رحيل شيخ المطربين العرب صبري: مدلل: جدير بأكثر من باقة ورد يتيمة قدمتها وزارة الثقافة!

حجم الخط
0

رحيل شيخ المطربين العرب صبري: مدلل: جدير بأكثر من باقة ورد يتيمة قدمتها وزارة الثقافة!

أنور بدررحيل شيخ المطربين العرب صبري: مدلل: جدير بأكثر من باقة ورد يتيمة قدمتها وزارة الثقافة! دمشق ـ القدس العربي ـ من أنور بدر: ربما يكون صبري مدلل أحد أهم أسمين في الغناء السوري، فلولاه وصباح فخري لاعتذرنا عن وجود أغنية سورية بالأساس، ووفرنا ما يُصرف سنوياً علي مهرجانات الأغنية السورية، التي لم تفلح حتي الآن في تقديم اسم واحد، أو أغنية علي مدي عقد ونيف، وهذا يؤكد أن الفن الأصيل لا تصنعه المهرجانات، كما يؤكد أن الفن لا يمكن أن يتطور بعيداً عن مجتمع ديناميكي يستطيع الإنسان فيه أن يحلم وأن يكون حراً. ففي عهد النهضة القومية انتعشت الأحلام وبرزت أسماء لامعة في الأدب والفن والسياسية، ومع أفول هذه الحقبة ساد الخواء العربي، وتدهور كل شيء من الأحلام وحتي السياسية مروراً بالأدب والفن والأغنية. ونحن الآن بدل أن نحتفي بولادة شاعر أو فنان كبير، فإننا يوماً تلو الآخر نودع قامات كبيرة في كل الميادين والاختصاصات، قامات ندرك أننا لن نستعيض أمثالها في الزمن المنظور. وكان صبري مدلل أصغر المؤذنين سناً وآخر الراحلين. يقول الباحث محمد قدري دلال في كتابه شيخ المطربين… صبري مدلل الذي صدر هذا العام بمناسبة اعتماد حلب عاصمة الثقافة الإسلامية: بأنه ولد في الدار العربية التي تقطنها عائلة المدلل في حي الجلوم من مدينة حلب عام 1918، وأورثه أبوه كثيراً من أخلاقه مع الأمانة والاستقامة والتواضع وحب العلم، واكتشف الوالد أحمد جمال صوت ابنه باكراً من خلال قراءة القرآن لدي شيخ الكتاّب، ثم من خلال إنشاده بعض التواشيح في حلقة الذكر التي كان يصحبه إليها، وهو لم يتجاوز السادسة، وفي الثانية عشرة دفعه أبوه إلي المعلم عمر البطش الذي رعاه وقاده إلي الطريق التي تابع فيها حتي أصبح نجماً وعلماً يشار إليه بالبيان. وفي رواية أخري أن والده أخذه في عام 1930 إلي الشيخ أحمد المصري لتعليمه القرآن والتجويد، واكتشف المصري موهبة الفتي وجمال صوته، فدفع به إلي المعلم عمر البطش ليتعلم الغناء والتلحين علي يديه، وقد علمه البطش حقـــاً فن الموشــحات وعلوم المقامات والأوزان والضــروب، بعد ذلك تعلم العزف علي العود، وأتقن آلات شتي موسيقية، وبرع في الدف كأستاذه البطش. يقال أن البطش كان يأخذ منه نصف ليرة علي الدرس الواحد، لكنه بعد أن لمع نجمه في عالم الغناء، وأصبح يحيّ الحـــفلات الديـــنية والعامة مقابل خمــس ليرات، ظلّ يعطي ليرتان لأستاذه. ونحن الآن نستطيع الحديث عن أهم حاضنتين لموهبة صبري مدلل الغنائية، الأولي كانت المدرسة القرآنية التي ضبطت قواعد التجويد ومخارج الحروف وأحكام المدّ وأصول النطق لديه، وقد دفعه الشيخ أحمد المصري كمكافأة له ليؤذن في الناس للصلاة، فكان الناس يجتمعون لآذانه العذب، وهو أصغر المؤذنين سناً. و يقول البعض أنه بدأ مؤذناً في جامع الكلتاوية وآخرون يحددون جامع العبارة قبل أن ينتقل إلي الجامع الأموي الكبير في وسط مدينة حلب. الحاضنة الثانية لموهبته كانت المدرسة الحلبية التي حفلت بأهم الأساتذة في فن الغناء والتلحين منذ بدايات القرن المنصرم، حتي أن اسمها ارتبط بفن القدود الحلبية، كما ارتبطت الموشحات بالأندلس مكاناً وعصراً، ولا تزال حتي الآن تعرف حلب بمدينة الطرب. وهذا أتاح لصبري أن يتتلمذ علي يد أسماء كبيرة كعمر البطش والشيخ علي الدرويش وبكري الكردي، وسواهم. وقد عمل في إذاعة حلب مع سواه من المطربين حين افتتاحها علم 1949، وكانوا يؤدون وصلاتهم علي الهواء مباشرة، وأول ما غني للملحن بكري الكردي أغنيتين هما ابعتلي جواب وطمّني و”بيجي يوم وترجع تاني وهما للشاعر حسام الخطيب. لكن والده استاء من العمل في الإذاعة بعدما ذاع صيته، فترك الإذاعة عام 1954، وشكل فرقة خاصة باسمه للإنشاد والعناء الديني، وقد برع في ذلك أيما براعة، خاصة وأنه كما يقول قدري دلال لقد استلهم ما خزنته ذاكرته من أعمال سيد درويش والقصبجي وعبد الوهاب وذكريا أحمد وداوود حسني، فأعطي لوناً جميلاً في أثواب لم يعرفها الإنشاد الديني قبلاً ولم يعهد مثلها في قوالبه . وقد استمع إليه الموسيقار البلجيكي كريستيان بوخه وأعجب بأداء الفرقة وصوت صبري مدلل الشجي، فسجل له اسطوانة بعنوان مؤذنو حلب ، وضعتهم هذه الأسطوانة علي خارطة الغناء العالمي، حيث نظمت لهم عام 1975 حفلة في قصر الثقافة في باريس، ودُعيت الفرقة بعدها إلي العديد من العواصم العربية والأوروبية،وكانت أهم مشاركاتها في مهرجان الموسيقا العربية لامونديال 1986 مع هذه النقلة التي حدثت عام 1975 أدخل صبري مدلل الآلات الموسيقية إلي الفرقة، وبدأ يطور في أدائها، ويشارك مع رقصات محلية كرقص السماح، مما جعلها تتألق في العديد من المناسبات، كما تطورت الإنشاد الديني. وعاد صبري مدلل إلي الغناء منذ ذلك التاريخ، بل يمكن القول أنه شكل هوية جديدة للأغنية السورية المتطورة، خاصة وأن صبري يعتمد علي الارتجال والتطريب في أدائه، وأذكر له في إحدي الحفلات وكان يغني جالساً، حين انتصب فجأة وقد تملكه توق صوفي، وأخذ يؤذن في الجمهور الذي ازداد إعجاباً وإكباراً بفنه العظيم، حيث لم يفصل الغناء عن النشيد الديني أو الآذان.وكما أعطت مدينة حلب للغناء العربي، فقد أعطاها فنانوها الكبار علي مدي القرن المنصرم، وها هو المخرج السوري محمد ملص يصور فيلم حلب … مقامات المسرة عن المطرب صبري مدلل الذي عاش فيها بوداعة لا يفارقها إلا لحفلة هنا أو هناك، وهو ينوس ما بين دكانه البسيط وبين شرفة المئذنة، وكان له فيها حفلة أسبوعية في دار عربية في حي البياض كما يذكر الدكتور عصام الزعيم الذي يؤكد في رثائه له جسّد صبري مدلل التمازج العبقري الحلبي بين الدين والإنشاد والموشح الديني وبين الدنيا والغزل والتغني بالعشق والجمال، لم يكن أبو أحمد مؤذن جامع حلب الكبير والمنشد الديني الكبير فحسب ـ وقد كان سيداً من سادة عصره، وشيخاً من شيوخ الإنشاد والتوشيح الديني في زمانه ـ وإنما غني أبو أحمد بأطري الخلجات وتغني بأرق صور الجمال يصنعه الخالق الباري ويهبه الفنان للمعشوقة ويتصوف في حبه البشر وجداً وتمجيداً، وخلافاً لما قيل في المدلل… فإن هذا العلم، السارية المتسامق في سماء حلب والعروبة كان مبدعاً في التلحين والإنشاد والغناء الديـــني مثــلما كان عظيماً حافظا ومطورا ومبدعاً للألحان والأنغام والمقامات والأغـــاني الغزلية، وهكذا مدرسة الفن ومنهجه ومشــــربه ومطمحه في حلب هوي صــوفي ديني وهوي غزلي دنيوي يتكاملان ويتفاعلان ولا ينفصلان في عملية الخلق الفني والإبداع . أهداه الرئيس السوري بشار الأسد منزلاً في حلب تكريماً له، ونال درع مهرجان التوين عام 1998 في الكويت، وهو من المطربين القلائل الذين ظلوا بعد الثمانين حولاً يقفون لساعات أمام الجمهور يغني وينشد بكل جوارحه وأحاسيسه، حتي أن رئيس جمعية العاديات في حلب محمد قجة يروي أن الشيخ صبري كان عليلاً ذات يوم ويستمع إلي الفرقة تغني بوجود الأديب المصري جمال الغيطاني، لكن حين وصلت الفرقة إلي موشح أحمد يا حبيبي انطلق يغني ويتمايل بطربوشه الذي لم يفارق رأسه لمدة ثلاث ساعات بين موشح وآخر وهو يغالب المرض. هذا الرجل العظيم رحل بصمت في 20/8/2006، ولم تجد وزارة الثقافة أكثر من باقة ورد في جنازته، ولم تعرف مؤسسات الإعلام أو الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون التي عمل فيها منذ أكثر من خمسين عاماً كيف تستفيد من نجاحات صبري مدلل في عالم الغناء العربي، ولا هي استفادت من شهرته التي غزت العواصم العربية والأوروبية، وإن كنا ندرك أسباب عطالتها في حياته، فكيف لا تؤكد عطالتها في مماته. لكن صوت صبري مدلل سوف يبقي للأجيال القادمة، هوية حقيقية للأغنية السورية التي لم يكتشفوها حتي الآن. 0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية