رحلة في معاقل طالبان وحوارات عن امارتهم الثانية (5)
عملية الميزان في مناطق القبائل سببت شرخاً في الجيش الباكستاني وأضرت بالنظام المشهود به للقوات المسلحةمشرف يحاول استرضاء الغربيين بضرب المتشددين واسترضاء الاسلاميين بسماحه لهم بإعادة تشكيل احزابهماحمد موفق زيدانہرحلة في معاقل طالبان وحوارات عن امارتهم الثانية (5)تنشر القدس العربي مقتطفات من كتاب للصحافي في قناة الجزيرة القطرية احمد زيدان عن امارة طالبان الثانية التي يقول انها تختلف عن الامارة الاولي في قندهار وكابول. ويشير الكتاب الي تحولات في اسلوب وفكر الحركة، وانها تعيش ما يقول انها ثورة ناعمة. وتظهر الشهادات اقوال عدد من قادة الحركة الذين يقولون انالحركة ايام كانت في السلطة اختطفت من قبل عناصر معينة عملت علي تشويه صورة وسمعة الحركة من خلال التدخل في قضايا صغيرة لا تخدم افغانستان ولا العالم الاسلامي، والعجيب ان هؤلاء المتشددون الآن هم الذين تخلوا عن الحركة ولجأوا الي مساعدة الحكومة الافغانية المدعومة من الامريكيين. ويشير الي حياة الامان التي يعيشها السكان في المناطق التي تسيطر عليها طالبان، والي عودة ازدهار تجارة الافيون والمخدرات. وفي لقاءات مع القائد العسكري للحركة ملا داد الله يتحدث عن رغبته في التوجه الي العراق والمشاركة في الجهاد هناك. ويكشف عن وجود صلة مع المقاومة العراقية وتبادل في الخبرات والآراء بشان الوضعين الافغاني والعراقي وامكانية التنسيق بين الطرفين. القدس العربي الغريب أن مصادر إعلامية باكستانية كانت توقعت العملية قبل حصولها، وكشفت هذه المصادر عن تقديم باكستان للقوات الامريكية خرائط تتعلق بالمدارس الدينية في المنطقة، والتي يصل عددها إلي المئة والأربعين مدرسة دينية، بهدف تفتيشها من قبل القوات الامريكية، ترافق هذا مع لقاء السفيرة الامريكية في إسلام آباد نانسي باول مع كبير وزراء الإقليم الشمالي الغربي وعاصمته بيشاور أكرم خان دوراني، والذي ينتمي إلي الإسلاميين، من أجل تقديم معونة امريكية للمنطقة تقدر بـ 30 مليون دولار امريكي، لغايات تنموية و تطويرية .عملية الميزان هذه تعد الأولي من هذا النوع والحجم التي ينفذها الجيش الباكستاني في هذه المنطقة الحساسة، إذ لعبت دور المنطقة العازلة بين الحكومة البريطانية في باكستان والقياصرة في الشمال، ولم تتعرض إلي حملات عسكرية من هذا النوع إلا أيام الاحتلال البريطاني فقط، مثل حملات وانا في عام 1880، و1920 و1930، وكذلك عملية وادي تيرا القبلي عام 1993 .يوم عملية الميزان كنت مع مجموعة من الصحافيين الأجانب والباكستانيين، فقد تم نقلنا بمروحية باكستانية لمعاينة العملية، وراقبت عن قرب منطقة شكين القريبة من الحدود مع باكستان، والتي تشكل هدفاً يومياً للقوي المناوئة للوجود الامريكي في أفغانستان، والتي وصفها أحد الضباط الامريكيين بأنها أشر مكان في العالم ، وهي لا تبعد سوي ثلاثة كيلومترات عن الأراضي الباكستانية .وحسب مجلة التايم الامريكية الصادرة في 3 ـ 11 ـ 2003 بأن عملية الميزان بدأت بعد شكوي امريكية من تورط بعض مليشيات باكستانية شبه حكومية بإطلاق النار ليلة الهجوم الدامي علي قلعة شكين يوم 29/9/ 2003، وأوقعت عدداً من القتلي والجرحي الامريكيين، فلجأت باكستان إلي تنفيذ عملية ملاحقة القاعدة وطالبان في أنغور أده بسبب الغضب الامريكي هذا علي تورط قواتها في إطلاق النار علي القوات الامريكية، حيث أمنت انسحاب قوات طالبان والقاعدة التي كانت في مأزق، كادت القوات الامريكية أن تعتقل كل المجموعة المهاجمة في ذلك اليوم.وأبلغني من أثق به من المطّلعين علي أحداث أنغور أده بأن عدد المقاتلين العرب وغير العرب في المنطقة تعدي 75 مقاتلاً، وتمكن الجميع من الهرب، باستثناء مجموعة صغيرة بقيادة أبو عبد الرحمن الذي فشلت القوات الامريكية في القبض عليه، رغم إصرار الجنرال الباكستاني الذي كان يقود العملية علي القبض عليه، كون ثمة مكافأة امريكية علي رأسه تقدر بـ 25 مليون دولار امريكي، فأمر الجنرال بعد أن فشلت قواته في القبض عليه لحصد المكافأة بقصفه بالطائرة التي مزقت جسده إلي نصفين حسب هذا المصدر. وتوسعت بعد هذه العملية نشاطات وجهود الحكومة الباكستانية في ملاحقة عناصر القاعدة إلي مطاردة العناصر التي تؤوي القاعدة، وتوسع التحرك جغرافياً حين شمل مناطق دير اسماعيل خان، وتانك ونحوهما، وألقت القوات الباكستانية القبض علي 80 من رجال القبائل المشتبه في توفيرهم الملاذ لعناصر القاعدة، ولكن لم يُصَر إلي القبض علي أي من المطلوبين القاعديين، وفي منطقة وزيرستان الجنوبية تم إلقاء القبض علي ثلاثة عناصر باكستانية، يعتقد أنها مهمة في سياق توفير الملاذ لعناصر القاعدة، وهم نور الإسلام، وبابو جان، وزري كل .وشلّت الحكومة في المنطقة الحياة العامة بإغلاقها 400 محل تجاري، وكذلك محطات البنزين، تزامن ذلك مع تأكيد اللجنة الثلاثية الامريكية ـ الباكستانية ـ الأفغانية لمراقبة الحدود علي التعاون فيما بينها، لإنجاح العمليات المتواصلة في تلك المناطق، والتي ستستمر لفترة طويلة حسب مصادر اللجنة .لكن استمرار العملية له تداعيات علي الأمن الباكستاني الداخلي وسط حالة غليان بين أهالي المنطقة ضد الحكومة حذرت وسائل إعلام باكستانية من مغبة مواصلة هذه العملية، في ظل امتلاك المناطق القبلية للسلاح والبارود، والذي قد يهدد الوضع بالانفجار، وينذر بحصول كارثة حقيقية في البلد، خصوصاً وأن مجلس العمل الموحد الذي رأي أن مسألة التعديلات الدستورية الرئاسية التي منحت الرئيس مشرف صلاحيات واسعة لم توفر دعماً شعبياً للإسلاميين في مواجهة الرئيس، فلجأوا إلي قضية الوجود الامريكي ودعمه في ملاحقة القاعدة وطالبان في مناطق القبائل الباكستانية، وإن كانت التعديلات تمت تسويتها لاحقاً ضمن الصفقة المعروفة بفصل منصبي قيادة الجيش عن رئاسة الدولة، إذ أن الرئيس مشرف وافق علي التنحي عن قيادة الجيش مع نهاية عام 2004، مقابل بقاء التعديلات، والتي منحته صلاحيات إقالة الحكومة وحل البرلمان، وتعيين قادة أفرع الجيش، بالإضافة إلي ضمان بقائه في السلطة حتي عام 2007، وهذا الاتفاق عزز العلاقة بين المؤسسة العسكرية والإسلاميين، وبالتالي قد يجعل مسألة ملاحقة القاعدة وطالبان أقل من السابق.تحذير للحكومةوعكس مخاوف إمكان انفجار الوضع نائب أمين عام الجماعة الإسلامية الباكستانية هناك زار نور أفريدي في مؤتمر صحافي عقده في بيشاور يوم 18 ـ 10 ـ 2003 حين حذر الحكومة الباكستانية من مغبة مواصلة عملياتها العسكرية في مناطق القبائل، مضيفاً بأن مثل هذه العمليات ستدفع رجال القبائل إلي تنفيذ عمليات انتحارية ضد القوات العسكرية الباكستانية، واتهم الحكومة بخرق الاتفاقيات المبرمة بينها وبين القبائل، والتي تنصّ علي ضرورة إطلاع القبائل علي أية عمليات عسكرية حكومية تود الأخيرة شنها قبل وقوعها . واستغرب المسؤول الإسلامي أن يُسمح لعناصر المخابرات الامريكية بدخول مناطق القبائل في الوقت الذي يحظر ذلك علي أعضاء البرلمان الباكستاني، وكانت الحكومة الباكستانية حظرت دخول قادة الجماعات الإسلامية إلي تلك المنطقة للتظاهر وحشد التأييد الشعبي ضد مواقف الحكومة في عملياتها تلك، وترافق هذا كله مع نفي كبير وزراء الإقليم الشمالي الغربي وعاصمته بيشاور أكرم دوراني، الذي يسيطر عليه الإسلاميون من أي وجود للقاعدة في الإقليم.وبعد تصريحات أفريدي بيوم واحد قال زعيم الجماعة الإسلامية القاضي حسين أحمد في حشد جماهيري نظمه الجناح الطلابي في الجماعة الإسلامية بأن العمليات الفدائية التي تقع في أفغانستان والعراق وكشمير وفلسطين والشيشان، إنما هي عمليات استشهادية وليست انتحارية تهدف إلي الحفاظ علي الأرض والعرض والدين، وهو ما دق ناقوس الخطر في أن الجماعة قد تبيح مثل هذه العمليات في مناطق القبائل.لكن ووفقاً لمصادر موثوق بها فإن عملية الميزان سببت شرخاً خطيراً في صفوف القوات المسلحة الباكستانية، وضربت النظام والضبط والربط المشهود به للقوات المسلحة الباكستانية، وتقول المصادر بأن طيارين باكستانيين علي طائرات مقاتلة رفضوا أوامر من قيادات عليا صدرت لهم بقصف مواقع يشتبه في أنها تابعة للقاعدة في مناطق القبائل تلك، وكانت حجة الطيارين بأن المستهدف مسلمون، كما لا يجوز قتلهم، وأفيد بأن القوات الامريكية كانت تسمع هذه الاتصالات بين القيادة الباكستانية و الطيارين، وتصر علي قصف المناطق المشتبه فيها، ولكن مع هذا رفض الطيارون الباكستانيون القيام بالمهمة، ولعلها الأولي من نوعها في تاريخ الجيش الباكستاني .أما الولايات المتحدة الامريكية فقد واصلت ضغوطها علي باكستان من أجل شن مزيد من العمليات العسكرية بحق مناطق قبلية أخري تقوم بدور توفير الملاذ للمطلوبين الامريكيين من القاعدة وطالبان، إما عبر مراكز تدريب أو من خلال عبورهم إلي الأراضي الأفغانية .و استنسخت باكستان سياسة قديمة كانت تتبعها بريطانيا تقضي بتدمير البيوت المشتبه أصحابها بتوفير الملاذ والدعم والمساندة لقوات القاعدة وطالبان، وواجه أحد الصحافيين الباكستانيين يوم 10 ـ 11 ـ 2003 الناطق باسم الخارجية الباكستانية مسعود خان بسؤال في غاية الحرج، بدا ذلك علي وجه المسؤول الباكستاني حين سأله الصحافي ما هو الفرق بين تدمير باكستان لبيوت رجال القبائل الباكستانيين بحجة إيوائهم عناصر القاعدة، وبين ما يفعله رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون بهدم بيوت أهالي منفذ أية عملية استشهادية في فلسطين ؟؟، وبالتأكيد فإن المسؤول الباكستاني لم يحر جواباً، وسعي إلي التهرب منه وإن كانت رسالة الصحافي قد وصلت، خصوصاً وأن من سوء طالع ذلك المسؤول الباكستاني أن المؤتمر الصحافي كان يبث علي الهواء مباشرة ليشاهده الملايين من الباكستانيين، وربما غير الباكستانيين، كون الأسئلة والأجوبة باللغة الانكليزية، وكان هذا النظام من تدمير البيوت وما يطلق عليه بـ العقوبة الجماعية قد سنه الاحتلال البريطاني في المنطقة في القرن الثامن عشر لكل من يبدي مقاومة ضد الاحتلال البريطاني آنذاك . لعبة استرضاءورغم كل التعاون الذي أبداه الرئيس الباكستاني برويز مشرف مع الولايات المتحدة الامريكية في الحرب علي ما يوصف بالإرهاب، إلا أن محللين غربيين في إسلام آباد يرون أن مشرف يلعب لعبة إرضاء الغرب من خلال مطاردته للمتطرفين والمتشددين وحظر نشاطاتهم، ولعبة إرضاء الإسلاميين من خلال السماح لهم بإعادة تسمية أحزابهم المحظورة، مثل سباه صحابة ، والذي غير اسمه إلي الملة الإسلامية ، وجيش طيبة الذي غير اسمه إلي جماعة الدعوة ، وحركة تطبيق الفقه الجعفري، والذي غير اسمه إلي الحركة الإسلامية ، وجيش محمد، والذي بدل اسمه إلي خدّام الفرقان .لكن هذه الأحزاب تم حظرها لاحقاً بضغوط امريكية، وليس برغبة باكستانية محضة، وتظل مناطق جنوب وزيرستان التي استهدفتها القوات الباكستانية أو الاستراتيجية الامريكية الجديدة منطقة مهمة ويعتقد أن ثمة أسبابا خفية أخري غير ملاحقة عناصر القاعدة وطالبان فيها سيأتي الحديث عنه لاحقاً، وإلا فإن وجود القاعدة وطالبان ربما يكون موجوداً ومنتشراً في كثير من مناطق القبائل الباكستانية السبع الأخري، إذ معلوم أن مناطق القبائل الباكستانية مقسّمة إلي سبع وكالات كما ذكرنا، وهي شمال وزيرستان وجنوب وزيراستان، ومهمند ايجنسي وباجور، وكرم ايجنسي وأوركزي، هذه المناطق تبلغ مساحتها 6620 كيلومتراً مربعاً، ويصل عدد سكانها إلي 430 ألف نسمة. وتظل مناطق القبائل التي تفصل بين باكستان وأفغانستان من أكثر المناطق مقاومة للامريكيين، ويشكو الجنود العاملون في هذه المنطقة من عدم قدرتهم علي الرد علي أبناء القبائل الذين يحضرون ويطلقون النار علي الجنــــود، ثم يقطـــــعون خط الحدود الوهمي الذي يفصل الحدود بين البلدين، والامريكيون لا يستطيعون إطلاق النار أو قطع الحـــدود، لان ذلك سيعتبر خرقاً لسيادة بلد آخر .إن عمليات القتال والمواجهات التي حدثت في شهر تشرين الأول (اكتوبر)، والتي أعقبت عملية الميزان، كانت منظمة بدرجة كبيرة، لدرجة أن الأمريكيين مقتنعون بأن شخصية كبيرة في القاعدة ربما كانت تدير هذه العمليات، وتشير المصادر الأمريكية لإمكانية مشاركة أيمن الظواهري فيها، والذي كان يشاهد في نفس المنطقة قبل عامين، وكانت مصادر باكستانية تحدثت عقب محاولة اغتيال مشرف في راولبندي يوم الخامس والعشرين من شهر كانون الأول (ديسمبر) عام 2003، بأن الظواهري التقطت له مكالمة هاتفية من تلك المنطقة قبل أسابيع، وهو يتصل مع جهة ما يطالبها بتصفية الرئيس مشرف . لقد أصبحت قاعدة شيكين القريبة من الحدود مع باكستان هدفاً لكل الساخطين والغاضبين علي السياسة الامريكية، ويقول شهود عيان بأن المواجهات الدموية التي وقعت في 27 آب (أغسطس) الماضي، ربما الأعنف منها في تاريخ الهجمات علي تلك القاعدة، ويصف جنود كانوا في تلك المنطقة شراسة وطريقة المعركة التي وقعت بأنه في مقدمتها كانت هناك أربع نسوة، ولم تجزم القوات الامريكية فيما إذا كان المقاتلون المهاجمون يتخفون بزي نساء أم أنهن نساء حقيقيات، و أثناء المعركة استدعي الجنود فرقة المهام السريعة، التي وقعت في فخ المقاتلين المهاجمين، وعندما أصبح وضع الجنود سيئاً، استدعوا الحماية الجوية التي ألقت قنبلة يزيد وزنها عن طن، وبذلك توقف إطلاق النار . ويتحدث الجنود الامريكيون عن مشاركة مقاتلين من الشيشان في تلك العملية، حيث يصفونهم بالمقاتلين الأشــــداء، ويقول أحد القادة الامريكيين: سمعناهم وهم يتحدثون عن جمع جثث قتلاهم. وجود امريكي في مناطق القبائلوكان وزير الداخلية الباكستاني السابق والخبير في شؤون مناطق القبائل هذه نصير الله بابر وصف التمدد الامريكي في مناطق القبائل وحرصها علي مد نفوذ الحكومة الباكستانية إليها بأنه جهل وغرور ، ونعود إلي الأسباب التي تقف خلف رغبة امريكا بفتح مناطق القبائل، وتوسيع سلطة الحكومة الباكستانية إليها، فالولايات المتحدة معنية بفتح هذه المنــــاطق أمام سلطة الحكومة المركزية، والقضاء علي صفة الاســـتقلال الذاتي، التي تتمتع به من أجل ضمان تمرير أنابيب النفط والغاز عبر تلك المناطق التي قد تتعرض عملية مد الأنابيب فيها إلي أية مغامرة غير محسوبة، وهو ما قد يهدد لعبة الغاز والنفط التي تسعي إليها واشنطن .السبب الثاني هو الرغبة الامريكية بنزع أسلحة القبائل، وهي التي قد تهدد بأية انتفاضة مسلحة ضد الوجود الامريكي هناك أو في أفغانستان، الأمر الذي يعرّض النظام المحمي امريكياً في أفغانستان لخطر السقوط .والسبب الثالث هو أن الإدارة الامريكية تمكنت من خلال وسائل عدة من وقف أو القضاء علي تجارة المخدرات في مناطق القبائل الباكستانية الأخري، باستثناء مناطق جنوب وزيرستان هذه، والمتهمة بإيوائها للقاعدة وطالبان، في ظل إجماع غربي علي أن تجارة المخدرات يذهب كثير من ريعها إلي مقاومة القوات الامريكية وتمويل العمليات المسلحة، وهو ما يقلق الإدارة الامريكية، التي تقول بأنها استولت علي قارب وفيه كمية من المخدرات في كانون الأول (ديسمبر) من عام 2003، وتابع لتنظيم القاعدة في مضيق هرمز، إضافة إلي مخاوف امريكية من أن تتسلل المخدرات إلي القوات الامريكية المتواجدة في داخل أفغانستان، والمحاذية لمناطق جنوب وزيرستان، وهو ما سيجعل هذه القوات مدمنة علي المخدرات، وبالتالي تقع في الفخ الذي وقعت فيه القوات السوفييتية علي أيدي المجاهدين الأفغان، حين كانوا يحرصون علي ترويج المخدرات في صفوفها، لكن هذه الرغبة الامريكية تواجه برفض القبائل التي تؤكد حمايتها للأمن القومي الباكستاني .وأثار أحد قادة قبائل المنطقة مسألة في غاية الأهمية حين قال: نحن في مناطق القبائل نقوم بحماية الأمن القومي الباكستاني بالكامل، دون وجود جندي باكستاني واحد، بينما تحشد باكستان عشرات الآلاف، وربما مئات الآلاف من قواتها علي طول الحدود مع الهند، فلماذا يرسلون قواتهم لضربنا مقابل حماية المصالح الامريكية .ويري متابعون لملف القبائل الباكستانية بأن العناصر العربية كانت ذكية جداً في تفضيل هذه المناطق القبلية بالتحديد علي عدة مناطق أخري، وهي سبعة، لسبب مهم وهو أن مناطق شمال وزيرستان وجنوبها المحاذية لأفغانستان لم تنغمس حتي الآن بالتجارة والمدنية والربح والخسارة، ولذا فهي ما تزال متمسكة أكثر من المناطق القبلية الأخـــري بالعادات والتقاليد، بخلاف المناطق الأخري التي يمكن شراؤها بالمال ونحوه .وإضافة إلي ذلك فحسب المعلومات فإن معظم الباكستانيين الذين كانوا يقاتلون في صفوف حركة طالبان الأفغانية كانوا ينحدرون من هذه المنطقة، ولذا فقد سبق هؤلاء الآخـــــرين بالعودة إلي بيوتهم ومناطقهم، واستعدوا لاستقبال المنسحبين من المقاتلين العرب والأفغان، ومــــثل هؤلاء أشخاص إيديولوجيون وأصحاب عقــيدة، ومن الصعب أن يتخلوا عن جماعتهم وأصدقائهم بهذه السهولة .الحل يجب ان يكون سياسياهذه المناطق لم ينفق عليها طوال الأعوام الثلاثة بعد أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001 سوي 11 مليون دولار علي التطوير والتنمية، وبينما يصر الامريكيون علي الدفع باتجاه الحل العسكري، يعتقد مراقبون كثيرون بأن الحل ينبغي أن يكون سياسياً واجتماعياً واقتصادياً وتنموياً، فمناطق القبائل تلك تنظر إلي الجيش الباكستاني كجيش أجنبي مثله مثل الجيوش الأخري، فالرابط بين هذه القبائل والغير رابطة الدين قبل رابطة القومية الباكستانية، خصوصاً وأن عناصر الجيش الباكستاني تجهل لغة التواصل مع السكان المحليين، وهي لغة البشتو، وكما ان الأخيرين يجهلون لغة الأورد القومية الباكستانية التي يتحدثها الجيش، وهو ما قد يسبب مشاكل وحساسيات، وربما صدامات . وحين كانت بريطانيا تستعمر هذه المنطقة تركت مناطق شمال وجنوب وزيرستان تحكم نفسها بنفسها، وبالتالي الدفع باتجاه الحل العسكري سيكون له عواقب ونتائج عكسية وخيمة، شبهها البعض بسقوط دكا وانفصال بنغلاديش عن باكستان الحالية عام 1971 .ومن ضمن 82 زعيما قبليا باكستانيا مطلوبا لدي السلطات الباكستانية، ومتهما في إيواء ودعم عناصر القاعدة وطالبان في مناطق شامل وجنوب وزيراستان، لم تسلم سلطات القبائل سوي 48 شخصية، وكلها شخصيات ليست مهمة جداً، ويبدو أن الرئيس الباكستاني الذي تعرض لمحاولتي اغتيال علي أيدي القاعدة ومؤيديها في باكستان، ويتردد ان الثالثة كشفتها المخابرات الهندية للباكستانية، رغم نفي الأخيرة ذلك، يبدو أن هذه المحاولات أقنعته أكثر في تكثيف دعم ومساندة الحرب علي ما يوصف بالإرهاب ما دام هو المستهدف منها بشكل مباشر .وكشفت مصادر صحافية باكستانية في حينه عن تسليم واشنطن قائمة لإسلام آباد من 53 شخصاً عربياً يقيمون في مناطق القبائل، بينهم 12 شخصية متورطة في محاولة اغتيال الرئيس الباكستاني برويز مشرف، وهو ما دفع الحكومة الباكستانية إلي تنفيذ عملية وانا .ومع مرور الوقت علي التعاون الباكستاني مع الولايات المتحدة الامريكية ينظر إليه البعض علي أنه يمس الكرامة الوطنية، والأمن القومي، والظاهر أن بعض الساسة الباكستانيين بدؤوا يعبّرون عن امتعاضهم إزاء تعزيز الحضور والوجود الهندي والامريكي في كل من أفغانستان ودول وسط آسيا التي تري فيها الأوساط الباكستانية تطويقاً عسكرياً وأمنياً لها، وكذلك حصاراً اقتصادياً للتطلع إلي فك عزلتها الاقتصادية من خلال الروابط والعلاقات مع هذه الدول، والتي كانت السبب الرئيسي في دعم طالبان عام 1994 ضد أحزاب المجاهدين السابقة، وهو ما صرح به وزير الداخلية الباكستاني آنئذ الجنرال المتقاعد نصير الله بابر، المتهم بأنه وراء دعم وتأسيس حركة طالبان، فباكستان كانت تأمل من طالبان أن تضبط طريق بضائعها إلي هذه الجمهوريات، وهو ما حصل لها، خصوصاً وأنه علينا ألا ننسي بأن هذه الجمهوريـــــات تختزن كميات ضخـــمة من مصادر الطاقة العالمية، تأمل باكستان أن يتم نقلها عبر أراضيها لتلعب دوراً مؤثراً في السياسة العالمية .الاستراتيجيون العسكريون يرون أن الهند بحاجة ماسة إلي مصادر الطاقة إن رغبت بأن تكون قوة إقليمية وعالمية، وهو ما يتأتي لها من خلال وجودها في آسيا الوسطي للتحكم أو التأثير في مصادر هذه الطاقة، وهؤلاء الاستراتيجيون يعتبرون التحرك العسكري الهندي في العام 1984 بإقامة قواعد عسكرية في منطقة سياجن الجبلية الوعرة والمرتفعة علي حساب باكستان، كانت أولي خطوات التحرك الهندي في اتجاه أن تصبح قوة عالمية تهدد الصين، وهو ما يتسق مع الأجندة الامريكية في المنطقة.النفوذ الهنديوبعد أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) تعززت العلاقة الهندية مع دول وسط آسيا بسبب النظرة المشتركة لما يوصف بـ التهديد الأصولي في المنطقة . وهو ما تستشعره الهند وقادة هذه الدول المهددين أيضاً من قبل الحركات الإسلامية والوطنية، نظراً للخلفية الاستبدادية التي يعيشونها ويُحكمون بها .فتشظي الاتحاد السوفييتي، وتفشي الفقر والفاقة والبطالة بعد هذا التفتت، دفع كثيراً من الناس في هذه الجمهوريات إلي اللجوء لإيديولوجيات أخري علّها توفر لهم وضعاً أفضل مما يحيونه ويعيشونه .وتخشي الهند أن يؤدي أي اختراق للجماعات الإسلامية في هذه الجمهوريات إلي اختراق مماثل في كشمير الخاضعة للسيادة الهندية، والتي تعيش حالة شبيهة بحالة هذه الجمهوريات من ناحية وجود جماعات إسلامية مسلحة وقوية تعارض الحكومة الهندية .لقد استطاعت الهند في التسعينيات إقامة أول قاعدة عسكرية لها في جمهورية طاجيكستان، وتحديداً في منطقة فارخور بولاية بدخشان الطاجيكية، أو ما يسمي بوادي عشقومان، وهو الوادي الذي يفصل باكستان وأفغانستان، ومن شأنه أن يشكل تهديداً مباشراً علي باكستان التي ما تزال في حالة حرب مع الهند، واعترف مسؤولون دفاعيون هنود يوم 13 ـ 11 ـ 2003 بإقامة قواعد عسكرية في أيني، والتي تبعد عشرة كيلومترات عن العاصمة الطاجيكية، وتزامن هذا الاعتراف مع وصول رئيس الوزراء الهندي أتال بيهاري فاجباي إلي طاجيكستان، ومن المقرر أن تستقبل هذه القاعدة طائرات مقاتلة وطائرات شحن هندية، وكلفت الهند عملية الترميم هذه عشرة ملايين دولار، ووضعت الهند استئجار هذه القاعدة ضمن سياستها الهادفة إلي حماية مصالحها الأمنية والجيواستراتيجية، وتقول صحيفة إنديا إكسبرس بأن الرئيس الباكستاني اتصل شخصياً بنظيرة الطاجيكي، وعبر له عن استيائه وامتعاضه لهذه الخطة، وتعد طاجيكستان الهدف الثالث ضمن سلسلة أهداف الهند في دول وسط آسيا، إذ توسع من تواجدها العسكري ليشمل دولاً أخري مثل قرغيزستان وأوزبكستان .وتغري الهند هذه الدول عبر شطب ديون طاجيكية تقدر بعشرة ملايين دولار امريكي، ومنح دوشانبه قرضاً بقيمة خمسة وعشرين مليون دولار، بالإضافة إلي منحة بقيمة عشرة ملايين دولار امريكي، وتطورت العلاقة بين الطرفين إلي خوض تمرينات عسكرية مشتركة في شباط (فبراير) من عام 2003 م، وهو ما يزيد من القلق والخوف الباكستاني.وتنظر الشركات الهندية إلي أسواق آسيا الوسطي علي أنها أسواق واعدة ومهمة لتنشيط الاقتصاد الهندي، سيما وأن طاجيكستان الدولة المنغلقة علي نفسها، والتي لا تتمتع بأي منفذ علي البحر تعد بوابة أفغانستان من الجهة الشمالية، وكل ذلك سيحرم باكستان من كل هذه السوق الواعدة، خصوصاً في ظل التنسيق الإيراني – الهندي في هذه المجال، إذ أن إيران سمحت للشركات الهندية باستخدام موانئها وطرقها البرية و الحديدية لهذا الغرض.وتدرك باكستان بكل تأكيد المخاطر الجمة، وتحديداً الأمنية بعيداً عن كل شيء اسمه اقتصاد المترتبة علي الحضور الهندي هذا علي حدودها، فالمسافة بين الأراضي الباكستانية والطاجيكية لا تتعدي سوي بضعة كيلومترات يفصلها لسان واخان الأفغاني.7