رحلوا في صمت الشموع !

حجم الخط
3

لم تعد حتى تلك المقولة الشهيرة المنسوبة الى مستشرق بريطاني عن شرط الغياب للمثقف العربي كي يحظى بالتكريم ذات معنى، فقد اصبح الموت ذاته امتدادا لحياة تراوح بين الضرورة والحرية لصالح الضرورة وبين الرغيف والوردة لصالح الرغيف.
وخلال العامين او الثلاثة التي مضت وانشغل فيها العرب ببعضهم قتلا ونفيا واقصاء في ما يشبه الانتحار القومي رحل العديد من الادباء والفنانين العرب في صمت الشموع، وفي مصر وحدها رحل اكثر من اربعين من هؤلاء، منهم اصدقاء لم يتح لنا وداعهم، ومنهم من كان جديرا بوداع يليق به ، لكن الثقافة كانت ولا تزال الحائط الأوطأ في البيت العربي، لا تقوى على مقاومة اي شيء، وكأنها مجرد فائض يحاول تبرير وجوده دون جدوى، فإن كان مبرر الرحيل الصامت المحروم من طقوس الوداع هو الحراك السياسي، فَبَعضُ هؤلاء كانوا من محركيه، والمبشرين به، انهم روائيون وصحافيون وشعراء، ومفكرون ذوو باع طويل سواء في الريادة او الفاعلية الثقافية، وهذا اقل ما يمكن قوله عن الدكتور انور عبد الملك، وخيري شلبي وسلامة احمد سلامة ومحمد البساطي وابراهيم اصلان والدكتور ثروت عكاشة واحمد بهجت وحلمي سالم وغيرهم وغيرهم، ولم يكن الراحلون من الادباء والشعراء فقط، فالسينما ايضا خسرت نجوما كانوا ذوي حضور ساطع لعدة عقود، وكذلك الفن التشكيلي، وأذكر معتذرا عن البعد الشخصي رحيل الفنان عدلي رزق الله، وكان بيننا مشروع مشترك توقف فور رحيله، وكما حدث في العراق اثناء حصاره وحروبه الثلاث، تضاعف عدد من يرحلون من المثقفين بأزمات قلبية وجلطات قومية، ولم يكن حظ هؤلاء اوفر من حظ زملائهم في مصر، جبرا ابراهيم جبرا مات في صمت الشموع ايضا، وبعد رحيله دمّر منزله بكل ما يحتوي من كتب ولوحات بعضها رسمها هو، وكان الشاعر الرائد محمود البريكان قد قتل وهو في السبعين او ما بعدها بحادث سطو والصديق القاص موسى كريدي رحل بعد ان اضطر لأن يعمل سائق اجرة كي يوفر القوت لأسرته، وتنضم سوريا اليوم الى القائمة، بحيث لا نسمع بمن يموت من هؤلاء الا بعد رحيله بما يكفي للنسيان في زمن سبقنا الى وصفه ناظم حكمت حين قال لزوجته نوار في رسالة من السجن : نحن نعيش زمنا لا يذكر الناس فيه موتاهم اكثر من ايام، وقد يكون رحيل سليمان العيسى في هذه الأزمة الحرجة ذا دلالة رمزية لأن النشيد القومي الذي كتبه وردده العرب من الماء الى الماء ربما دفن معه.
* * * * * * *
لا شك ان منسوب الموت يرتفع في الحروب لآسباب منها التوتر النفسي والعصبي، واحيانا لأن تلك الحروب تبدو للمثقف انتحارية ويعم فيها الموت بالجملة والمجان معا، ولو رحل احد هؤلاء وهم بالمئات في زمن مغاير لاختلف الأمر، وخصصت له صفحات وملفات وندوات، لكن لا وقت الان لذلك، ففي الحروب كما قال ريمارك الالماني قد يكون هناك وقت للحب ووقت للموت، لكن وقتنا العربي الذي قال عنه ادونيس بأنه بين الرماد والورد … انطفأ فيه كل شيء ولم يبدأ من رماده بعد أي شيء.
خمسة على الأقل من الراحلين في مصر خلال هذه الفترة الحرجة، عرفتهم عن قرب أولهم خيري شلبي الذي كان له الفضل في ان اتعرف عن كثب على سكان المقابر والعشوائيات التي كان هو الأدرى بشعابها، وحلمي سالم الشاعر الذي لم يخلع جلده، ولم يستأصل الوشم الذي مَهَر قلبه وجبينه معا، الذي كان يثير غيرتي في اقباله على الحياة، وسلامة احمد سلامة الذي كان مدخلي الى المجلة الرصينة التي كان يرأس تحريرها ‘وجهات نظر’، هذا الكاتب الذي ظفر باجماع على احترامه قّلما ظفر به آخرون، وانيس منصور الذي كتبت اثناء حياته عدة مقالات ضد اطروحاته وقال لي مرة مازحا : عيب، الدم لا يصبح ماء، موحيا لي بقرابة عائلية من خلال الاسم، واعترف له بعد رحيله بأنه صاحب فضل كبير علي في كتاباته المبكرة التي كانت تقتادني وبعض ابناء جيلي الى مجالات معرفية بدءا من الوجودية حتى مسرح اللامعقول.
ومنجز د. ثروت عكاشة بما قدمه شخصيا وما اشرف عليه يصعب تقييمه في مناسبة كهذه، لولاه لما قرأنا مسخ الكائنات لأوفيد، وفن الهوى المصحوب برسوم لبيكاسو .
هؤلاء منهم من تعلّمنا منه ومن تعلّمنا معه لاختلاف الاجيال، وكان الصديق الراحل رجاء النقّاش الذي سبقهم الى ملكوت آخر لا تنافس فيه ولا غيرة قد اتيح لي وداعه في ليلة طويلة بمنزله، وكان يتحدث عن الموت بفضول وكأنه كتاب آخر يترقبه وتأخر صدوره.
ان ابراهيم اصلان ومحمد البساطي علامتان في سيرة الرواية العربية، وهما ايضا رحلا في صمت الشموع، وما أنجزاه من أعمال يستحق اهتماما نقديا حتى في ذروة هذا الانهماك بعيدا عن الثقافة وشجونها.
* * * * * * *
هكذا اذن لم يعد موت المثقف والمبدع العربي مثيرا لحسد المستشرقين، فالعرب فقدوا هذا الشغف، لأن عدم خوفهم من الموت ليس بسبب الاقبال على الحياة بل بسبب التفريط بها، وكأنها لم تعد تستحق ان تعاش.
نعرف ان الثقافة ورموزها كانت في الصميم من اي حراك سياسي او اجتماعي في العالم ، ولم يحجب صخب التظاهر هؤلاء احياء وموتى، لكن الثقافة في عالمنا المطرز بثلاث اميّات على الأقل وهي اشبه بتلك المقاعد الأنيقة الهشة التي كانت توضع في مداخل البيوت للزينة فقط، فإذا اخطأ زائر وجلس عليها انكسرت وكسرت ظهره، وبالرغم من ذلك فثمة هواة ينتحلون صورة المثقف، قد تثير هذه التداعيات سخريتهم لأنهم يلعبون على الهامش اللامرئي، وهم ضحايا فيتيشيا ثقافية لأنهم يتعلقون بقرائن المثقف كما يتعلق المكبوت الجنسي بأشياء المرأة، اما من غرزوا اصابعهم في الجمر فهم الأجدر بأن نحتكم الى سيرهم والتي هي على الاغلب تراجيدية، مقابل تلك الكوميديا الزرقاء وثقيلة الدم التي يقدمها المنتحلون والمتماهون والمتقمصون من هؤلاء ‘ الداندية ‘ تماما كما كان بعض هؤلاء يحاكون بودلير او رامبو في دانديتهم، لكن بلا ابداع حتى في التقليد ذاته!
* * * * * * * *
احيانا يتزامن رحيل مبدعين في مختلف المجالات كما لو كان مواعيد مضروبة في اقاصي العزلة البيضاء، وبعض هؤلاء تعرضوا لقتل بطيء لهذا ادّخرت احدهم الى الخاتمة وهو الذي لم يجد غير الموت وطنا بعد النفي والمطالبة بالتفريق القسري بينه وبين زوجته وهو نصر حامد ابو زيد الذي كانت جريمته الطلاق المنطقي بين مفردتين اصبحتا توأمين في ثقافة القطعنة وفقه التجهيل وهما التفكير والتكفير!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية