رشاد أبوشاور
وأخيراً رحل المعلّم نجيب محفوظ، هرم الرواية العربيّة، بعد عمر امتّد 95 عاماً، رغم مـعاناته مع مرض (السكرّي) ، وطعنة الجهل التي أعاقت يده عن الكتابة.
قبله كتبت روايات متفرّقة، ولم يوجد روائيون، ولكن بعده ولدت أجيال من الروائيين، فهو المعلّم الباني لنهضة الرواية العربيّة، ومطوّر فّن الرواية، والمجدد الذي بزّ أجيال الشباب الذين جاءوا بعده، في زمن تطوّر الرواية في الغرب، قاطعاً رحلة ابتدأت بالرواية لتاريخية، ثمّ بالرواية الواقعية ( الثلاثيّة ) ، فالرواية النفسيّة ( السراب ) ، فالرواية الحديثة بالبناء غير المسبوق حتي عالميّاً بحسب ما أعرف ( المرايا) التي كتبها وفقاً للحروف الأبجديّة كاسراً الشكل التقليدي، بحيث يشارك القارئ الحصيف طويل البال بإعادة تركيب أحداث الرواية كما لو أنها لعبة ( جيغزو) ، وبناء العلاقات بين شخصيّاتها، فالرواية الملحميّة ( الحرافيش ) باستلهام الشكل العربي للقّص والذي ابتدأه برواية ( ليالي ألف ليلة ) ، فالسيرة الروحيّة الشعريّة القصصيّة… نجيب محفوظ كتب القصّة القصيرة الواقعيّة ( دنيا الله ) ، والفنتازيا، والقصّة اللامعقولة ( تحت المظلّة) ، والقصّة القصيرة المكثّفة المشحونة المكتنزة بفكرة فلسفيّة عميقة. محفوظ ككاتب قصّة قصيرة يقف في مقدّمة كتّابها، وعطاؤه فيها لم يحظ باهتمام النقّاد والدارسين لأسباب منها علو قامته الروائيّة، وانحياز بعضهم ليوسف إدريس تحديداً، وعدم الاهتمام حتي بيحي حقّي، ومحمود بدوي، ويوسف الشار وني… ذات يوم كنّا نتسكّع في شارع ( سليمان باشا) ، أنا وأحمد دحبور، فرأيته يقف علي الرصيف، يهّم بعبور الشارع للانتقال للطرف المقابل، وهو يرسل نظراته متــــأملاً الجــموع في حركتها، وتزاحمها، واندفاعها… همست لأحمد:_ والله يا أحمد سوف ( يلدعها ) ذات يوم…( ويلدعها بلهجتنا الريفيّة العتيقة يعني سيأخذها، أي جائزة نوبل) . في مقهي (ريش) التقينا بالمعلّم نجيب محفوظ، كنّا: أمل دنقل، ودحبور، وأنا، وكالعادة بعض الكتّاب المصريين، ولكنه أولانا اهتماماً خّاصاً، لأنه كما يبدو رغب في سماع آراء كتّاب ( شوام) في إبداعه، ومدي اهتمامهم بأعماله الروائيّة والقصصية، وتأثيرها عليهم… استذكرنا معه ( رسالة) صديقنا محمود موعد القّاص الفلسطيني، الذي كانت منحته جامعة ( السوربون ) في باريس شهادة الدكتوراة عن (رحلة الإيمان في روايات نجيب محفوظ ) فأثني علي الرسالة، وأخبرنا أنه اطلّع عليها باللغة الفرنسيّة التي يقرأ بها، وإن بدرجة أقّل إتقاناً من اللغة الإنكليزيّة.
ذات يوم، في الصباح المبكّر، وكنّا نعيش في العاصمة التونسيّة، أيقظني رنين الهاتف، فوجف قلبي لأنني توقعت خبراً سيئاً، فإذا بصوت أحمد دحبور يلعلع في الهاتف: _ نجيب محفوظ لدعها… ولأنني نسيت ( المفردة) ومناسبتها، فقد سألته بين النوم واليقظة، وقد هدأ خاطري قليلاً:_ شو يعني لدعها؟!
صاح مستغرباً:_ أنسيت أنك قلت: سيلدعها؟ نوبل يا بني آدم، لدع نوبل، تهانينا… نعم: لدعها… في الصباح، وقد التقينا في دائرة الإعلام والثقافة في شارع ( أبو لبابة الأنصاري) ، قلت لدحبور:_ أتمنّي من الله أن يعيش سنتين ثلاث، حتي يفرح بالجائزة، و.. تنكسر عقدتنا منها، فهو كبير عمراً، إنه في السابعة والسبعين تقريباً… ثمّ ها هو قد عاش حتي بلغ الخامسة والتسعين، ومنحت بعده لأكثر من خمسة عشر كاتباً وكاتبة، رغم الاعتداء الآثم عليه من أحد الجهلة المضللين… نجيب محفوظ الكبير قيمةً، إبداعاً، وعمراً، وإنسانيّة يرحل كبيراً، تاركاً لنا تراثاً روائيّاً كبيراً… بعض الكتّاب الشباب _ قبل ثلاثين سنة _ أثاروا جلبةً وصخباً مفتعلاً، مدّعين أن نجيب محفوظ يقف عقبةً في طريقهم، وطريق تطوير الرواية، وهم بهذا، كونهم كسالي، قلبوا الحقيقة، فنجيب محفوظ، راد طرقاً لم تألفها الرواية العربيّة، وفتح آفاقاً لا حدود لها، وسبقهم في التجديد… هناك من شككوا بأسباب منح نوبل لمحفوظ، وأعادوها للسياسة، ومواقفه التي تناغمت مع ( السادات ) وخطابه السياسي، ومعهم حّق، ولكن نجيب محفوظ كان يستحّق ( نوبل) قبل سنوات من رحلة ( السادات المشؤومة ) ، والعيب أولاً يلحق بجائزة نوبل غير المنزّهة عن الهوي، والتوجّه السياسي، وحتي التصهيّن… في مرحلة ما، وجد روائيون ثبت أنهم قليلو الأهميّة، ومع ذلك فقد حظوا باهتمام أكبر من محفوظ، أقصد تحديداً: يوسف السباعي، وإحسان عبد القدّوس، ولكن أهميتهما قلّت، وماتت روايتهما قبل موتهما، فهما كانا يكتبان حكايات تصلح للسينما، ولم يكونا يبدعان فنّاً روائياً يبقي محتفظاً بقيمته، ملهماً للأجيال، يقدّم معرفة، ومتعة قّص كثيراً ما تبهر، وهو ما يحيّر في موهبة هذا الروائي الكبير الممتلئ الروح والعقل بأسرار شعبه، وحياته، ومكوناته الاجتماعية، وبالقدرة علي تتبّع تطوّره، وحراكه الاجتماعي، ومنظومة قيمه وما يطرأ عليها.
لفرط إقليميّته المصرية فقد نفر من جمال عبد الناصر ( العربي) ، رغم اعترافه بأنه لم يمنع من الكتابة في زمنه، ولم يعاقب علي النقد الصريح في بعض قصصه للتجربة ( الناصرية) ، وبقي يكتب في ( الأهرام) برعاية من رئيس تحريرها الكبير محمّد حسنين هيكل، والمقرّب جداً من الرئيس عبد الناصر، ومع ذلك فهو لم يدخل عبد الناصر ( الجنّة ) في روايته ( أمام العرش ) إلاّ في آخر الرواية، وبعد ركنه وحده من بين كّل حكّام مصر منذ الزمن الفرعوني حتي زمن السادات!. لم يرحم نجيب محفوظ ( السادات) رغم تأييده لصفقة السلام التي عقدها مع ( إسرائيل) ، فهو انتقد السادات بحدّة وسخر منه في روايته ( يوم قتل الزعيم ) ، واصفاً إيّاه بأنه: _ الزي زي هتلر، والفعل شارلي شابلن… هذا هو السادات الذي تكشّف عن أنه ليس قائداً تاريخيّاً، ولكنه ( مهرّج ) جرّ الخراب علي المجتمع المصري بسياسة الانفتاح التي سلكها، وتشريعه أبواب مصر، وما جري من سياسة نهب وإفقار أنهكت المجتمع المصري ودمّرت علاقاته الاجتماعيّة. دائماً احترمت هذا الكاتب الكبير، الذي ظلّ كبيراً في إبداعه الروائي والقصصي، وإن اختلفت معه في بعض مواقفه السياسيّة، وأحسب أن هناك من يشاركني رأيي، لأنني أري بأن ما يبقي من محفوظ هو إبداعه الأدبي، ودوره الريادي، مع عدم إسقاط المآخذ السياسية عليه، يرحمه الله…