رحلة في معاقل طالبان وحوارات عن امارتهم الثانية (الاخيرة)

حجم الخط
0

باكستان مشرف حظرت 5 جماعات اسلامية وسلمت 500 ناشط ولكنها لم تنل حظوة لدي واشنطن مثل الهنداسلام اباد قلقة من تحول افغانستان الي قاعدة خلفية للنفوذ الهندي والاسرائيلي بعد لقاءات افغان واسرائيليين

احمد موفق زيدانہتنشر “القدس العربي” مقتطفات من كتاب للصحافي في قناة الجزيرة القطرية احمد زيدان عن امارة طالبان الثانية التي يقول انها تختلف عن الامارة الاولي في قندهار وكابول. ويشير الكتاب الي تحولات في اسلوب وفكر الحركة، وانها تعيش ما يقول انها ثورة ناعمة. وتظهر الشهادات اقوال عدد من قادة الحركة الذين يقولون انالحركة ايام كانت في السلطة اختطفت من قبل عناصر معينة عملت علي تشويه صورة وسمعة الحركة من خلال التدخل في قضايا صغيرة لا تخدم افغانستان ولا العالم الاسلامي، والعجيب ان هؤلاء المتشددون الآن هم الذين تخلوا عن الحركة ولجأوا الي مساعدة الحكومة الافغانية المدعومة من الامريكيين. ويشير الي حياة الامان التي يعيشها السكان في المناطق التي تسيطر عليها طالبان، والي عودة ازدهار تجارة الافيون والمخدرات. وفي لقاءات مع القائد العسكري للحركة ملا داد الله يتحدث عن رغبته في التوجه الي العراق والمشاركة في الجهاد هناك. ويكشف عن وجود صلة مع المقاومة العراقية وتبادل في الخبرات والآراء بشان الوضعين الافغاني والعراقي وامكانية التنسيق بين الطرفين. “القدس العربي” ما تزال الكماشة تقترب من باكستان في ضوء تعزيز الهند لوجودها في أفغانستان، بل وصل الأمر في يوم العشرين من تشرين الأول (اكتوبر) 2003 أن تؤكد وكالة الأسوشيتيد بريس الامريكية ذلك الامر، وهو ما أصبح في حكم اليقين لاحقاً حين توجه وفد أمني هندي إلي كابول لإجراء التحقيق مع وزير الخارجية الطالباني السابق مولوي وكيل أحمد متوكل بشأن ملابسات خطف الطائرة الهندية من قبل ناشطين إسلاميين إلي قندهار في عام 1999، والتي تم بموجبها الإفراج عن بعض السجناء الباكستانيين في الهند مقابل تحرير الرهائن، وهو من شأنه أن يقلق الإدارة الباكستانية التي تري وتراقب حجم نفوذ التدخل الهندي في حديقتها الخلفية أفغانستان بدعم من خصومها قادة التحالف الشمالي، الذين لم ينسوا ولم يغفروا لباكستان دعمها ومساندتها لطالبان في السابق. وتري الأوساط الباكستانية أن وجود ثلاث قنصليات هندية علي حدودها، إنما يهدف إلي تكثيف التحريض الأفغاني عليها في مسألة الخلاف الحدودي مع أفغانستان، سيما وأن نيودلهي تحظي بعلاقات وطيدة مع قادة التحالف الشمالي، والذي تقيم معظم عائلات قادته في الهند، وتدرك باكستان أن الهند حصدت نصراً بلا حرب في أفغانستان، والحرب التي وصفت بالحرب علي الإرهاب، كانت المستفيدة الأساسية فيها الهند، إذ أن نيودلهي نجحت في دمغ المقاومة الكشميرية بالإرهاب، وربطها بالقاعدة وطالبان، وكسبت اعترافاً باكستانياً واضحاً بذلك عبر قرن الرئيس الباكستاني وإدارته منظمات إسلامية كشميرية مسلحة بالقاعدة وطالبان، وحظر نشاطاتها، وتجميد أرصدتها كما حصل مع جيش محمد ولشكر طيبة وغيرهما.

وتسعي الهند بكل ما أوتيت من قوة إلي تعزيز علاقاتها مع الحكومة الأفغانية الحالية، فقد نشرت وكالة الصحافة الفرنسية يوم 31 ـ 2 ـ 2003 نقلاً عن مسؤولين هنود بأن نيودلهي وافقت علي تسليم 300 شاحنة عسكرية إلي قوات الجيش الأفغاني، وكانت ثمة معلومات ترددت عن سعي السلطات الهندية إلي تدريب الشرطة الأفغانية، واللافت أن نيودلهي منغمسة في تقديم مساعدات تظهر للمواطن الأفغاني، من خلال تسيير الحافلات الهندية في شوارع كابول وغيرها من الخدمات مثل المستشفيات ونحوها بخلاف إسلام آباد التي تقدم الوقود، والاسمنت ونحوهما مما لا يلمسه الشارع الأفغاني العادي.

ورغم تسليم باكستان مئات الآلاف من نسخ الكتب المدرسية لأفغانستان، والتي طبعتها بطلب من اليونسكو، إلا أن أحد الصحافيين فاجأ المؤتمر الصحافي المشترك الذي كان يعقده وزير التربية والتعليم الأفغاني مع نظيرته الباكستانية زبيدة جلال، حين سأل الصحافي الوزير الأفغاني فيما إذا كانت الكتب الأفغانية المطبوعة باكستانياً، وسلمت إلي الحكومة الأفغانية قد وزعت علي الطلبة، والمصادر الموثوقة تؤكد علي أن الحكومة الأفغانية أتلفت أو علي الأقل لم توزع النسخ، وكل ذلك يشي ويدلل علي حجم الامتعاض والانزعاج الذي يكنّه حكام كابول لباكستان، فهم لم ولن ينسوا دعم باكستان لخصومهم من حركة طالبان.

الهند وايرانوتقوم الهند بالتعاون مع إيران لتنفيذ طريق من ميناء جباهار الإيراني مروراً بالمناطق الجنوبية الغربية الأفغانية، وهو طريق في حال تنفيذه سيضرب ميناء كراتشي الباكستاني، والذي تعتمد عليه أفغانستان بشكل شبه كامل، كونها بلدا ليس لها أي منفذ علي البحر، وإن كان للإنصاف ينبغي أن يسجل بأن التجار الأفغان عانوا الكثير في السنوات الماضية من بقاء بضائعهم في ميناء كراتشي لأشهر، وأحياناً لسنوات بسبب الفساد والرشاوي، والطريقة البيروقراطية القاتلة في الميناء، وهو ما يدفع أي دولة إلي البحث عن بدائل في هذه الحالة، ففي مطلع كانون الثاني (يناير) من عام 2003، وقّع وزير التجارة الأفغاني مصطفي كاظمي اتفاقاً في إيران يقضي باستخدام التجار الأفغان لذلك الميناء، وبتخفيض جمركي للبضائع الأفغانية بنسبة 90 % عن المعمول به في الميناء المذكور.

ويبدو أن باكستان بدأت تدرك أن الخناق يضيق عليها، فلجأت علي ما يظهر إلي إقلاق المشروع الامريكي والهندي في المنطقة، خصوصاً وأن كثيراً من المسؤولين يرون أنهم خُذلوا من قبل القيادة الامريكية حين ملأت الهند الفراغ في أفغانستان، وتعدي الأمر إلي ضرب أحزمة أمنية وعدائية هندية ضدها في دول وسط آسيا، فلجأت باكستان إلي التسامح مع الجماعات الإسلامية الخمس التي حظرت نشاطها في كانون الثاني (يناير) من عام 2002، فظهرت من جديد تحت مسميات جديدة، فجيش الصحابة برئاسة مسعود أظهر برز من خلال مجموعة جديدة أطلقت علي نفسها خدام الفرقان، و لشكر طيبة الكشميري برزت من خلال مجموعة سمّت نفسها جماعة الدعوة الإسلامية، وحركة تطبيق الفقه الجعفري ظهرت باسم جديد وهو الحركة الإسلامية، وكذلك الأمر مع جيش الصحابة حيث أطلق علي نفسه الملة الإسلامية، مثل هذا الواقع دفع السفيرة الامريكية في باكستان نانسي باول يوم 13 ـ 11 ـ 2003 إلي تحذير الحكومة الباكستانية من أن المجموعات المحظورة بدأت تعمل بأسماء جديدة، ولا بد من حظر نشاطاتها كونها إرهابية بالمنظور الامريكي، كما رأت السفيرة في كلمة لها عن العلاقات الباكستانية – الهندية بأن هذه المجموعات تشكل خطراً جدياً علي الولايات المتحدة الامريكية والهند وباكستان، وهو ما رضخت إليه باكستان لاحقاً، فحظرت مجدداً كل هذه الجماعات. ويعتقد قادة هذه المجموعات الجهادية مثل حافظ سعيد رئيس جماعة الدعوة أو لشكر طيبة قديماً بأن القتال في أفغانستان والعراق حال دون شن القوات الامريكية لهجماتها علي الدول العربية و الإسلامية مثل باكستان والسعودية وسورية وإيران، كما حال إشغال المجاهدين الكشميريين للقوات الهندية داخل كشمير دون شن الهند لهجومها علي باكستان.

ولعل مثل هذه التطورات والإشارات المقلقة التي تهدد باكستان وأمنها القومي هي التي دفعت قادة الجماعات الإسلامية الباكستانية إلي هذا النوع من الهجوم علي عملية وزيرستان، والتي وصفها زعيم جمعية علماء الإسلام وقائد المعارضة الإسلامية البرلمانية مولانا فضل الرحمن بأنها غير قانونية، وبدون موافقة البرلمان، وبدون رضا مناطق القبائل، كما رأي فضل الرحمن بأن القاعدة هي عدوة لامريكا وليس لباكستان، وزاد: ماذا نفعل.. نقوم بإراقة دماء إخواننا المسلمين من أجل إرضاء امريكا!! هل ستقف هي معنا إن وقعنا في أزمة مع الهند؟

، وهو نفس الخط الذي اقتفاه زعيم الجماعة الإسلامية الباكستانية قاضي حسين أحمد الذي قال بأن قتلي الجيش الباكستاني لا يمكن إطلاق صفة الشهيد عليهم ما دام يقاتل مسلمين، وهو تصريح خطير علي مستقبل الجيش الباكستاني الذي يرفع شعار إيمان.. تقوي.. جهاد في سبيل الله، خصوصاً وأن الدولة قامت علي أساس الإسلام.

أما لياقت بلوج نائب زعيم الجماعة فوصف العملية بـ إهانة، وجاءت لترضي الولايات المتحدة الامريكية في الوقت الذي تضعف فيه الجبهة الغربية الباكستانية، والأمن القومي الداخلي. وكانت صحيفة دون (فجر) نشرت في 4 ـ 10 ـ 2003 تقريراً من مراسلها في واشنطن يقول فيه بأن الأخيرة وافقت علي تسليم باكستان صفقة من طائرات مروحية تبلغ 60 طائرة لمهمة مطاردة وملاحقة عناصر القاعدة وطالبان، ولكن رغم كل الجهود الجبارة التي قدمتها باكستان للولايات المتحدة الامريكية في الحرب علي ما يوصف بالإرهاب، إلا أنها لم تتمكن من نيل ثقة واشنطن التي واصلت تعزيز القدرات العسكرية الهندية، فبعد أن تمكنت من منع إسرائيل من بيع طائرات فالكون إلي الصين، لم تطبّق نفس المعيار علي الهند وإسرائيل، حين باعت تل أبيب ذلك إلي نيودلهي عدوة باكستان التقليدية.

قدم كل شيء لقد قدّمت باكستان مشرف كل ما تستطيع تقديمه إلي واشنطن حين حظرت خمس جماعات إسلامية توصف بالتشدد، واضطر مشرف إلي وصف الجماعات الكشميرية بالإرهاب، وهو ما يغسل أيدي باكستان من القضية الكشميرية، بالإضافة إلي تسليمه كما تقول المصادر الباكستانية الرسمية 500 من عناصر القاعدة وطالبان إلي الولايات المتحدة الامريكية، وكل هذا لم يشفع لباكستان، ويبدو أن ما لم يفهمه المسؤولون الباكستانيون في أن علاقات الدول أبعد من كل هذا، وثمة فارق كبير بين العلاقات الاستراتيجية والعلاقات التكتيكية، وتزامناً مع الكشف عن بيع المروحيات الامريكية هذه لباكستان، نشرت الصحيفة في نفس اليوم نقلاً عن مراسلها في بيشاور بأن السلطات السياسية الباكستانية أنذرت القبائل بتسليم المختبئين لديها من المشتبه بانتمائهم إلي تنظيم القاعدة، وإلا تعرضوا إلي العقوبة، خاصة وأن هذه القبائل أدت يميناً دستورياً في ايار (مايو) من نفس العام بأنها لن تقدم الملاذ والملجأ لأي من هذه العناصر المطلوبة، ويظهر أن مهمة هذه الطائرات للمراقبة واصطياد المطلوبين امريكياً، فواشنطن غير معنية أبداً بتعزيز الوضع العسكري الباكستاني في مواجهة خصومها وتحديداً الهند.

أما الوعد الذي قطعه الرئيس الامريكي جورج بوش للرئيس الباكستاني برفيز مشرف خلال زيارته أواخر عام 2003 بتقديم مساعدة مالية تقدر بثلاثة بلايين دولار فقد كانت مشروطة بشروط قاسية إن لم تكن مستحيلة التطبيق ومتعذرة الإيفاء بمتطلباتها من قبل باكستان، وشرح هذه الشروط تقرير أمريكي حين ذكر: ….. لمساعدة عملية الإصلاح، علي الكونغرس أن يخول إدارة بوش بتقديم مساعدات تقدر بثلاثة بلايين دولار امريكي كمساعدات اقتصادية وأمنية لباكستان، علي أن يكون الثلثان من هذه المساعدات لغايات اقتصادية، والثلث الباقي للمساعدات الأمنية، وأن تبدأ هذه المساعدات مع نهاية عام 2005، بعد أن تثبت باكستان عدم استخدام أراضيها ضد جيرانها. وما تزال باكستان تعيش هاجس توجيه ضربة ضدها، خصوصاً مع التهديدات الهندية المتكررة، بالإضافة إلي النموذج الإسرائيلي حين نفذت غارة علي ما تردد بأنه موقع تدريبي لحركة الجهاد الإسلامي في عين الصالحة 15 كم شمال غرب دمشق، وهو ما زاد من القلق الباكستاني التي وصفت الاعتداء بأنه إرهاب دولة، فباكستان تخشي أن يشكل ذلك سابقة لامريكا أو لأفغانستان أو الهند في ضرب مواقع يشتبه في كونها معسكرات تدريب للجماعات الإسلامية، سيما بعد ما حصل في سورية.

إحدي المحرمات التي تنظر إليها باكستان في أية علاقة لها مع أفغانستان، هي مدي علاقة وتعاون وتنسيق الأخيرة مع دولة إسرائيل التي ينظر إليها في باكستان علي أنها دولة حليفة ومتعاونة مع الهند ووجودها في أفغانستان يهدد الأمن القومي الباكستاني، وإن كان المسؤولون الباكستانيون يتحاشون الحديث عن هذا الموضوع نظراً لحساسيته في ملف علاقاتهم مع واشنطن، ولكن لقاءات وزير خارجية أفغانستان الدكتور عبد الله الأخيرة مع نظيره الإسرائيلي سيلفان شالوم في آسيا الوسطي، وحديث الوزير الأفغاني بأن بلاده تتطلع للتعاون مع كل الدول المحبة للسلام، بالإضافة إلي لقاء الرئيس الأفغاني حامد كرزاي مع وزير البني التحتية الإسرائيلية ناثان شارانسكي في قزاقستان أواخر حزيران (يونيو)، وحديثه للجانب الإسرائيلي بأن إسرائيل دولة محبة للسلام وتخوض حرباً ضد الجماعات الإرهابية، كل هذا يقلق الطرف الباكستاني في أن تغدو أفغانستان قاعدة خلفية لعدويها الهندي والإسرائيلي، وفضلاً عن ذلك فإن مثل هذه اللقاءات والتصريحات من قبل المسؤولين الأفغان أبعدتهم عن الشعب الأفغاني المعروف ببغضه لإسرائيل، ومناصرته للقضايا العربية، ولعل ما يزيد الباكستانيين قلقاً أن العلاقات بين التحالف الشمالي الأفغاني وإسرائيل ليست وليدة اللحظة، وليست خاضعة لتأثير اللحظة التي تعود إلي امتنانهم للقوات الامريكية التي مكنتهم من الوصول إلي السلطة بعد قضائها علي طالبان، وإنما تعود هذه العلاقات إلي الزلزال الذي ضرب الشمال الأفغاني أواخر التسعينيات، حين قدمت إسرائيل مساعدات إنسانية وإغاثية للرئيس الأفغاني المخلوع برهان الدين رباني، وسبقتها لقاءات بين مسؤولين تابعين لرباني، وقيل رباني نفسه مع مسؤولين إسرائيليين في إيطاليا.

طالبان والتحالف الشماليوكانت حركة طالبان الأفغانية التي عُدّت منذ تأسيسها بأنها موالية لباكستان قد وصفت التحالف الشمالي الأفغاني بأنه إسرائيل أخري جديدة في ظهر العالم العربي والإسلامي، ولكن يبدو أن الباكستانيين الذين يدركون مخاطر وجود حكومة يقودها التحالف الشمالي في أفغانستان، يعون أيضاً أنهما أمام خيارين أحلاهما مر، إما التعاون مع امريكا وتحاشي غضبها، وإما العكس والاستعداد للأسوأ، وكما قيل فإن باكستان قلوبها مع طالبان وسيوفها عليهم.

لكن العلاقة بين الجيش الباكستاني والحكومة من جهة، والقبائل من جهة أخري دخلت مرحلة جديدة في ظل تحالف وتنسيق الحكومة مع القائد القبلي المتمرد ملا محمد نذير، الذي تلقي دعماً ومساندة من الحكومة لطرد مقاتلي الأوزبك من مناطق القبائل، والملا نذير الذي ظهر في مطلع عام 2006 يعتبره المسؤول العسكري لطالبان القائد داد الله في حديثه معي بأنه عميل للحكومة، وينفي بالمقابل دعايات الحكومة في الوقوف ضد المجاهدين الأوزبك حسب قوله، وهدد داد الله بقطع من وصفهم برؤوس الخونة من القبائل الذين قاتلوا الأوزبك، نافياً بالمقابل ما رددته الحكومة في أن قتلي الأوزبك وصلوا إلي المئات، مقدراً عدداً مع مؤيديهم القبليين الباكستانيين بثلاثة وعشرين شخصاً فقط، وسبق هذا كله توقيع القادة الطالبانيين الموالين للقاعدة وطالبان اتفاقاً مع الحكومة في مناطق شمال وزيرستان وجنوبها لاحقاً من أجل عدم التعرض لبعضهما البعض، ولكن الأوضاع ظلّت في حالة اشتباك، وإن كانت ليست علي مستوي كبير، مثل هذا الاتفاق لقي انتقاداً من أوساط امريكية وأفغانية علي أساس أنه يوفر الملاذ لطالبان والقاعدة في تركيز نشاطهما وأعمالهما العسكرية داخل أفغانستان، ويؤمن لهم قاعدة خلفية مهمة وآمنة.

لكن الظاهر أن المسلحين القبليين الذين ينسقون بشكل وثيق مع القاعدة وطالبان يسعون وبقوة إلي أسلمة مناطق القبائل، وامتداد الأسلمة إلي المناطق المدنية في تانك وكوهات وبيشاور ومردان، ففي 27/3/2007 هاجم مئات من المسلحين الطالبان القبليين منطقة تانك، وأطلقوا عليها عدة صواريخ، وسقط خلال المواجهات مع الحكومة خمسة وعشرون قتيلاً، بينهم عناصر من قوات الشرطة احتجاجاً علي اعتراض الأخيرة لناشطين قبليين كانوا يحرّضون الطلبة علي الجهاد والقتال في مدرسة بالمنطقة قبل يوم واحد من الحادث، وبعد يومين من هذا التاريخ فجّر انتحاري نفسه في مركز تدريب للجيش الباكستاني بقاعدة عسكرية لا تبعد سوي 90 كم عن العاصمة إسلام آباد، وهو ما يوحي بخطورة الأمر، كون الانتحاريين اقتربوا ليس من العاصمة فقط كما جرت أكثر من عملية، وإنما من الجيش الذي يحيط بالعاصمة، وحتي أن ذلك وصل إلي إسلام آباد من خلال المواجهة بين الحكومة الباكستانية والمسجد الأحمر الذي سنتحدث عنه لاحقاً.

في باكستان احراق آلاف الاقراص المدمجةلا أدري لماذا تذكرت وأنا أجلس بين مقاتلي حركة طالبان في الخط الأمامي للجبهة ذلك المنظر المرعب من إقدام طلاب وطالبات باكستانيين علي إضرام النار بآلاف من الأقراص المدمجة المسيئة للأخلاق وسط العاصمة الباكستانية إسلام آباد وأمام المسجد الأحمر، الذي كان حتي منتصف الثمانينيات أضخم مسجد في العاصمة التي تأسست في مطلع الستينيات؟!! فما أن اشتعلت النيران بكومة من هذه الأشرطة حتي انسحبت خوفاً ورعباً من نار تلتهم كل ما في داخلها، فبالقرب منها أشجار ضخمة، كان خوفي أن تشتعل النار بهذه الأشجار، لكن منظراً هالني حينها، فالطالبات المحتسبات يقفن علي شرفة المسجد ينظرن إلي المنظر، بينما الطلبة من الذكور يتولون عملية الحرق، وترتيب الأمور، والحديث للصحافة ووسائل الإعلام التي هالها المنظر، ولم تتوقع أن تصل مظاهر الطلبنة إلي قلب العاصمة الباكستانية إسلام آباد، التي تعد من أهم العواصم العالمية حليفاً لامريكا في الحرب علي ما يوصف بالإرهاب.

ربما تذكرت هذا المنظر وأنا أرقب جلوس بعض عناصر حركة طالبان الأفغانية في منطقة هزارة جفت بولاية هلمند علي خط النار كما ذكرت وهم يتجاذبون أطراف الحديث عن الأزمة التي فجّرها المسجد الأحمر في إسلام آباد بين الشقيقين مولانا عبد العزيز وعبد الرشيد غازي مع الحكومة الباكستانية، ومطالبتهما بتطبيق الشريعة الإسلامية خلال شهر واحد من الإنذار، كما أضرموا النيران في أشرطة فيديو للموسيقا والأفلام الهندية، ودعوا محلات بيع الأشرطة إلي وقف أعمالهم والعمل علي تغيير المهنة، ووعدوا أصحابها بمساعدتهم إن هم أوقفوا هذه المهنة.

عناصر طالبان في الخط الأمامي كانوا يتحدثون عن القصة وكأنهم يتحدثون عن قصة علي بعد أمتار منهم، لكون بعضهم درس في المسجد وجامعته الفريدية التي تضم سبعة آلاف طالب وسط العاصمة الباكستانية إسلام آباد، كان جل أغا قد درس في المسجد ويعطيهم تفاصيل وإحداثيات المكان، وكيف وقع ما وقع ليلة الجمعة السعيدة بالنسبة لهم حين اشتعلت النيران بأشرطة الفيديو، وتم مهاجمة ماخور، وألقي القبض علي سيدة كانت تديره أرغمت علي التوبة والاعتذار.

المسجد الاحمرمولانا عبد العزيز ومولانا عبد الرشيد غازي هما ابنا مولانا عبد الله الذي اغتيل علي أيدي عناصر شيعية متطرفة في عام 2006 وسط العاصمة إسلام آباد، وكان مولانا عبد الله من المقرّبين إلي الرئيس الراحل ضياء الحق، الذي دعمه أيام كان في السلطة 1977 ـ 1988 بأكثر من سبعة ملايين روبية باكستانية لتوسيع المسجد، خصوصاً وأنه كان حينها أكبر مسجد في العاصمة الباكستانية إسلام آباد، إذ لم يكن قد بُني حينها مسجد فيصل الحالي، ومولانا عبد الله من المقربين جداً لزعيم حركة طالبان الأفغانية الملا محمد عمر، إذ أنه كان يزوره بشكل دائم، ووفقاً لأحد قادة طالبان الذي روي لي القصة التالية، بأن مولانا عبد الله قبل اغتياله زار قندهار، وعرض علي الملا عمر البدء بالقتال ضد الحكومة الباكستانية، من أجل تطبيق الشريعة الإسلامية، إلا أن الملا عمر نصحه بألا يعملها الآن، كون ذلك سيؤدي إلي فتنة أعظم.

مولانا عبد الرشيد غازي نجل عبد الله يحدثنا كيف زار مع والده أسامة بن لادن قبل أحداث الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) 2001، وكيف أن ابن لادن سعي إلي إقناع مولانا بضرورة إخراج المشركين من جزيرة العرب، وبعد عودة والدي من قندهار وزيارته لابن لادن بدأ سلسلة الدعوة والتبليغ لأفكار ابن لادن التي آمن بها وسعي جاهداً إلي نشرها وسط العلماء وطلبة العلم.

المقربون من مولانا عبد الله وحتي نجلاه يعتقدون أن الحكومة الباكستانية وبعض أجهزتها يقفون خلف اغتياله، ولذا يستبعد قيادي في طالبان نظرية المؤامرة التي يُروج لها البعض في كون الشقيقين يعملان بتوجيه أمني باكستاني، فلا يُعتقد أن من قتل والده سيتعاون معه بهذه السرعة.

الشقيقان وقبلهما والدهما من المهاجرين الباكستانيين الذين هاجروا من الهند إلي باكستان إبّان تقسيم شبه القارة الهندية عام 1947 م، وهم من سكان كراتشي بالأصل، لكن انتقلوا إلي العاصمة إسلام آباد قبل أكثر من عقدين ليستقرا بها ويعملان علي إقامة سلسلة مدارس دينية وسط العاصمة الباكستانية، ربما يصل مرتادوها إلي خمسة وعشرين ألف طالب وطالبة.

العناصر الطالبانية التي التقيت بها في أفغانستان لا تخفي إعجابها وفرط فرحها بما أعلنه الشقيقان عن إقامة محاكم شرعية موازية لمحاكم الدولة، وفرحهم يزداد حين سمعوا أن إحدي عناصر الشرطة الباكستانية فضّلت التوجه إلي هذه المحاكم ليقتص لها مولانا عبد العزيز من زملائها في المهنة الذين تحرشوا بها، فما كان من مولانا إلا أن نصحها بإخفاء الأمر حرصاً علي سمعتها، مع تأكيده لها بأنه سيعمل من خلال تلامذته وطلابه علي جلب المتهمين للمثول أمام المحاكم الشرعية الجديدة.

لأول مرة أسمع من قيادات وعناصر طالبانية نافذة انتقاداً لزعيم المعارضة البرلمانية الباكستانية، وزعيم جمعية علماء الإسلام مولانا فضل الرحمن علي تصريحاته التي نال فيها من الشقيقين عبد العزيز وعبد الرشيد غازي، ووصف فيها الأول بأنه مفسد الزمان، بينما قال لي أحد القادة الطالبانيين المعروفين إن التراب الذي يطأ عليه مولانا عبد العزيز يساوي كل جسم مولانا فضل الرحمن، وشدد القيادي الطالباني علي أن الانتخابات والبرلمانات لن تفيد شيئاً، ولم تأت بحل للعمل الإسلامي، وقد لمست في ذلك تغيرا كبيرا في العقلية الطالبانية المعروفة بتقليديتها، وعدم تطرقها إلي قضايا كهذه.

لكن مع هذا ثمة عناصر طالبانية تعتقد أن إثارة قضية المسجد الأحمر وتطبيق الشريعة وما وصف بالطلبنة الجديدة في إسلام آباد، ثم ردود أفعال ومظاهرات من قبل بعض منظمات المجتمع المدني المدعومة غربياً، كلها تكتيكات من قبل الرئيس الباكستاني برفيز مشرف من أجل لفت الأنظار وحرفها عما يجري في المحكمة الباكستانية العليا وإقالته لرئيسها افتخار تشودري، والخلاف بينه وبين القضاة و المحامين، والتي تمثل أكبر تحد له منذ وصوله إلي السلطة في تشرين الأول (اكتوبر) من عام 1999 . بعض الليبراليين الباكستانيين يتحدثون الآن عن الموجة الثالثة من الطلبنة في باكستان، إذ يرون أن الموجة الأولي تمثلت بصعود حركة طالبان الأفغانية أواخر عام 1994، والموجة الثانية تجلت بسعي الزعيم القبلي صوفي محمد في مناطق ملاكند بتطبيق الشريعة الإسلامية أيام حكومة رئيس الوزراء السابقة بي نظير بوتو أواسط عام 1995، أما الموجة الثالثة فهي التي تميزت هذه الأيام بانتقال الطلبنة من مناطق القبائل الباكستانية والمجاورة لها إلي العاصمة الباكستانية إسلام آباد نفسها. الاجتماع الذي عقده كبار أعضاء الحكومة الباكستانية، كان قد رفض اتخاذ أي خطوات قاسية وعنيفة ضد المسجد الأحمر بسبب أن البلاد لا تتحمل أزمة وهزة كبيرة بمثل هذه الهزة، فهي مقبلة علي انتخابات وهذا سيؤثر سلباً علي أداء الحزب الحاكم الموالي لمشرف، بالإضافة إلي ما يعتقده مراقبون بأن عناصر الأمن الباكستانية في العاصمة لا يتعدون الستة آلاف عنصر، بينما عدد طلبة المدارس الدينية في إسلام آباد الذين سيتضامنون مع المدرسة يتعدون الخمسة والعشرين ألف طالب وطالبة، وحينها ستكون إسلام آباد ساحة معركة حقيقية، في ظل تهديد الشقيقين بتنفيذ عمليات انتحارية إن أقدمت الحكومة علي اقتحام المدرسة، أو رفضها لقبول تطبيق الشريعة قبل شهر الإنذار الذي وجهته المدرسة. ربما يظن الكثير من المتابعين عن بعد للوضعين الأفغاني والباكستاني أن باكستان ومدارسها الدينية هي المؤثر بالوضع الأفغاني، لكن في الحقيقة أن أفغانستان من الناحية الجيوبولوتيكية أكثر تأثيراً من باكستان، وتبقي الأخيرة هي الرافد لأفغانستان بالعناصر البشرية وبالملاذ، أما القيادة والتخطيط فهي بأيدي طالبان، لقد تجلّي ذلك حين سعي زعيم جمعية علماء الإسلام مولانا فضل الرحمن إلي دعوة ملا عمر إلي مؤتمر لمدارس ديوبند بمناسبة مرور 150 عاماً عليها قرب بيشاور قبل أشهر من سقوط الحركة، فما كان من زعيمها إلا أن يقول: وهل تظنون لدي وقت لحضور مثل هذه الاجتماعات والمؤتمرات.

هذه العقلية الأفغانية تلمسها في الحديث إلي كل أفغاني بشكل عام، وطالباني بشكل خاص، فالأفغان ينظرون إلي أنفسهم علي أنهم شركاء في الحضارة الإسلامية مثل العرب والأتراك، وبالتالي فالعطاء الذي قدّموه للإسلام يسمح لهم أن يكونوا قادة، والحقيقة أن الإسلام نُشر في شبه القارة الهندية، وصمد وقاوم بسبب مقاومة الأفغان والبشتون بشكل عام.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية