رحلة في صميم عقل السلفية الجهادية القاعدة نموذجا (1)

حجم الخط
0

تيارات جهادية ذات مخزون جهادي فقير استطاعت فرض مواجهة مع النظام العربي والعالميالوهابية تعبير ذاتي عن الحاجة للإصلاح وليست مذهبا خامسا ولا تنظيما دينيا أو سياسيا وليست فرقة

د. أكرم حجازييعزف المرء أحيانا عن الخوض في بعض المواضيع ذات الطبيعة الحساسة خشية المتاعب التي قد يلاقيها أو لأن المواضيع ذاتها علي درجة من الغموض بحيث يغدو التعرض لها نوعاً من المغامرة العلمية والأخلاقية. يستحضرني في هذا السياق كثرة الحديث عما يسمي بـ استراتيجية القاعدة وسيل التصريحات المتعلقة بوصول أو قرب وصول القاعدة إلي غزة والضفة الغربية، ولكن ما لفت الانتباه تلك التصريحات النارية التي أدلي بها الرئيس الفلسطيني محمود عباس (2/3/2006) مستندا إلي معلومات استخبارية فلسطينية تشير إلي وجود تنظيم القاعدة في المناطق الفلسطينية لاسيما غزة والضفة الغربية علي حد السواء، ولا شك أن المخاوف الإسرائيلية من تسرب تنظيم القاعدة إلي فلسطين لها ما يبررها باعتباره تنظيما يثير فزعا من نوع ما علي هذه الدولة/ إسرائيل التي تحسب لكل صغيرة وكبيرة وتَحْسَب أنها مهددة في وجودها علي الدوام بسبب النشأة الشاذة التي رافقت ظهورها في قلب العالم العربي والإسلامي، ولكن، أن تكون الخشية الفلسطينية علي لسان الرئيس ترقي إلي استعمال عبارات مرعبة من نوع تخريب المنطقة فهي مسألة تدعو إلي التأمل بقطع النظر عن اتفاقنا مع الرجل أو اختلافنا معه، فإذا ما صحت تحليلاتنا القادمة فإن كلمة تخريب ستغدو بائسة لما يمكن أن تتعرض له المنطقة.

ويبدو أن الوقت قد حان لاستطلاع ما يسمي بـ استراتيجية القاعدة، والتفتيش عن محتوي التخريب المزعوم ومداه حتي لا تبقي المسألة، وبلا مسؤولية، حبيسة لتكهنات البعض. بداية لسنا بصدد البحث عن استراتيجيا التنظيم في اللغات المهيمنة والدارجة كما هو الحال في الصحافة والإعلام والسياسة، بل في فلسفة التنظيم بالذات، باعتباره بالمحصلة تنظيما يستقي أفكاره (من) ويتغذي (علي) عقيدة السلف. ولأن هذه الفلسفة تقع في نطاق عريض يمثل فيه القرآن والسنة والتراث السلفي معينه الذي لا ينضب فسنعمد إلي البحث والتنقيب عما يمكن أن يقربنا ويتيح لنا إمكانية التعرف علي ما يجري في الواقع والكشف عن استراتيجيا القاعدة ليس من خلال لغة الخطابات الإعلامية والأيديولوجية أو بعض النشاطات المسلحة للقاعدة بل وفي ضوء المحتوي الديني بالذات والذي نعتقد أنه الأكثر حسما في توجيه عقل القاعدة. وعلي الرغم من أن البحث لا يدخر جهدا في طرح الكثير من التساؤلات التي يحاول الإجابة عليها قدر المستطاع، إلا أن الكيفية التي تحول بها تنظيم القاعدة إلي تنظيم عالمي مقاتل، ومحاولة التحقق مما إذا كانت عملياته قد وصلت إلي فلسطين أو أن المسألة لا تعدو أن تكون فزاعة لتمرير مخططات التصفية للقضية الفلسطينية، تقع في القلب من جملة التساؤلات المطروحة والتي ستجري الإجابة عليها عبر ثلاثة مسائل كبري هي:

ہ المسألة الأولي: الأطر المرجعية وبعض تطبيقاتها.

ہ المسألة الثانية: تكون التنظيم.

ہ المسألة الثالثة: فلسطين في عقل القاعدة. المسألة الأولي: الأطر المرجعية للسلفية الجهادية وبعض تطبيقاتهاتقع البنية الذهنية والإدراكية للقاعدة في نطاق ما بات يعرف، منذ عقد علي الأقل، بـ السلفية الجهادية. وهو مصطلح جديد كل الجدة وفريد في المحتوي حين يعبر مضمونه المترامي الأطراف عن إجمالي التيارات الجهادية التي غدت تؤمن بما تسميه الإسلام العالمي المقاتل. أما الجدة في هذا الطرح فتكمن في أن الجهاد لم يعد يعبر عن محتوي أيديولوجي ذي نزعة تنظيمية قطرية محدودة بقدر ما بات يُقَدّم علي أنه عبادة وفريضة متعينة بقطع النظر عن إمكانية تطبيقها علي مجاميع الأمة الإسلامية، إذ أن مبدأ التطبيق اليوم بالنسبة للتيارات الجهادية وفي الظروف الحالية يقتصر علي الفرد دون الجماعة، لذا فهو يتخذ من الآية الكريمة التالية شعارا له، وبموجبها يعمل: (فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَي اللّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَاللّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنكِيلاً {84}، النساء). أما سؤالنا الرئيس في هذه المسألة فهو: ما هي المصادر المعرفية والمنهجية التي شكلت البنية الإدراكية والذهنية للسلفية الجهادية وغيرت جذريا من المفاهيم التقليدية؟ أولا: الوهابية بوصفها حركة سلفيةلم تحظ أية حركة إسلامية معاصرة بالدرس والتحليل والتنقيب بمثل ما حظيت به الدعوة الوهابية التي ظهرت في الجزيرة العربية منذ ثلاثة قرون (1791-1703 ) سواء أكانت حركة فقهية دعوية أو حركة سلفية جهادية، إذ أن غزارة الإنتاج المعرفي حول الحركة يزيد بما لا يدع مجالا للشك من التعقيد والإرهاق لأي باحث يعيد استهدافها بالدرس أو يحاول وضعها تحت مجهر البحث.

ومع ذلك فبقليل من المغامرة وكثير من الحزم، يمكن اعتبار الوهابية أقدم الحركات الإسلامية المعاصرة في العالمين العربي والإسلامي. ولقد ظلت أسرع الحركات الإسلامية انتشارا وأشدها تأثيرا في المجتمعات والدول الإسلامية علي السواء، وما يلفت الانتباه أن ظهورها واشتداد عودها تَلازَم مع انطلاق العربة الاستعمارية الأوروبية في بدايات القرن التاسع عشر والبدايات الأولي لانهيار السلطنة العثمانية، الأمر الذي حملها مسؤوليات كبيرة وأجبرها علي خوض مواجهات للدفاع عن ذاتها وتنزيهها عن أية علاقات رأسمالية مع الغرب الأوروبي (المشرك) أو ضربها بطموحات سياسية تستهدف الدولة العثمانية (المسلمة) وتسلم الخلافة نيابة عنها. والحقيقة أن الظروف الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي مرت بها الجزيرة العربية من شأنها إسقاط هذا التلازم المشين في النشأة والذي، ربما، يقع في خانة المصادفات، أو علي الأقل هو ليس من اهتمامات البحث.

واقع الأمر أن الجزيرة كانت مقسمة إلي مناطق نفوذ قبلي متنوع اقتصاديا وثقافيا وسياسيا وحتي طائفيا، ويكاد البعض من المطلعين يجزم أن الجزيرة كانت تمر بمرحلة ثقافية جد متخلفة وغارقة في دروب الخرافات والأساطير والشرك وحتي الوثنية. لهذا تبدو دعوة محمد بن عبد الوهاب قد جاءت في أوانها وفي الصميم، وليس أدل علي ذلك من اعتبار الفقهاء والعلماء والمؤرخين والمحدثين علي اختلاف مشاربهم وآرائهم وحتي توجهاتهم الأيديولوجية والسياسية كتاب التوحيد أهم كتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب علي الإطلاق. فالدعوة، إذن، جاءت ردا علي واقع اجتماعي بات أبعد ما يكون عن العقيدة وأصولها التي اختلطت مناسكها بالبدع إلي حد الشرك والوثنية وليس ردا علي أسباب سياسية أو اقتصادية أو حتي اجتماعية. وفي مثل هذا الأمر الحاسم في النشأة يغدو السؤال عن ماهية الدعوة: هل هي مذهب أم جماعة أم حركة أم تيار؟ مشروعا مئة بالمئة، فطبقا للمصطلحات الراهنة لا تري أطياف الشيعة والصوفية ومثلهما في الوهابية غير مذهب ضال، في حين تراه بعض أطياف السنة، بالإضافة إلي كونه مذهبا، حركة إسلامية تجديدية، ومع ذلك فمن حين لآخر يغدو وسم الوهابية للبعض مجرد شتيمة أو مذمة يُرمي بها من يعتقد بها أو يدافع عنها. والسؤال هو: كيف ينظر أتباع الوهابية وشيوخها وتلامذتها إلي الدعوة؟

من الأهمية بمكان الإشارة إلي أن السلفية مصطلح ينسحب علي الماضي بالكامل، متحصنا بمشروعية موضوعية تقع في صلب التعبير التاريخي السلف الصالح الصيغة الأكثر شيوعا في المؤلفات والكتب والأشد تداولا علي ألسنة الفقهاء والمحدثين، وبالتالي فإن أي حديث عنها سيعني قطعا التوجه نحو الماضي والتعلم منه والأخذ به، وهي دعوة مبررة لمقاربة الواقع الذي نشأت به السلفية بالواقع الذي كانت عليه قبل نحو 1200 عام علي انطلاق الدعوة المحمدية. ولأن تجليات واقع النشأة ذات محتوي ثقافي أبعد ما يكون عن أصول الدين وسيرة السلف الصالح فمن الطبيعي أن تركز الدعوة علي قضايا تهتم بتحقيق أصول الدين مستعملة ما يشبه أسلوب الطِّباق اللغوي أو ما يعرف بالمتضادات كالتأكيد علي التوحيد مقابل اجتناب الشرك ولإثبات الولاء والبراء للخالق نقيضا للعبودية والتزلف للمخلوقين. وبهذا المعني سنكون أمام الثوابت التالية التي يعتقد بها التيار الجهادي:

ہ إن الوهابية هي دعوة سلفية خالصة لها قواعدها وأصولها، ومن مهماتها إحياء علوم الدين وتصحيح الانحرافات وتفكيك الأساطير والخرافات ومظاهر الشرك وإعادة الناس إلي الفطرة الدينية السليمة. وبما أنها دعوة دينية فمن المستبعد أن تقدم السلفية نفسها أو تكون انعكاسا لتكوينات اجتماعية أو طائفة دينية أو سياسية، ولعل سر ديمومتها واتساعها هو فيما تدعو إليه من العودة إلي الفطرة والتمسك بسيرة السلف في فهمه للدين والعمل به وليس بسبب توجيهات سياسية من السلطة ولا بسبب امتلاكها الإمكانات المادية كما يروج البعض وهو ما كانت تفتقده أصلا حين النشأة، فضلا عن أن مؤسسها، وإن كان والده قاضيا، إلا أنه كان من عــائلة نجدية صغيرة وفقيرة. ہ ولأنها سلفية فهذا يعني أنها تفكر في العقيدة من أجل العقيدة ومن أجل المعتقدين بها، وبالتالي لا يعنيها من قريب أو من بعيد الاجتهاد من خارج منظومة العقيدة الإسلامية ولا التعليق علي المنظومات الفكرية الأخري ذات المنشأ غير الإسلامي أو الاستعانة بها، ولا العقائد الأخري من وضعية أو وثنية أو تحريفية، وأزيد من ذلك أن كتابات محمد بن عبد الوهاب خلت من الإشارة إلي أي ارتباط بمصادر فلسفية قديمة كالفلسفة اليونانية أو الأوروبية إجمالا، مما يعني أنه لم يطلع عليها أصلا ولم يكن يفكر بموجب معتقدات الآخرين. وعليه فالسلفية، بحسب تعبير أحد الباحثين، حركة أصلية بكر… واجهت آخر هو المسلم الذي لم يعد مسلما تحت وطأة الشرك. إنها حركة إحياء داخلي بالأساس… . ہ ترفض السلفية رفضا قاطعا حصر الدين في المنظومة التاريخية بحيث تغدو الكثير من الآيات القرآنية إن لم يكن القرآن برمته بكل ما يتضمنه من قصص أو أحكام أو عبر أو… محصورا بأسباب النزول التاريخية، مما يعني إخراج العقيدة بكل مضامينها ومقاصدها من حيز الواقع والمستقبل بحيث لن تعود ذات جدوي كبيرة فيما بعد، وهو ما يعني بالمحصلة النهائية طي القرآن وآياته وأحكامه وفقهه وتفسيره وتأويله والاستدلال به أو الاعتماد عليه، وتجريده من الواقعية الأزلية فيغدو حينها كتابا صالحا لماضٍ ليس له كبير أثر علي الحاضر والمستقبل.

ہ تسمح السلفية بممارسة الاجتهاد والتأويل من داخل المنظومة الإسلامية العقدية، وبما لا يتجاوز قط المس بأي حكم شرعي، فالاجتهاد واقع فيما لا نص فيه، بل إن الوهابية تري في الاجتهاد الحقيقي مصدراً رابعاً للشريعة الإسلامية بعد القرآن الكريم والسنة النبوية والإجماع. ہ ولأنه لم يسبق أن أفرز أي من المذاهب السنية الأربعة مذهبا خامسا أو سادسا؛ ولأن الوهابية حنبلية المذهب أصلا وفصلا؛ فمن غير العلمي ولا الموضوعي أن توسَم الوهابية بالمذهب الخامس وهي ليست كذلك أبدا إلا عند خصومها لا سيما الشيعة منهم. ہ وتأسيسا علي ما سبق؛ فالوهابية ربما يمكن اعتبارها حركة تتمتع بالأصالة بوصفها تعبيراً بنيوياً عن احتياجات ذاتية للإصلاح، وليست تنظيما سياسيا ولا دينيا، كما أنها ليست تعبيرا عن فرقة دينية وليست مذهبا بأي شكل من الأشكال، وليس من مهماتها العمل بأي مما سبق. إذن، فلماذا تكون السلفية الوهابية مجرد دعوة دينية وليس في نشأتها ولا في نيتها أن تكون ممثلة لجماعة بعينها أو تعبيرا عن تطلعات طائفية، ولا أن يكون في أهدافها تكوين حركة سياسية أو استحداث مذهب جديد؟ فليس من المبالغة أن تنظر إلي نفسها وينظر إليها الآخرون باعتبارها منهج علمي وعملي شامل ومتكامل تجاه النصوص الشـرعية، وليسـت مجـرد موقـف علمي كل ما يتمناه هو تلمس العودة بالسلوك الديني والثقافة الإسلامية إلي عصورها الأولي النقية. وبناء علي ذلك يلزم القول أن الاختلاف في هذه القضية أو تلك مما جاءت به الوهابية لا ينفي عنها البتة ميزتها الجوهرية كمنهج في العمل الإسلامي بالدرجة الأساس مثلما هي دعوة.

والآن، بما أن السلفية ظهرت في الجزيرة العربية، فمن الصحيح منهجيا أن تظهر التطورات والتبدلات الأيديولوجية الحاسمة داخل الإطار الذي احتضن النشأة. وفي الحقيقة لسنا بصدد البحث في هذه المسألة الجديرة بالفحص، ولكن لنتعرف علي الأقل علي ما يسميه البعض بمكونات المشهد الديني داخل السعودية من خلال رؤية أحد الناشطين الذي لاحظ وجود خمسة تيارات إسلامية ناشطة في هذه الأيام وهي:

ہ التيارات السلفية التقليدية:

وتشمل (1) التيار السلفي الرسمي ممثلا بهيئة كبار العلماء، وهو تيار له امتدادات علمية وجماهيرية محدودة. و (2) سلفية تميل للبعد التكفيري والجهادي، وتتسم بالحدَّة والصرامة مع المخالفين، وبموقف صارم وعنيف من السلطة السياسية، و (3) سلفية ذات نزعة إرجائية تتسم بطاعة مطلقة لولي الأمر، وهي قريبة نسبيًّا لخط الشيخ الألباني ويطلق عليها خصومها مسمَّي (الجامية – المدخلية). ہ التيارات السلفية الحركيةويمثلها تيار حركي (4) يُطْلِق عليه خصومه مسمَّي (السرورية) نسبة إلي مؤسسها، وهي مدرسة تنظيرية فكرية سياسية دعوية يقوم منهجها علي مزيج من الحركية الإخوانية والفكر السلفي الوهابي، كما أن هناك تياراً حركياً آخر هو (الإخوان المسلمون)، وهو تيار لا يُصنَّف، إجرائيًّا، داخل إطار التيار السلفي.

ہ (5) التيار العقلاني أو تيار التنوير الإسلامي:

هذا التيار عبارة عن مجموعة من النخب المهتمة بالشأن الثقافي والسياسي، ويقدمه أحد ناشطيه علي أنه: … تيار أجندته ليست سياسية؛ لكنها ثقافية في المقام الأول، تقوم علي نقد التيار السلفي، وتفكيك بنيته التقليدية، ومنظومته في التفكير، والتعامل لتجاوز التأزمات التي أنتجها في المجتمع، والتي أسهمت في إعاقة مشروعات النهضة والتطور الحضاري. إذن فهو تيار فكري ثقافي أكثر منه سياسي؛ لذلك فهو- إلي الآن ـ غيرُ معنيٍّ بشكلٍ مباشر بالإصلاح السياسي بقدر عنايته بالإصلاح الثقافي، لذا لا توجد له مشكلة مع السلطة السياسية.

بطبيعة الحال لا يهمنا مدي شعبية هذه الجماعة أو تلك وفق التقسيم المقترح للمشهد الديني أعلاه وليس بالضرورة أن نوافق أو نعترض علي التصنيف والتوصيف، بل إن ما يهمنا هو التيارات النشطة في المجتمع السعودي، وبالتحديد ما ورد تحت مسمي السلفية التقليدية والتي تتألف من ثلاثة تيارات أهمها سياسيا وعلي الصعيد المحلي والعالمي هو التيار السلفي الجهادي الذي يقوده حاليا تنظيم القاعدة بزعامة أسامة بن لادن. وهو تيار لا يقر البتة بمسألة التكفير ولا يخرج عن ضوابط التكفير الشرعية، كما يقول مؤسسه بالذات، وإن كانت ممارسات بعض فروعه قد أوقعته في الحرج في مواضع عدة وتسببت في كوارث كما حصل في الجزائر علي يد الجماعة الإسلامية المسلحة.

ثانيا: المخزون الثوريفي إطار سعيه لما يعرف بالحوار مع ما يسميه بـ الإسلام المعتدل تلقت دوائر القرار الغربي تقريرا من مجموعة الأزمات الدولية تطالبه فيه بالتوقف عن استعمال مفهوم الإسلام السياسي الأمريكي المَنْبت، والاستعاضة عنه بمفهوم الإسلام الحركي، انطلاقا من أن العقيدة هي بالنهاية سياسة ودين، وهي، وإنْ كانت، واحدة إلا أن التوجهات الحركية متعددة. وعلي قاعدة الاعتدال والتطرف استعملت المجموعة المفهوم الجديد لتمهيد الطريق أمام القوي الغربية لإيقاع تمايز بين الجماعات الإسلامية يستهدف بالدرجة الأساس عزل التيارات الجهادية والحيلولة دون استنزاف المخزون البشري للجماعات السلمية باتجاه ما يراه الغرب والدول العربية جماعات متطرفة كتنظيم القاعدة. وبطبيعة الحال لجأت مجموعة الأزمات وغيرها من مراكز الأبحاث الغربية إلي الترويج لجماعات إسلامية تحظي بتأييد واسع من الجمهور وذات أهداف سياسية تتلاءم أفكارها مع بنية المؤسسات الحديثة للدولة، ومع آليات عملها السلمية للوصول إلي السلطة، وهي مسألة موضع خلاف مع جماعات الإسلام الجهادي العالمي التي ترفض الدولة الحديثة بكل ما ينتج عنها ويترتب علي أدائها باعتبارها مؤسسة مستوردة من الخارج الكافر. والأهم من هذا أنها جماعات ذات أهداف دينية تعبدية بالدرجة الأساس، فهي تنظر إلي الجهاد باعتباره عبادة من أوجب العبادات بعد أن بات فريضة متعينة بسبب ما تعتبره عدوا صائلا في البلاد الإسلامية ينبغي ردعه وإخراجه منها، وهي مسألة تتقدم حتي علي أولويات التنظيمات الجهادية العاملة علي إسقاط الأنظمة السياسية الحاكمة في بلدانها. وهكذا ففي حين تبدو المعادلة التي يضعها الغرب قائمة علي الإسلام الحركي بديلا عن الإسلام السياسي الذي يضع الجميع في سلة واحدة، تقدم جماعات التيار الجهادي معادلتها القائمة علي الإسلام الجهادي كعبادة مقابل الإسلام الحركي كسياسة.

وينبغي أن تثير مثل هذه المعادلة الكثير من التأمل خاصة فيما يتعلق بالمخزون الفكري للتيار الجهادي والذي لم يعد حكرا علي تنظيم بعينه. والسؤال هو: من أين يبدأ هذا المخزون؟ وأين ينتهي؟

لو قمنا بمقارنة بين المخزون الثوري للحركات الوطنية والتحررية العربية علي وجه الخصوص سنجد أنه الأفقر علي الإطلاق علي المستوي العالمي، فقد بلغ الفقر الثقافي الثوري حد العدم لدرجة أن قيادة كتائب الفدا التي تشكلت سنة 1949 كأول تشكيل مسلح غداة النكبة، وكانت أولي بواكير حركة القوميين العرب، استلهمت أفكارها من جيوسبي غاريبالدي القائد الفدائي الايطالي وتعلمت من جيوسيبي مازِّيني عضو الجمعية الوطنية السرية الايطالية (كاربوناري) أساليب التنظيم السرية ككلمات السر والأسماء المستعارة! بل إن الفقر بلغ حدا دراماتيكيا بانشقاق الجبهة الديمقراطية عن الجبهة الشعبية بدعوي تكوين الحزب الثوري الحديدي وعلي قاعدة “إما أن تكون ثورة أو لا تكون”، وتبرير الجبهة الشعبية مثلا للحاقها بالماركسية بعد بضعة شهور ببضع قراءات لبعض المقالات! ولا شـــــك أن هذا الفقر يعود بشكل مبدئي إلي حالة العداء التي استحكمت بين التيارات العلمانية التي تمثلت بالفكر اليساري وتجارب الثورات الآسيويــــــة من جهة والتيارات الإسلامية لا سيما جماعة الإخوان المسلمين الذين سجلوا سبقا كبيرا في النشأة والعمل السري من جهة أخري.

أما فكرة القومية العربية فقد مثلت، ولا شك، أولي بواكير المخزون الثوري بما أنها انطلقت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ردا علي السياسة الطورانية التي اتبعتها تركيا ضد ولاياتها العثمانية، هذا المخزون أخذ في التزايد خلال الحقبة الاستعمارية التي استعرت مع دخول القوي الأوروبية إلي ما اسمي بالوطن العربي فيما بعد وتقسيمه إلي دول مستقلة وفقا لاتفاقية سايكس- بيكو سنة 1916، ثم تطور مع المرحلة الأكبر من المد الثوري القومي غداة اغتصاب فلسطين سنة 1948، وبلغ ذروته مع الفكر الماركسي بمختلف تلاوينه السياسية والأيديولوجية إثر تبني الاتحاد السوفييتي لحركات التحرر العالمية في العالم الثالث في أعقاب حرب السويس سنة 1956 وغداة الثورة الطلابية في أوروبا سنة 1968، ومن ثم نجاح معظم الثورات الآسيوية في التحرر من القوي الاستعمارية الكبري. أما المخزون الثوري الجهادي فهو غني عن التعريف ومدهش وغزير وغير مقيد لا بالزمان ولا بالمكان، وفي واقع الأمر هو معين لا ينضب إذا ما تعلق الأمر بالتراث العقدي والتاريخي منذ البعثة النبوية. ولكن إذا ما أخضع هذا المخزون الهائل لمبدأ فقه الواقع فهو علي أصالته فقير إلي حد التجاهل. والبداية مع هذا الأخير (فقه الواقع) كانت في أغزر تراث وأغناه وأهمه بالنسبة للتيارات الجهادية وهو التراث الأصيل للدعوة الوهابية ومشايخها وتلامذتها وأتباعها، والذي شاع في العالم أجمع بسرعة فائقة، وكذلك تجارب الجهاز الخاص للإخوان المسلمين في مصر. ثم تطور المخزون بشكل كبير مع النشرات والكتب والإصدارات الضخمة حتي بلغ ذروته ونشوته مع العمل الموسوعي الضخم الذي قدمه العلامة سيد قطب أواخر الستينيات من القرن العشرين والذي لم يقدم مثله أحد حتي الآن، وكذلك تراث جماعات الإسلام الجهادي في مصر وبلاد الشام. وفي أواخر السبعينيات من القرن العشرين ظهرت مساهمة قوية جدا تمثلت بكتيب صغير لمحمد عبد السلام فرج بعنوان الفريضة الغائبة، والذي انفرد باستحضار الفقه الجهادي من بين ثنايا تراث الشيخ ابن تيمية وتلميذه ابن القيم خاصة ما تعلق بالحديث عن دار الكفر ودار الإسلام وقضايا الحاكمية والردة ومشروعية الجهاد وأحكامه وشروطه. ومنذ ذلك الحين توالت الإصدارات بكثافة هائلة خلال مراحل الجهاد الأفغاني وحكومة الطالبان خاصة مع إصدارات الشيخ عبدالله عزام في أفغانستان والتي مثلت صميم فقه الواقع ربما للمرة الأولي بعد انهيار الخلافة.

غير أن المشكلة بقيت قائمة بما أن معظم الإصدارات، بعد الإضافات المذكورة، ظلت تجتر ما هو كائن دون القدرة علي توليد المزيد من الفقه والمعرفة. ورغم هذا الفقر والضعف في المخزون الثوري لتيارات الجهاد إلا أنها استطاعت أن تفرض نوعا من المواجهة المحلية مع الأنظمة السياسية العربية ما لبثت أن تطورت نسبيا إلي مواجهة عالمية مع القوي الكبري، حتي أن (السوري) كواحد من أكبر مؤرخي ونقاد التيار الجهادي العالمي قدم مشروعا معرفيا يزيد عن 1600 صفحة بعنوان دعوة المقاومة الإسلامية العالمية تناول فيه أدق تفاصيل التجربة الجهادية علي امتداد أربعين عاما في مختلف دول العالم الإسلامي العربية وغير العربية، بدءاً من الواقع المعاش إلي حصاد التجربة إلي العقيدة القتالية والتربية الجهادية والدستور وبناء التنظيم وانتهاء بالنقد المر للتجربة والحلول. ويخلص أبو مصعب السوري في مشروعه إلي تحديد مصادر الفكر الجهادي العالمي لدي تيار القاعدة مشيرا إلي تشكله من خليط ضم أساسيات من فكر الإخوان المسلمين + المنهج الحركي للشهيد سيد قطب + الفقه السياسي الشرعي للإمام ابن تيمية والمدرسة السلفية + التراث الفقهي العقدي للدعوة الوهابية + المنهج السياسي الشرعي الحركي للتيار الجهادي.

أما المخزون الآخذ في التعاظم دون أية رقابة أو قدرة علي الحد منه أو مواجهته فهو الكائن في الفضاء السيبيري (الإنترنت) الحر من خلال المقالات والدراسات والكتب والملفات المرئية والمسموعة، فضلا عن المنتديات والمواقع المتخصصة وغرف المحادثة المباشرة وما تتضمنه من فتاوي ومناقشات وردود ووسائل اتصال إلي جانب المخزون الهائل من المعارف والخبرات العالمية التي تشارك بها الدول والمؤسسات والمنظمات والحركات الثورية وحتي منظمات الإجرام. ولنتأمل أهمية الإنترنت ونستمع لمسؤول إسرائيلي حين يقول: إن الانترنت يمكن أن توفر لأي فرد عادي الدخول إلي الشبكة والتعلم منها كيف يصنع قنبلة.

كل هذا من شأنه أن يساهم في تشكيل البنية الذهنية والإدراكية للتيارات الجهادية ويسهل عملها. وإذا كان أبو مصعب السوري قد استنتج بأن المكسب الأكبر للتيار الجهادي من تلك التجربة ] الأربعين سنة الماضية[ هو عولمة التيار الجهادي فكريا وحركيا… وتبادل الفكر والخبرات، والتعارف بين كوادره من البـــــــلاد المختلفة، ثم انتشار ذلك في مختلف أقطار الدنيا فالواقع يشي بأن العولمة فرضت نفسها علي التيارات الجـــهادية رغما عنها. فما الذي يمكن أن يحدث عندما يتعولم الفكر الجهادي؟7

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية