القاهرة ــ «القدس العربي»: جاء خبر رحيل كاتب القصة القصيرة سعيد الكفراوي (1939 ــ 2020) مفجعاً للوسط الأدبي المصري والعربي، فالرجل الذي امتدت تجربته عدة عقود، لم يحد عن فن القصة، بدون التورط في كتابة رواية، وقد أصبح علماً من أعلام القصة القصيرة في العالم العربي.
كتب الكفراوي عن بلدته وقريته في المحلة الكبرى ـ شمال مصر ـ لتصبح شخصياته وحكاياته كلها مرتبطة بعالم هؤلاء، ناسجاً من عالمهم أساطير تليق بهم، حتى إن كانت مخيلة الرجل قد أضافت إليها الكثير. لم يكتب الكفراوي، أو يتورط في حكايات وشخوص لم يختبرها في حياته، وهم كما كان يقول « سيحاسبونه أمام الله» إن لم يكتب عنهم، ويجعل حياتهم الصامتة حبيسة مخيلته.
احترف الكفراوي الكتابة منذ منتصف الستينيات من القرن الفائت، لكنه لم ينشر مجموعاته القصصية إلا في الثمانينيات، التي كانت حصيلتها 12 مجموعة قصصية، بداية من «مدينة الموت الجميل» 1985، وحتى «زينب والوحش» عام 2015. كما حاز عدة جوائز عربية ومحلية، أهمها.. جائزة قابوس بن سعيد للقصة القصيرة، وجائزة الدولة التقديرية عام 2016. وفي ما يلي لمحة عابرة عن عالم الرجل القصصي، وحياته التي ارتبطت بحياة شخوصه..
الموت
يبدو الموت سمة أساسية من سمات نصوص الكفراوي، لكنه ليس موتاً يوحي بالنهاية، لكنه حياة أخرى، ربما تكون على هوى أصحابها. وضح الرجل هذه الفكرة كثيراً في حواراته الصحافية المختلفة، ويرى في ذلك أن «الموت كحل نهائي لحقيقة الوجود الإنساني، لا ينتهي إلى العدم أبدا في جوهر عقائد المصريين، الموت في جوهره النهائي متمم للحياة منذ أن اخترع المصري القديم عقائده، وإلا ما شيد هذه المقابر البهيجة، الضخمة». ويستشهد في أحد نصوصه، الذي استوحاه من واقعة حقيقية ـ كعادة نصوصه دائماً ـ ففي قصة «شرف الدم» على سبيل المثال، يذهب البطل أو الراوي إلى قريته، وسأل عن أخيه، فأخبروه أنه والأقارب، يبنون المقبرة فذهب إليهم، وهناك ابن عمه أتى بجوال وقلبه على وجهه، فسقط عدد من الرؤس على السارد، فقال له: من هذه؟ فقال: هذه أمي، وهكذا عرف عائلته .ولم يجد رأس أبيه ــ والد الكاتب ــ فبدأ الراوي بالبحث، وانتهى به المطاف بأن يقف أمام المرآة، فيجد نفسه هو صورة أبيه. ومن هذا التواشج ما بين الواقعي والسحري تتولد الحكاية، وتصبح منطقية ومقبولة، وقابلة للتأويل.
الموروث الشعبي
وبالطبع تصبح الحكايات ومنطقها مساحة رحبة للموروث الشعبي، باستعراضه واستعراض يقين الناس في الحكايات والأساطير الشعبية، فالقرى المصرية تعيش هذه المفاهيم وتحياها بالفعل.
ويُرجع الرجل ذلك بداية في تعلقه بالموالد الشعبية، وزياراته الدائم لمولد السيد البدوي والدسوقي، إضافة إلى الطقس الأبدي في مصر، إلا وهو زيارة المقابر، هذه الاحتفالات دينية، أو جنائزية، تخلق بنفسها صوراً كرنفالية متكاملة.. من حركة وصوت وعبارات، نص مسرحي لا يمكن أن تهجره المخيلة، خاصة إن كانت تراوغه هي الأخرى، وتعيد إنتاجه في نص أدبي، وهو ما كان يحترفه الراحل، بحيث أقام عالماً خاصاً به، لم يشاركه فيه أحد، رغم الكثير من أدباء الستينيات، الذين تناولوا هذه الطقوس، كعبد الحكيم قاسم على سبيل المثال، إلا أن اختلاف الكفراوي يكمن في الإعلاء من شأنها، وكأنها تصيغ وترسم حياة المخاليق، بدون الاستغراق الفلسفي الغالب على حكايات قاسم.
كان الكفراوي من جلساء نجيب محفوظ، وعندما اختفى وظهر فجأة عرف محفوظ أنه كان في السجن، فانتحى به جانباً، وسمع منه أدق تفاصيل ما حدث.
ويذكر الكفراوي قائلاً .. «وأنا طفل صغير في ليالي الحصاد ليلاً، كانوا يشعلون النار فتعلو، وأرى أبي وأعمامي في جوار كمائن القمح، وثمة جواد مربوط والنار ترمي بظلها على الأرض، وعمة من العمات تضرب الدف، وأنا نائم على فخذها أستقبل الأحلام في غفوة الليل». هذا المشهد تمت كتابته في قصة «زبيدة والوحش».
بطل الكرنك
كان الكفراوي من جلساء نجيب محفوظ، وعندما اختفى وظهر فجأة عرف محفوظ أنه كان في السجن، فانتحى به جانباً، وسمع منه أدق تفاصيل ما حدث. ويذكر الراحل هذه الواقعة قائلاً.. اعتقلت قبل أن يرحل الزعيم الأوحد بأيام، بسبب نشري قصة في مجلة «سنابل»، التي كان يصدرها في ذلك الحين محمد عفيفي مطر، عن مهرة لا ينزل الاخ الكبير عن ظهرها أبدا، مصادرا حق أخيه الصغير في امتطائها. فسروها يومها أن الاخ الكبير هو عبد الناصر والصغير هو الشعب، والتفسير تم بمنهجية كتابة نجيب محفوظ في تلك الحقبة، تلك الكتابة الرمزية التي تحيل كل الشخصيات والأحداث الى رموز سياسية. كانوا يحققون معي في الصباح، باعتباري أحد أعضاء التنظيمات الشيوعية التليدة، وفي المساء يحققون معي باعتباري أحد قياديي الإخوان المسلمين، وخرجت من المعتقل إلى مقهى ريش حيث ندوة نجيب محفوظ، وحين جاء استاذنا محفوظ انتحى بي جانبا، وطلب مني أن أقص عليه ما حدث بالصورة البطيئة بالتفاصيل المملة. بعدها أصدر رواية «الكرنك»، وحين كنا نجلس على المقهى جاءني ووضع يده على كتفي وقال لي: «يا كفراوي أنت في الرواية إسماعيل الشيخ».