رحيل الكبار

منذ فترة قليلة رحل بعد أن تجاوز التسعين، الكاتب الروائي والمسرحي الإسباني أنطونيو غالا، صاحب رواية «المخطوط القرمزي»، التي تحدثت عن سيرة أبي عبد الله الصغير، آخر ملوك الأندلس، بأسلوب ذكي وجذاب، وأيضا رواية «الوله التركي»، التي تدور أحداثها في تركيا في زمن قريب، وبطلتها دسديريا الإسبانية الجميلة التي غيّر الوله التركي حياتها إلى الأبد. ومؤكد توجد أعمال أخرى لأنطونيو غالا لكن ربما لم تصل لقراء العربية.
حقيقة يجذبني إلى الأدب الإسباني مواضيعه التي يشكل التاريخ جزءا كبيرا منها، أيضا الأسلوب الذي يكتب به، وحتى لو كان واقعيا صرفا، لكن تجد فيه شيئا من السحرية، إنها علاقة اللغة بالمكان، والشخوص، وقد أبهرنا كلنا الراحل كارلوس زافون في رواياته الضخمة الممتلئة بسحر المواقف واللغة مثل «لعبة الملاك» و»ظل الريح»، وغيرهما، وإن كانت ظل الريح تبدو الأكثر جمالا وتوهجا في عالمه. أيضا قرأت لمانويل ريفاس بترجمة صالح علماني، روايته القصيرة الخالدة «قلم النجار» التي أردد دائما بأنني تمنيت لو كتبتها، فشخصية السجان الذي يضع قلم النجار خلف أذنه، ويوسوس له القلم بما يشبه الضمير الحي، تبدو فعلا فاتنة.
وعلى الرغم من أن الأدب الأمريكي اللاتيني كتب أيضا بالإسبانية، لكن تجد دائما فروقات في التناول بينه وبين الأدب الإسباني، وأظن ذلك نابعا من اختلاف البيئة والحياة المعيشة بين إسبانيا الأوروبية وعالم أمريكا اللاتينية الموغل في الفقر والبدائية.
لقد تعرفت على أدب أنطونيو غالا مبكرا، حين حدثني أحد الأصدقاء عن رواية المخطوط القرمزي، وكيف أنها رصدت إنسانية أبي عبد الله الصغير، ومشاعره وإحساسه بالخسارة الكبرى، وأن التاريخ غالبا سيحمّله مسؤولية سقوط الأندلس، من دون أن تكون له يد في ذلك، ولأن موضوع الأندلس وضياعه من المواضيع التي تشكل جذبا كبيرا، واهتماما للقراءة عادة، ظللت أبحث عن تلك الرواية زمنا ولم أجدها، وكانت سوريا آنذاك محطة مهمة في توفر الأدب المترجم فيها، وكان كبار مترجمي الأدب الإسباني من هناك، أمثال رفعت عطفة وصالح علماني، لذلك كلفت زائرا لدمشق أن يبحث لي عن الرواية، وبالفعل جاء بنسختين، ما زلت أحتفظ بهما حتى الآن.
أظن انجذابي لرواية المخطوط القرمزي، حفزني على البحث عن عمل آخر لغالا، ودائما في الكتابة والقراءة تبدأ العلاقة الجيدة، أو السيئة بين الكاتب وقارئه من الكتاب الأول، فإن راق الكتاب للقارئ بحث عن غيره، وإن لم يرق، ترك الكاتب تماما، وتفرغ للبحث عن كاتب آخر يناسب ذوقه، هذا ما أتصوره، ولكن أستغرب تماما من قراء يتحدثون عن كتاب قرأوا لهم كتبا كثيرة، وما زالوا يتابعونهم وفي كل كتاب يصدر، يكتبون: لم يعجبني أسلوب الكاتب. بالطبع لن يعجبك لأن أسلوب الكاتب واحد، وما يتغير هو الفكرة وأجواء النصوص، وما دام لم يعجبك من الكتاب الأول، فلن يحدث ذلك أبدا.
قصة «الوله التركي»، مختلفة جدا، إنها من أجواء معاصرة، وأظنها نتاجا لرحلة قام بها المؤلف إلى تركيا، إلى إسطنبول خاصة، في زمن ما، لأن القصة كانت ماضية والأحداث تتشابك وتنفض، وتظل معالم إسطنبول كلها موجودة في النص، المساجد، والبازارات، والشوارع، ومطاعم الكباب التركي وكنيسة أيا صوفيا، وقصر السلاطين، ومياه البسفور وهواؤه المنعش، وكل ما يمكن للزائر أن يشاهده ويستمتع به في إسطنبول، تلك المدينة التي تعتبر من المدن السياحية الكبرى في العالم، وتم استثمارها بالفعل لتكون كذلك. قصة ديسديريا تدور هناك إذن، وقد عثرت على حب جديد، أو لنقل وله جديد، بعد حياتها الزوجية الباهتة، إنه يمام الدليل السياحي التركي الذي كان يصاحب الوفد الذي أتت معه. لم يكن يمام من أوصافه، التي ذكرها الكاتب، فتى خارق الوسامة، أو جذابا إلى حد أن يصنع ولها تركيا، كالذي صنعه عند دسديريا أو دسي، كما تختصر، لكن هذا ما حدث، ومن مكان لمكان، ومعلم سياحي لمعلم سياحي، والتصاق وعناق، تتخلى الإسبانية عن هويتها وبلادها، وتقبع في بيت الدليل التركي تحت سيطرته وسيطرة أمه، أقرب للخادمة، إنه فقدان القيمة الذي يصنعه الوله، وهو ليس أمرا خارقا أبدا.
الرواية فعلا ممتعة وتشد القارئ، وكما قلت، يملك الأدب الإسباني عادة بهاراته التي تختلف عن بهارات الآداب الأخرى كثيرا. حين مات غالا، لم يرثه كثيرون أو ينوحون عليه في وسائط التواصل الاجتماعي، على الرغم من شهرته وأنه أحد الكبار المعاصرين وقدم أدبا راقيا نال عليه جوائز، وأظن أن روايته «المخطوط القرمزي»، وزعت أكثر من مليون نسخة وهذا رقم كبير في الأدب، ولو حدث لكاتب عربي لتغيرت حياته تماما. وقد عزوت عدم اهتمام القراء العرب بغالا إلى أنه لم يصل مدويا كما وصل كتاب غربيون آخرون من أمثال ميلان كونديرا، الذي رحل مؤخرا، وأيضا عن عمر تجاوز التسعين، فارتباط القراء دائما بالأدب الذي يتم تناقله في وسائل التواصل الاجتماعي، التي استولت على وظيفة المقاهي، وكانت وسائل دعاية مهمة في زمن ما، قبل دخول الفيسبوك وتويتر والإنترنت عامة، فالكل يعرف ميلان كونديرا حتى لو مجرد اسم، ويعرف عناوين رواياته، وربما مواضيعها من مجرد السماع، وقد لا يكون كثيرون في بلاد العرب قرأوا لأنطونيو غالا، أو مانويل ريفاس، لذلك لم يشكل غياب غالا نواحا مثلما شكل غياب كونديرا.
عموما فقد أي أديب خسارة كبيرة للأدب، حتى لو كان ذلك الأديب قد كبر في السن، أو في حالة مرض وعجز، ووهن في الذاكرة، فمجرد وجوده بجانب تاريخه الكبير، يمنح الحياة الأدبية مجدا ما.

كاتب سوداني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية