفاع والداخلية والاستخبارات برامج ضبط وتنسيق وتعاون سواء في تنسيق دعمهم وجهادهم إلي جانب طالبان، أو في برامجهم الذاتية عدا المجموعات الباكستانية التي كانت متعددة ولها أيضا ترتيبها الخاص. العودة لأفغانستانوكان ممن عاد لخوض المرحلة الثانية من الجهاد الأفغاني:ہ المجموعات العربية والتي ضمت كلاً من تنظيم القاعدة بزعامة أسامة بن لادن والجماعة الإسلامية المقاتلة بليبيا بقيادة أبو عبد الله والجماعة الإسلامية المجاهدة في المغرب (مراكش) بقيادة أبو عبد الله الشريف وجماعة الجهاد المصرية بقيادة أيمن الظواهري والجماعة الإسلامية المصرية وتجمع المجاهدين الجزائريين وتجمع المجاهدين من تونس وتجمع المجاهدين من الأردن وفلسطين بقيادة أبو مصعب الزرقاوي ومعسكر خلدن (معسكر تدريبي عام) وقاده ابن الشيخ ـ صالح الليبي ومساعده أبو زبيدة ومعسكر الشيخ أبو خباب المصري (معسكر تدريبي عام) ومجموعة معسكر الغرباء التي قادها أبو مصعب السوري.ہ ومن غير المجموعات العربية يشار إلي المجموعات الأوزبكية ومثلها من تركستان الشرقية المحتلة من قبل الصين بقيادة أبو محمد التركستاني ومجموعات من تركيا. في الأثناء بذل الكثير من أنصار القاعدة ومفكريها وبعض تيارات الجهاد المصري وغيرها بما في ذلك أبو مصعب السوري جهودا جبارة لإقناع التيارات المختلفة بالانضواء تحت مظلة الجهاد العالمي. ففي شباط (فبراير) سنة 1998 أعلنت سلسلة من المجموعات المقاتلة في أفغانستان عن الاندماج فيما بينها عبر تشكيل إطار جبهوي أعلن عنه باسم الجبهة الإسلامية العالمية لقتال اليهود والصليبيين بقيادة أسامة بن لادن وأيمن الظواهري، وهذا صحيح إلا اننا نتحفظ علي ما ذكر من انضمام بعض الجماعات لعدم توفر معلومات دقيقة عن صحة ذلك لا سيما وأن الغالبية الساحقة منها لم تستجب لدعوة بن لادن إلا في اللحظات الأخيرة من عام 2001 حين أقحمتها أمريكا قسرا في هذا الاتجاه بعد هجمات ايلول (سبتمبر)، فقد كان لهذه التيارات برامج قطرية خاصة بها فضلا عن أنها لم تعتد العمل بطريقة التنظيم العالمي وهي المبنية علي صيغة التنظيمات القطرية ـ السرية ـ الهرمية، والأهم أنها لم تلحظ قط بنية مؤسسية أو أيديولوجية مألوفة لها. إلا أن هذا التمنع توقف فعلا مع الغزو الأمريكي لأفغانستان وانقراض الغالبية الساحقة من رموز التيارات الجهادية ومخزونها البشري قتلا واعتقالا لما يتراوح بين 3000 ـ 4000 شخص من بينهم أطفال ونساء، فضلا عن تراجع البعض منها كما فعلت الجماعة الإسلامية فيما عرف عنها بـ مبادرة وقف العنف .هكذا نشأ تنظيم القاعدة وهكذا استقر بعد الاحتلال الأمريكي لأفغانستان، إلا أن التغير الكبير سيأتي تباعا كلما توسعت رقعة المواجهة مع الأمريكان باحتلال العراق حيث سنشهد حينها تفريخا كبيرا للخلايا في عديد البلدان العربية والإسلامية ومزيدا من انضمام التيارات والجماعات إلي التنظيم أو إلي فكرة الجهاد العالمي.ثانيا: المستوي النظري الثاني من التوصيفكان أبو مصعب السوري قبل اعتقاله مؤخرا من القلة المعدودة التي نجت من مذبحة الفتك بأفغانستان والتي نفذتها الولايات المتحدة وباكستان غداة هجمات ايلول (سبتمبر)، وكان واحدا من أعمدة الفكر الاستراتيجي للتيارات الجهادية الراهنة وخاصة القاعدة بوصفه مشاركا ومؤرخا ومحاضرا ومحاورا ومدربا في معظم التجارب الجهادية العربية وحتي غير العربية، ولا شك أن له تأثيره الخاص علي توجهات تنظيم القاعدة نحو العالمية، كما أن مشروعه في الدعوة إلي مقاومة عالمية شاملة لاقي تجاوبا في المحصلة وباتت أفكاره تعبر عن صميم تفكير القاعدة. ومن الطريف ملاحظة تسمية المؤلف الضخم الذي افتتحه بلفظة دعوة … . وليس حركة أو تنظيم أو حزب. وعلي فرادة وجدية الموضوعات المطروحة وذات الصفة الموسوعية، وحين سبر أغوار المؤلَّف المنهِك وتوابعه من الإنتاجات الغزيرة للكاتب الصوتية منها والمرئية سيتبدي بوضوح ما يمكن اعتباره توصيفا بالغ الدقة لتنظيم القاعدة حاليا والذي امتنع عن التعرض له بالكتابة.ففي المؤلَّف يعرض السوري لدستور الدعوة بشكل مفصل وميسر، وفي المادة الأولي منه يكشف النقاب عن هوية الدعوة عبر النص التالي: دعوة المقاومة الإسلامية العالمية ليست حزباً، ولا تنظيماً، ولا جماعة محدودة محددة. فهي دعوة مفتوحة. هدفها هو دفع صائل القوي الاستعمارية الصليبية الصهيونية الهاجمة علي الإسلام والمسلمين. ويمكن لأي تنظيم أو جماعة أو فرد اقتنع بمنهجها وأهدافها وطريقتها، الدخول فيها بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر .هذه ملاحظة يصعب تجاوزها أو التقليل من مضمونها وخلفيات بنائها لا سيما أنها خُطَّت بعد نحو ثلاث سنوات من سقوط طالبان ومذبحة القاعدة في قلعة جاجي. وفي رسالة وجهها أحد رواد المنتديات الجهادية إلي تنظيم القاعدة بعنوان: رسالة عاجلة جدا إلي تنظيم القاعدة في جزيرة العرب (السعودية) يحذر فيها من أن التنظيم الذي نجح في فرض منطق القوة العسكرية فشل في تحقيق اختراق علي مستوي الفكر القادر علي إحداث انقلاب فكري في مجتمع جزيرة العرب، بل ظل هذا الفكر كما بدأ في حدود ضيقة ودوائر مغلقة لم يستطع التنظيم الخروج منها ليصبح تيارا شعبيا شاملا . فإلي أي مدي تبدو مثل هذه الفرضية صحيحة فيما ذهبت إليه؟في الحقيقة تبدو صحيحة إلي حد كبير علي مستوي الروافد البشرية للتنظيم نفسه والذي يشكو نقصا في الكادر، وهو ما عبرت عنه القاعدة في أفغانستان والعراق عبر دعوات صريحة ومباشرة من قادة التنظيم، وهذا يعود ليس إلي قصور في شيوع أفكار القاعدة بقدر ما يعود بالدرجة الأساس إلي قصور تنظيمي في العمل علي تجنيد الأفراد وتأمين نقلهم إلي الجبهات بالرغم من حملات المطاردة والملاحقة وهو ما اعتادت عليه القاعدة أصلا. أما علي مستوي الفكرة فليس ثمة شك في انتشار فكرة الإسلام العالمي المقاتل التي اخترقت إجمالي التشكيلات الاجتماعية والسياسية والدولية علي حد سواء، وباتت فكرة عابرة سياسيا للقارات وللأيديولوجيا وحتي للمجتمعات الغربية وإنْ بشكل محدود جدا، فيما تدعو اليه القاعدة ليس صعباً الوصول إليه وإن كان ثمة رغبة وحرص وجهود جبارة من قبل الدول وأجهزة الأمن والاستخبارات والجماعات المناهضة للقاعدة وأفكارها تنصب علي محاربتها ومحاربة أفكارها ومحاصرة انتشارها بما في ذلك حظر المواقع والمنتديات المناصرة لها والمعادية للولايات المتحدة. إذن في الحديث عن تنظيم القاعدة علي مستوي العبور القاري والأيديولوجي، وانطلاقا من السلفية كمنهج في العمل والتفكير يمكن ملاحظة القاعدة كمجموعة تنظيمات تقع في مستوي: الخلايا الفاعلة والخلايا النائمة في بلدان عديدة في العالمہ الجماعات والتنظيمات الإسلامية المتهمة بموالاة القاعدة وذات النشأة المختلفة أو ذات الارتباط الفكري أو التنظيمي بها مع تمتعها باللامركزية في العمل. وبالرغم من صعوبة رصد مثل هذه الجماعات إلا أنه يمكن الإشارة إلي بعض من أبرزها مثل تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين، وتنظيم الجماعة الإسلامية في اندونيسيا والتي ينسب لأحد أعضائها تفجيرات بالي، وتنظيم جيش عدن أبيَن الذي بايع بن لادن علي الولاية سنة 1998، وينسب له تدمير المدمرة الأمريكية كول سنة 2000، والجماعة السلفية للدعوة والقتال في الجزائر والتي أعلنت استعدادها مؤخرا للانضمام إلي تنظيم القاعدة، وتنظيم جماعة أنصار الإسلام الكردية في كردستان العراق، والجماعة الإسلامية المقاتلة الليبية، وميليشيات المحاكم الإسلامية في الصومال والتي لا يستبعد تصنيفها من قبل أجهزة الاستخبارات الأمريكية بالانتماء إلي القاعدة، وتنظيمات متعددة باسم جند الشام أو جند الإسلام في أوساط العرب والسنة الإيرانيين وأخيرا مقاتلي الحزب الإسلامي الأفغاني بزعامة حكمتيار.ہ الجماعات والتنظيمات الإسلامية المسلحة وغير المسلحة وغير الموالية للقاعدة ولكنها، إن لم تكن مناصرة وداعمة فهي محايدة علي الأقل، وبالتالي قابلة للتحول والعمل وفق منهج القاعدة بفعل ظروف سياسية قد تضطرها إلي الإفلات من حالتي التردد والجمود والانخراط بفكرة الإسلام العالمي المقاتل، جزئيا أو كليا، كحزب التحرير وجماعات الإخوان المسلمين والدعوة وحتي حركة حماس والجهاد الإسلامي والتبليغ والدعوة وغيرها.ہ بعض الجماعات المسلحة الوطنية غير المرتبطة بأية أيديولوجيا إسلامية ولكنها تظهر تعاطفا كبيرا مع الفكرة ولعلها تشهد تحولا بطيئا نحو صريح الفكرة، وتشكل بعض الأجنحة العسكرية لحركة فتح أمثلة ملموسة بالإضافة إلي لجان المقاومة الشعبية وجناحها العسكري ألوية الناصر صلاح الدين.هذا العرض الموجز عن التنظيم كفكرة يشير إلي مفاتيح الانتشار الشعبي، بمعني أن تحول القاعدة كتنظيم عابر للقارات ومتغلغل بين الشعوب لا يقع في سياق الانتشار الأيديولوجي الذي يتحقق نسبيا عبر العمليات المسلحة للقاعدة بقدر ما يتحقق عبر شبكة التنظيمات والجماعات المختلفة والتي تمثل الرصيد الفعلي لأي اختراق محتمل وواسع النطاق. وإذا كان من الصحيح الجهر بأن عملية هجومية كبيرة جدا كهجمات نيويورك وواشنطن قد حققت تعاطفا هائلا مع القاعدة إلا أن أسلوب العمل فشل في استثمار هذا التعاطف وتوظيفه، أو أن القاعدة تخشي فعليا من تحولها إلي تنظيم جماهيري يسهل اختراقه ويصعب السيطرة عليه تماما مثلما حصل مع التنظيمات الفلسطينية غداة معركة الكرامة في غور الأردن (آذار/مارس 1968) والتي انتهت بالإغراق الجماهيري الذي أفقدها القدرة علي التأهيل العميق للأفراد.هكذا تبدو النظريتان علي مستوي كبير من المصداقية، لهذا لم يعد يتحدث أحد عن تنظيم متقوقع أو محصور في بقعة جغرافية معينة لأهداف محدودة بل عن شبكة تنظيم مترامية لم تعد مرتبطة بشخص بن لادن ولا بغيره بقدر ما هي مرتبطة بفكرة لم تعد ملكا لأحد ولم تعد السيطرة عليها ممكنة ولا أحد يستطيع التكهن بنهاياتها.المسألة الثالثة: فلسطين في عقل القاعدةأولا: استراتيجيا المواجهة عند القاعدة لا ريب أن لتنظيم القاعدة تطلعات جهادية نحو تحرير فلسطين، فمنذ التحول الأيديولوجي الكبير الذي طرأ علي فكر بن لادن والظواهري وغيرهما من قادة التنظيم ومنظريه لجهة وجوب الربط المحكم بين المساجد الثلاثة والتخلي عن مقاتلة أنظمة الحكم العربية لصالح مقاتلة القوي الغربية واليهودية الصائلة في بلاد الإسلام، توالت خطابات قادة التنظيم ورسائلهم الصوتية والمرئية تباعا ابتداء من بن لادن والظواهري وانتهاء بالزرقاوي، وأخص بالذكر هنا القَسَم الشهير لبن لادن غداة أحداث أيلول (سبتمبر). ولكن، كيف يمكن قراءة هذه التطلعات؟ وما علاقتها في التطبيقات الاستراتيجية للقاعدة؟1) التواجد في مناطق التوترثمة صعوبة فائقة في الإجابة علي السؤال، فنحن ما زلنا بصدد تنظيم غير مؤسسي، ولسنا معتادين علي طرح مثل هذه الأسئلة في وضعية كهذه حتي نتمكن من دراسة الأهداف والغايات والوسائل وما إلي ذلك، لذا سنعمد إلي مقاربة منهجية تسمح لنا بالمرونة في التفكير ولكن انطلاقا من ضبط منهجي صارم. فما سبق وقدمنا له من مضمون جوهري للسلفية سيكون منطلقا لنا في السعي للاقتراب من استراتيجيا القاعدة علي أسس دينية وليس فقط علي أسس أيديولوجية أو إعلامية أو سياسية أو حتي عسكرية خاصة وأن أحد كبار منظري القاعدة يورد عبارة جد طريفة لما يقول: إن الضعفاء لا يستطيعون وضع الإستراتيجيات. وذلك لعدم إمكانيتهم في فرض الظروف، أو علي الأقل المحافظة علي ثباتها. ولذلك قد تتغير الإستراتيجيات نتيجة الانقلاب في الظروف العامة. ومن الأجدي أن تكون إستراتيجية المقاومة مجموعة خطوط إستراتيجية عريضة تعطيها مرونة الحركة وتبديل التكتيكات بحسب الوقائع الناشئة .فمن أين يمكن الإتيان باستراتيجية إذا كانت الظروف كلها تصب في غير مصلحة التيار الجهادي عموما والقاعدة خصوصا؟ ومن أين للقاعدة أن تتوفر علي خطوط استراتيجية عريضة توجه اختياراتها وتتحكم بمصيرها إن لم تكن واقعة في صلب السلفية كمنهج، وفي صلب الفقه الجهادي منه، باعتبار الجهاد بالنسبة للقاعدة عبادة بالدرجة الأساس قبل أن يكون دفعا لصائل من الأعداء؟إذن، بما أن القاعدة هي تنظيم سلفي أصيل بالدرجة الأساس، فالتفكير خارج الإطار السلفي للكشف عن نوايا القاعدة ربما يكون مضيعة للوقت، وهذا يعني أن الحديث عن فلسطين أيا كانت الظروف السياسية والأمنية هو حديث ذو طابع سلفي، بمعني أن تحرك التنظيم مرتبط بشكل أو بآخر بالتوجيهات الدينية التي تحكم حركة التنظيم، وبالوضع علي الأرض أو ما تسميه القاعدة بفقه الواقع.ومع ذلك، وعلي صغر مساحة فلسطين، وضيق الحراك السكاني فيها لا سيما في المناطق المحتلة سنة 1967 وما تتميز به من كثافة سكانية عالية جدا ثمة عشرات التنظيمات والجماعات المسلحة المنضبطة وغير المنضبطة والتي تسببت في ازدحام كثيف في السلاح وصل إلي حدود الفوضي وما يسمي بالفلتان الأمني حتي أنه بات يهدد بحرب أهلية، فالتشكيلات المسلحة جميعها الإسلامية وغير الإسلامية فعلت فعلها في إسرائيل وقواتها المحتلة خلال السنوات الخمس من انتفاضة الأقصي، وأوقعت فيها خسائر فادحة مقابل خسائر فلسطينية بشرية وبنيوية كبيرة جدا ومؤلمة. وتأسيسا علي ذلك ثمة تساؤل يتربع علي قمة المشروعية دون مزاحمة: ما الذي يمكن أن تفعله القاعدة بإسرائيل أكثر مما فعلته بها الأجنحة العسكرية لحماس أو الجهاد أو فتح وغيرها؟ فعلا، قد يبدو السؤال، للوهلة الأولي، مشروعا، ولكنه في العمق المؤقت مغلوط. فالحديث عن أن القاعدة وصلت إلي فلسطين أو بعض مناطقها حديث غامض لم تثبت صحته بعد، ولعل السؤال هو: بأي شكل يمكن للقاعدة أن تتواجد في فلسطين، وبشكل من شأنه أن يحقق جدوي ونقلة نوعية في القتال ضد إسرائيل؟ قلنا أنه من العبث التفكير بإستراتيجية القاعدة في المواجهة بمعزل عن المنهج السلفي كموجه لخياراتها الجهادية أو بمعزل عن مفهومها للإطار الإسلامي. ولكن حتي نفهم أطروحة القاعدة جيدا يمكن التساؤل بجدية أكبر: إذا كانت القاعدة تنظيما إسلاميا يسعي إلي إقامة الدولة الإسلامية وإحياء سنة الخلافة في الحكم فماذا تريد، مثلا، جماعة كالإخوان المسلمين أو أي جماعة أخري غير تحقيق هذا الهدف؟ أو بماذا تختلف القاعدة عن غيرها من الجماعات؟ هنا ينبغي التمييز فعلا، فالغالبية الساحقة من الجماعات الإسلامية المسلحة وغير المسلحة تكتفي بالحديث عن أهداف قطرية من نوع مصر أولا، أو تقبل بالديمقراطية والمنافسة بالانتخابات كسبيل سلمي للوصول إلي السلطة والمشاركة في الحكم، أو تطرح شعار الحل الإسلامي بديلا عن الحل العلماني أو الحل الوطني أو أنها تطالب بإعمال مبدأ الحاكمية في بلدها وهكذا، وثمة جماعات غير مسيسة أصلا فضلا عن رفضها الدخول في أي عمل سياسي، بل ويشترط بعضها علي أعضائه المبايعة علي نبذ العمل السياسي وتحريمه. مثل هذه الأطروحات عند القاعدة لا وجود لها إطلاقا، فهي وإن كانت تشن حربا علي الولايات المتحدة والقوي الغربية وتحملها مسؤولية العدوان والنهب الذي تتعرض له الأمة الإسلامية والعربية فلأنها قدمت في أطروحتها الإسلام أولا بديلا عن الأطروحة القطرية أو القومية، ولأنها تعتقد أن المقاتل الأمريكي العالمي الصائل في بلاد المسلمين لا يمكن مواجهته إلا بمقاتل إسلامي عالمي. ولكن أين؟ وفي أية جبهة؟ ذلك هو السؤال.ربما يكون صحيحا أن القاعدة وغيرها من التيارات الجهادية فقدت الملاذات الآمنة والجبهات المفتوحة ولم يعد لديها من سبيل إلا اعتماد استراتيجية بناء السرايا الصغيرة ذاتية النشأة والتكوين والدفع والمنقطعة عن بعضها وعن أي ارتباط كان انقطاعا تاما والعمل بصورة منفردة حتي بعيدا عن الأمير المؤسس لها كما يقترح أبو مصعب السوري في مؤلفه.ولكن الملاحظ، من خلال المتابعة والرصد، أن القاعدة تحوز علي إستراتيجية فريدة في الصراع تقوم علي التواجد في مناطق التوتر في العالمين الإسلامي والعربي من جهة بينما نراها تضرب في المناطق الأشد أمنا واستقرارا ومراقبة من جهة أخري، وغالبا ما تنجح رغم كثافة الاحتياطات الأمنية ودقة المراقبة والرصد، بمعني أن القاعدة من المرجح أنها لا تستطيع العيش والعمل والتخطيط إلا في بيئة مضطربة ومنقسمة علي نفسها أو مرشحة للانقسام أو ذات حكم بوليسي أو مناطق فوضي أو معازل اجتماعية وسياسية أو ضمن تجمعات مذهبية أو طائفية أو ذات نزاعات مسلحة واضطرابات سياسية. هذه هي البيئة المفضلة التي تنتعش فيها تنظيمات القاعدة ومناصروها دون أن تساهم بالضرورة في خلقها أو تهيئتها. وفي السياق يمكن ذكر أفغانستان وعربستان وكشمير والباكستان والهند وإندونيسيا والشيشان، ولبنان وفلسطين وسورية والأردن والعراق والجزيرة العربية لا سيما اليمن والسعودية والكويت وليبيا وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا والصومال ودارفور وتشاد والسودان وغيرها من مناطق التوتر في العالم. أما عن ضربات القاعدة فيمكن ذكر نيويورك وواشنطن ولندن ومدريد واستنبول وكينيا وتنزانيا وإندونيسيا والمغرب واليمن والأردن وغيرها.2) توسيع ساحة المواجهةتعتبر هذه العقيدة أخطر ما يمكن تصوره في فكر القاعدة علي الإطلاق لأنها ستعني جعل بلدان العالم الإسلامي مجتمعة أو منفردة ساحة مواجهة حقيقية بكل ما يترتب علي ذلك من كوارث. كما أنها ستعني سقوط نظرية مصر أولا أو فلسطين أولا أو أفغانستان أولا… .. من فكر التيارات الجهادية وإحلال فكرة ساحة المواجهة أولا أو فكرة الحفاظ علي تماس مع العدو أولا بديلا عنها. وهي فكرة جلبتها المنظمات الفلسطينية لتوريط الدول العربية في حرب مع إسرائيل، والحقيقة غير الخافية أنها فكرة لطالما داعبت خيال مؤسسي حركة فتح الذين ناقشوا طويلا إمكانية توسيع ساحة المواجهة مع إسرائيل عبر جرها إلي احتلال المزيد من الأراضي العربية المجاورة لا سيما في الأردن وسورية ولبنان طمعا بالجغرافيا المواتية لحرب عصابات وبالحضور الفلسطيني الكثيف في هذه الدول. غير أن استراتيجيا المنظمات الفدائية العلمانية والإسلامية فشلت في تحقيق هذا المسعي والذي كان آخر تطبيقاته حين دخلت القوات العراقية إلي الكويت في 8 آب (اغسطس) 1990.والآن تأتي القاعدة وعبر تحديد جديد لفسطاط الأصدقاء والأعداء وبأدوات وتكتيكات جديدة لتجعل من هذه الأفكار حقيقة واقعة وليس تمنيات أو عبر تخبطات، كونها متحررة من ضغوط الأيديولوجيا والالتزام بأية مصالح سياسية أو أمنية أو اقتصادية تجاه هذه الدولة أو تلك. فهل هي قادرة علي تحقيق أهدافها؟ وما الذي سيمنعها من تنفيذ مخططاتها إنْ هي عزمت علي ذلك؟قبل أقل من عام تقريبا تناقلت وسائل الإعلام وثيقة سرية بعنوان استراتيجية القاعدة تتحدث عن وضعها لخطة نظرية مدتها عشرون عاما (2000 ـ 2020)، وهي كما تقول خطة واقعية وقابلة للتطبيق ضمن جدول وبرنامج زمني مدروس ومحكم، وفي المرحلة الأولي من الوثيقة (الافاقة 2007 ـ 2010) يري واضعو الوثيقة أن الولايات المتحدة، في ردها السريع علي هجمات ايلول (سبتمبر)، قد بلعت الطعم بالكامل وحتي الثمالة حين أقدمت علي احتلال أفغانستان والعراق.ولا نبالغ إذا قلنا أن اللعبة بين القاعدة وواشنطن تشبه عض الأصابع، فإن كانت القاعدة نجحت فعلا عبر تخطيط مسبق ومدروس باستدراج واشنطن إلي ساحة المواجهة، إلا أن غرق الولايات المتحدة في المستنقع العراقي بالرغم من تدميره وتخريب مكوناته البنيوية وتحطيم نسيجه الاجتماعي يطرح مئة سؤال عما إذا كانت امريكا بصدد فتح مواجهات جديدة مع إيران وسورية وتحقيق احتلالات أخري علي شاكلة ما يحدث في العراق وأفغانستان، فإذا ما صمدت الولايات المتحدة وابتلعت الخنجر ستكون بهذه الطريقة، علي الأقل، قد قطعت الطريق علي القاعدة بتوسيع ساحة المواجهة ولجأت فعليا إلي الحضور الاستخباري المكثف واستعمال سياسات التهديد والضغوط ضد الدول العربية تجنبا لخوض مواجهات مسلحة مباشرة.غير أن الولايات المتحدة وأوروبا ستظل بعيدة عن الشعور بالأمان أبدا طالما بقيت خلايا القاعدة المنتشرة في شتي أرجاء العالم تصول وتجول في أراضيها وتخيم عليها وعلي مؤسساتها كالشبح علي مدار الساعة، فمن ذا الذي سيمنعها من ايلول (سبتمبر) جديد لا سيما وأن الشواهد لما تزل حية بعد، ومن أمثلتها:ہ سلسلة الهجمات العنيفة التي شنتها القاعدة أو تنظيماتها أو الخلايا المناصرة لها في لندن ومدريد وبالي وغيرها.ہ لجوء القاعدة إلي تنظيم عناصر غير عربية ومن داخل أوروبا والولايات المتحدة لتنفيذ هجمات محلية، مما يعقد مهمة القوي الأمنية والاستخبارية ويمس صفو نمط الحياة الغربي الذي بدأ يتعكر من خلال التجسس علي المواطنين وسن تشريعات قانونية تحد من حرية الفرد وتضرب مبدأ حقوق الإنسان في الصميم.ہ التهديدات التي تطلقها القاعدة بين الفينة والأخري لا سيما تهديد أسامة بن لادن وأيمن الظواهري بوجود مشاريع هجمات قيد الإعداد إن لم يكن قيد التنفيذ، وكأن القاعدة باتت تدرك أن ضربات ايلول (سبتمبر) ولندن ومدريد وبالي وغيرها لم تعد كافية لإيقاع استفزاز شديد يعيد قلب الموازين، ويدفع إلي استئناف استراتيجية توسيع ساحات المواجهة.ہ الفتوي التي أصدرها بن لادن والتي تجيز استهداف المؤسسات النفطية علي اختلافها لخلق فوضي عالمية عارمة والحيلولة دون استفادة الدول من عائداتها كما تقول استراتيجيا القاعدة في مرحلتها الثانية، وقد رصد العالم بقلق المحاولة الفاشلة التي قامت بها خلايا قاعدية في السعودية قبل مدة وجيزة. ان اللعبة بين القاعدة وواشنطن باتت مكشوفة وتشبه عض الأصابع إذ أن كل شيء ممكن الحدوث، ولعل أهم استنتاج يمكن التوصل إليه بالنسبة لهذا الشق من المسألة، بالنظر لما سبق، يجزم بما لا يدع مجالا للشك أن القاعدة لا يمكن لها أن تنحصر في إطار جغرافي معين وتكتفي، فهي بحاجة فعلا إلي مساحات شاسعة للتحرك وهو ما تلتزم به حتي الآن، ولا يبدو أنها في طريقها إلي تغيير استراتيجيتها تلك، ولا يبدو أن أحدا قادر علي محاصرتها وهي بهذه العقلية.7