توفّي صباح الأحد الماضي في العاصمة السورية دمشق رئيس مجمع اللغة العربية الدكتور والكاتب مروان محاسني، عن عمر يناهز اثنين وتسعين عاماً. ونعت جهات عديدة علمية وثقافية، إلى جانب شخصيات لها حضورها في الشأن العام في سوريا، الطبيب والأديب الراحل، واصفين إياه بأنه “عالم جليل”، و”آخر كبار علماء اللغة العربية في القرن العشرين”، و”قامة علمية وثقافية”، و”أحد أهم أعلام الثقافة في سوريا والعالم العربي”.
وإلى جانب كونه الرئيس السادس لمجمع اللغة العربية في دمشق، وهو أقدم مجامع اللغة في العالم العربي، شغل محاسني مناصب عدة أكاديمية وثقافية وعلمية، في مؤسسات سورية وعربية، وله الكثير من المؤلفات والمساهمات، خاصة في مجال اللغة العربية، ما دفع كثيرين للتأكيد على أن وفاته “خسارة يصعب تعويضها”.
حياة حافلة
ولد مروان محاسني في دمشق عام 1926، ودرس الطب البشري في جامعتها ليتخرج منها عام 1951، ثم تابع تخصصه في الجراحة في العاصمة الفرنسية، وفي الوقت نفسه حصل على إجازة في الآداب من جامعة دمشق عام 1958. على الصعيد العلمي، شغل محاسني مناصب مختلفة، منها رئاسة قسم الجراحة في كلية الطب في جامعة دمشق، بعد أن درّس فيها لسنوات بصفة مدرّس وأستاذ مساعد ثم أستاذ، ورئاسة قسم الجراحة في جامعة الملك عبد العزيز في جدة في السعودية، والعضوية في جمعية الأمراض التنفسية في فرنسا، وجراحة الصدر في بريطانيا، وأكاديمية العلوم في نيويورك. كما ساهم في تأسيس المجلس الأعلى للعلوم في جامعة دمشق، والمجلس العربي للاختصاصات الطبية.
أما على صعيد اللغة العربية، فقد انخرط في عضوية مجمع اللغة العربية منذ عام 1979، وفي عام 2005 أصبح نائب رئيس المجمع لمدة ثلاث سنوات، وبعدها تبوأ رئاسته حتى وفاته. وفي المجال الثقافي كانت له مساهمات عدة منها، تمثيل سوريا في لجنة الحوار بين الحضارات في اتحاد الجامعات الناطقة باللغة الفرنسية، وعضوية مؤسسة تاريخ دمشق ككبير مجلس حكمائها، وعضوية جمعية أصدقاء دمشق والجمعية السورية للفنون. وقد ترك محاسني وراءه عشرات البحوث العلمية التي نشرت في مجلات طبية مختلفة، والمساهمات اللغوية ومنها، المشاركة في تصنيف المعجم الطبي الموحد للغتين الإنكليزية والعربية، وللغات الثلاثة الإنكليزية والفرنسية والعربية، ووضع معجم الألفاظ الإيطالية في اللغة العربية.
“تعلّمنا منه الكثير”
ما هي إلا ساعات بعد إعلان وفاة مروان محاسني، حتى بدأ أصدقاؤه ومن عرفوه وعملوا معه في مختلف المجالات، في الكتابة عنه ونعيه والتأكيد على فداحة خسارته في زمن بات وجود أشخاص في مثل علمه وثقافته، نادراً للغاية.
ومما جاء في نعي الراحل على موقع مجمع اللغة العربية: “رحمه الله الرحمة الواسعة سَعة ما قدمه لأمته من خدمة جليلة للغة العربية، ما يجعل من فقدانه خسارة كبيرة على مختلف الصعد وطنيّاً وقوميّاً وإنسانيّاً”.
“آخر الكبار، مقاماً وعِلماً ورُقياً”، هو وصف المؤرخ سامي مبيض للراحل محاسني، وقد جمعهما العمل في مؤسسة تاريخ دمشق خلال السنوات الفائتة. وكتبت شخصيات عدة عرفته، أو عملت معه في المجالين العام والخاص، حول “تمتعه بثقافة عالية، وروح فكاهة ذكية”، و”الدهشة في كل مرة نستمع لأحاديثه، حول اللغة والثقافة، وعن دمشق أيضاً”، وعن كونه “شخصية لا يمكن الاكتفاء من الحديث معها”، و”موسوعة علمية متنقلة بكل معنى الكلمة”.
ولم يقتصر نعي الراحل على الشخصيات العاملة في حقلي الثقافة واللغة، بل إن العديد من الصفحات والمواقع المتخصصة في المجالين العلمي والطبي، نشرت صوره وعبارات تعزي بفقدانه، مع الاعتراف بمساهماته في المجال العلمي، خاصة المرتبط باللغة العربية.
عن مجمع اللغة العربية في دمشق
تأسس المجمع عام 1919، إثر اجتماع عدد من الفقهاء والعلماء واللغويين على ضرورة حماية اللغة العربية من تأثير اللغة التركية المفروضة على البلاد آنذاك، فكان أن قرروا تأسيس منظمة تحت مسمى “المجمع العلمي العربي”، تضم من يهتمون باللغة العربية ويتقنون مجموعة من العلوم الرائجة حينها. وقد تبع ذلك تأسيس عدد من المجامع التي تعنى بشؤون اللغة في مختلف المجالات المعرفية، ويبلغ عددها اليوم أربعة عشر مجمعاً موجوداً في بلدان مختلفة منها، مصر والعراق ولبنان والأردن والمغرب والسعودية.
عمل مجمع دمشق على مدار أكثر من مئة عام لإتقان اللغة العربية والاعتناء بقواعدها الصحيحة وتوطين العلوم فيها، مع العمل على استيعاب العلوم والتقانات الجديدة كافة، التي يفرضها التطور في مختلف المجالات، من خلال خطوات تتضمن إصدار معاجم تعطي المقابل الدقيق للمصطلحات الأجنبية، والتأكد من قيمة اللغة العربية وعدم إدخال النواشز فيها ومحاربة أي مصطلحات دخيلة عليها.
ويضم مجمع دمشق اليوم عشرين عضواً، يعملون ضمن لجان مختلفة منها، لجنة تمكين اللغة ولجنة المصطلحات ولجنة اللهجات المعاصرة. وقد تناوب على رئاسته ستة من أعلام سوريا هم محمد كرد علي، وخليل مردم بك، ومصطفى الشهابي، وحسني سبح، وشاكر الفحام، وأخيراً مروان محاسني.
في أكثر من مقابلة سابقة للراحل محاسني، يؤكد اهتمامه بتطوير عمل المجمع، بهدف أن تعود اللغة العربية لغة علمية عالمية، تمكّن الناطقين بها من التكلم بأي موضوع علمي، دون أي صعوبة. هذا التطوير بكل تأكيد لم يكن سهلاً، وما زال بحاجة لخطوات كبيرة، وهو ما يدفع بكثيرين للتأسف على خسارة رجل بقيمة وعلم وثقافة محاسني.