إكرام يوسف
أصدرت قيادة الجيش في تشيلي قبل أيام قرارا بطرد حفيد ديكتاتور تشيلي السابق أوغستو بينوشيه من الجيش، لمخالفته تقاليد وأعراف العسكرية وحديثه في السياسة. وحاول الحفيد التهوين من شأن القرار بأن صرح أنه هو نفسه كان يعتزم الاستقالة من الجيش خلال أيام. وذلك بعد ان ألقي حفيد بينوشيه خطبة بعد وفاة جده يدافع فيها عن عهد بينوشيه باعتباره أنقذ البلاد من حكم الاشتراكيين في ذروة فترة الحرب الباردة. ولم يكن مفاجئا ان لا يحظي الديكتاتور البائد بجنازة رسمية بأمر رئيسة الجمهورية التي كانت احدي الناجين من معسكرات التعذيب التي حفل بها عهده.. كما لم يكن مفاجئا ان يخرج الي الشوارع ابتهاجا بموت الديكتاتور عشرات الآلاف من التشيليين سواء في تشيلي أو في بقية بلاد العالم التي هرب اليها تشيليون خلال حكمه وطلبوا اللجوء السياسي. وان كان هؤلاء اختلطت لديهم مشاعر الفرح بمشاعر الاحباط بسبب عجز العدالة الدولية عن القصاص من طاغية راح ضحية انتهاكاته لحقوق الانسان ثلاثة آلاف قتيل، كما تعرض 28 ألف شخص للتعذيب في فترة حكمه الذي اغتصبه بعد قيامه عام 1973 بانقلاب أطاح بالرئيس التشيلي المنتخب سلفادور الليندي الذي وصل الي حكم البلاد بعد انتخابات حرة ومباشرة عام 1973. غير ان وصول الزعيم الاشتراكي الي حكم تشيلي في فترة كانت الاشتراكية تشهد مدا في أمريكا الجنوبية لم يرض الولايات المتحدة، التي لا تعجبها عادة نتائج الانتخابات الديمقراطية الحقيقية التي تجلب الي الحكم حكاما وطنيين بالفعل لا يدينون بالولاء الا لشعوبهم التي تتعارض مصالحها عادة مع أطماع واشنطن. وزاد من حقد الولايات المتحدة ان الليندي الذي أطلق عليه طبيب الفقراء واصل سياساته الوطنية التي هددت مصالح الامبراطورية الأمريكية. ولم تستطع الادارة الأمريكية في ذلك الوقت التشكيك في شرعية حكم الزعيم الاشتراكي الذي كان فوزه في الانتخابات النزيهة ـ بحق ـ أبعد من ان يطاله أي تشكيك. فلم يكن أمامها الا اللجوء الي السيناريو الأمريكي المعتاد؛ دفع أحد عملائها للانقلاب علي الحكم الشرعي، ليقــــضي ما يقضيه من فترة حكم في خدمة مخططات واشـــــنطن الي ان يصبح ورقة محروقة فينتفي الغرض منه، ويسهل التخلص منه؛ اما بتركه لشعبه يخلعه دون مساندة اعتادها مثل شاه ايران رضا بهلوي أو رئيس اندونيسيا سوهارتو؛ أو فتح ملفات كانت تتستر عليه فيها مثلما حدث مع نورييغا رئيس بنما الذي انتهي به الأمر سجينا في قضية مخدرات أو.. أو.. والأمثلة كثيرة… بصق علي نعشهوهو ما حدث بالفعل؛ اذ ما ان تولي الليندي الحكم رئيسا في الرابع من ايلول (سبتمبر) 1970، رقي اوغستو بينوشيه الي رتبة جنرال. ولدي استقالة الجنرال كارلوس براتس من قيادة الجيش في آب (أغسطس) 1973، أوصي بالجنرال بينوشيه خليفة له، قائلا انه قدم ما لا يحصي من الأدلة علي ولائه. الا ان بينوشيه قام بعد ثلاثة أسابيع، في 11 ايلول (سبتمبر) 1973، بانقلاب أطاح فيه بالرئيس المنتخب الذي رفض الاستسلام وظل في قصره مرتديا الوشاح الرئاسي رغم ان القوات الجوية ظلت تقصف القصر وقوات المدفعية والمشاة تحاصره مطالبة اياه اما بالاستسلام أو الهروب، لكنه فضل ان يسقط شهيدا في القصر الرئاسي كما يقول أنصاره بينما زعم قادة الانقلاب أنه انتحر. وبعدها بأيام قتل بينوشيه الجنرال كارلوس براتس وزوجته، وفق ما ذكر ابنهما الذي قالت وكالات الأنباء أنه بصق علي نعش بينوشيه أثناء تشييع جنازته قائلا انه ينتقم لوالديه. وقضي بينوشيه 27 عاما في الحكم كان فيها كما يقول محللون مخلب القط الأمريكي في المنطقة.. وكان ولاؤه الأساسي لواشنطن وليس لشعبه.. فبمجرد قيامه بالانقلاب حل الكونغرس التشيلي، وعلق الدستور، وأعلن تشكيل المجلس العسكري الحاكم، وحرم الأحزاب السياسية اليسارية التي شكلت تحالف الليندي الحاكم، ومنع أي نشاط سياسي، ومارس الارهاب السياسي. وأعلن صراحة بأنه يطمح لـ جعل تشيلي أمة من رجال الأعمال، لا البروليتاريين، ولتنفيذ سياسته اعتمد في علي خريجي الجامعات الأمريكية المتأثرين بالفكر الرأسمالي. وبدأ عصر الغاء التنظيم والخصخصة الاقتصادية، وألغي الحد الأدني من الأجور، وأبطل حقوق اتحاد العمال، وخصخص نظام الراتب التقاعدي، الصناعات الرسمية، والبنوك، خفض الضرائب علي الثروات والأرباح. ورغم ان المستفيدين من عهده يعتبرونه كما قال حفيده أنقذ البلاد من بشائر حكم شيوعي، الا ان غالبية شعبه ممن أضيروا بسياساته، فضلا عن المدافعين عن حقوق الانسان في العالم، اعتبروه واحدا من أسوأ أنظمة العالم الديكتاتورية. واتهموه بانتهاج سياسة ارهاب الدولة المنظم التي قتلت وعذبت آلاف المعارضين، وأدت الي نفي وهروب مئات الآلاف، وتفضيل مصالح الفئة الثرية الحاكمة، بتبني سياسيات اقتصادية آذت ذوي الدخل المتدني، وخدمت النخبة الثرية، حتي أصبح العدو الأول لكل مفكري وأحرار وكتاب أمريكا اللاتينية مثل غابرييل غارسيا ماركيز الكوبي الحائز علي جائزة نوبل الذي كتب كتاباً عن نظامه أسماه مهمة سرية في تشيلي، واستلهم سيرته في روايته الشهيرة خريف البطريرك. وكذلك الروائية التشيلية ايزابيل الليندي (ابنة أخ الزعيم التشيلي) في روايتها بيت الأرواح التي استعرضت فيها فظائع نظامه، وغيرهما. ثمن الديمقراطيةويدحض المفكر الأمريكي الشهير نعوم تشومسكي ادعاءات المدافعين عن بينوشيه فيقول ان معدل البطالة ارتفع خلال حكمه من 4.3% في 1973 الي 22% في عام 1983، بينما هبطت الأجور الحقيقية بنسبة 40%. بل ان وكالة الأنباء الفرنسية قالت في تغطيتها لوفاته مؤخرا: وكانت عمليات الاعدام الجماعية للمعارضين بعد الانقلاب، المؤشر الأول للثمن الذي سيدفعه المجتمع التشيلي للديمقراطية المحمية من الخطر الشيوعي الذي كان يؤرق بينوشيه. وأضيف الي عمليات الاعدام، سجن كثير من قادة اليسار ونفي مئات آلاف الأشخاص والقمع العنيف للتظاهرات التي طالبت ابتداء من 1983 بعودة الديمقراطية.
هذا الرجل الذي لاحقته في سنواته الأخيرة منظمات حقوق الانسان بدعاوي قضائية تطالب بالقصاص لضحاياه، وثبوت تورطه في تهريب عشرات الآلاف من الدولارات من المال العام الي خارج البلاد وقيامه بالتزوير الضريبي، غير ان العدالة الدولية البطيئة فيما يتعلق بأصدقاء واشنطن أمهلته الي ان حان أجله الطبيعي.. هو نفسه الرجل الذي يجد بعض أنصاره الجرأة للدفاع عن عهده باعتباره كان ـ ويا للسخرية ـ مدافعا عن الديمقراطية.. ذلك الرجل الذي لم يخجل يوما من ان يتباهي بالسيطرة حتي علي أوراق الشجر خلال بقائه الطويل في الحكم، ففي احد الأيام، قال الجنرال بينوشيه الذي قاد واحدا من أشد الأنظمة العسكرية تعسفا في أمريكا اللاتينية ـ وهذا الوصف ليس من عندي ولكن طبقا لوكالة الأنباء الفرنسية التي لا يمكن بأي حال اتهامها بالعداء للنظم الغربية وديمقراطياتها المزعومة ـ قال لا تتحرك ورقة شجرة في هذا البلد اذا لم أحركها بنفسي، فليكن هذا واضحا!! فعن أي ديمقراطية اذا يتحدث دراويش الليبرالية الجديدة والمدافعون عن كل ما يمت للولايات المتحدة وأصدقائها بصلة.. وأي حاكم ديمقراطي ذلك الذي حمي البلاد من رئيسها المنتخب شرعيا وواصل سياسته النابعة من رؤيته لمصالح شعبه وفقرائه ليدخلها في دوامة اعدامات جماعية ونفي وخطف وتعذيب.. ربما يتفهم المرء ـ مع التحفظ ـ موقف بعض المدافعين عن حكام ديكتاتوريين، لكنهم اشتهروا بنظافة اليد وحظيت الغالبية من أبناء شعوبهم بمستوي عيش كريم.. فالفقراء ـ وهم غالبية الشعوب ـ يهمهم أولا ان يضمنوا لقمة عيش وفرصة عمل، كأولوية يمكن ان يتجاوزوا معها حتي عن حقهم في التعبير.. لكن حاكما ديكتاتوريا يناصب الديمقراطية العداء ويقهر المعارضين ويعدمهم ويعذبهم، ثم يحرص علي ان يحقق مصالح الأثرياء علي حساب الأغلبية من الشعب فترتفع معدلات البطالة وتنخفض معدلات الأجور بما يقارب النصف.. أضف الي ذلك ما عرف عن عدم طهارة يده وتهريبه الأموال خارج البلاد.. أعجب كيف يجد مثل هذا الحاكم حفيدا تواتيه الجرأة ان يدافع عنه، ناهيك عن عدة آلاف خرجوا لتشييع جنازته وفي عيونهم الدمع؟!! ان أبلغ ما سمعته تعليقا علي وفاة هذا الديكتاتور هو ما قالته احدي التشيليات في تغطية لقناة فضائية كنا نأمل ان تطاله العدالة الدولية ونشهد القصاص منه.. لكن عذرنا انه نال عقابه في الضمير الشعبي منذ عقود. وليس أعدل بعد ذلك من حكم التاريخ وذاكرة الشعوب!! كاتبة صحافية مصرية[email protected]