رحيل ملكة أبيض .. الرائدة التي ترجمت الأدب الجزائري إلى العربية

غيب الموت الأكاديمية والكاتبة السورية ملكة أبيض التي رحلت الأربعاء 26 يونيو/حزيران عن عمر 91 سنة. ولدت ملكة أبيض عام 1928 في حلب ونشأت في أحضان أسرة تضم تسع بنات. وكانت أسرتها تحيا في ظروف مادية صعبة، وهو ما كاد يمنعها من مواصلة الدراسة لو لم تحظ بالحصول على منحة دراسية بفضل اجتهادها وتفوقها، ما سمح لها بإتمام دراستها الثانوية. وكان والدها يتقن عدة لغات، وهو بلا شك ما غرس فيها حب اللغات الأجنبية.
مناضلة سياسية
شاركت ملكة أبيض منذ البداية في النضال الوطني ضد الاحتلال الفرنسي، وكان من نتائج ذلك تعرضها لضغوطات وصلت إلى حد حرمانها من المنحة الدراسية التي كانت ضرورية لها لمواصلة التعليم، ما اضطرها إلى العمل وهي صغيرة. وعن هذا النضال ضد الاستعمار وما واجهته من صعوبات نتيجة مشاركتها فيه قالت: «كنتُ أشارك في جميع التظاهرات التي كانت على أشدها ضد الاستعمار الفرنسي، ما جعل إدارة المدرسة تحجب عني المنحة فاضطررت إلى العمل أنا وشقيقاتي في التطريز والخياطة والدروس الخصوصية لإتمام دراستي، فحصلت على البكالوريا بتفوق وعملت على تثقيف نفسي بحيث لا أترك وقتاً للفراغ».

حققت نجاحها بإرادتها
وهكذا اجتهدت ولم تترك وقتا للفراغ، مثلما قالت تماما. أقبلت على القراءة والتعلم بكل شغف وإثارة، فاستطاعت رغم العراقيل المادية مواصلة الدراسة والنجاح فيها حيث نالت الشهادة الثانوية. وبفضل تفوقها، أوفدتها وزارة المعارف إلى بلجيكا حيث درست في جامعة بروكسل الحرة. درست فيها اختصاصين ونالت إجازتين في التدبير المنزلي والعلوم التربوية والنفسية معا. شغفها بتحصيل العلوم والمعارف لم يتوقف عند ذلك الحد، حيث إنها انتقلت بعد ذلك إلى بيروت في لبنان حيث التحقت بالجامعة الأمريكية في بيروت وفيها نالت الماجستير. ومن لبنان انتقلت إلى فرنسا فدرست في جامعة ليون الثانية، حيث نالت الدكتوراه في تاريخ التربية.

رفيقة درب الشاعر سليمان العيسى
التقت ملكة أبيض رفيق درب عمرها، الشاعر السوري سليمان العيسى، في مدينة حلب. كانت آنذاك منشغلة بالدراسة في بروكسل بلجيكا. حصل اللقاء أثناء إجازة العطلة الصيفية للسنة الثالثة في بيت أهلها في سوريا. كانت تجمعه روابط وثيقة بأسرتها، حتى أنها قالت عنه «صار واحداً من أفراد الأسرة». وقد كان له عميق الأثر في حياتها. كان لها السند الدائم في مشوارها الثقافي والأكاديمي. فهو من كان يرافقها إلى الندوات والمحاضرات والمكتبات. ومثلما اعترفت، فلولا سليمان لما تمكنت من دراسة الدكتوراه ومواصلة نشاطها الثقافي والفكري، حيث واجهتها آنذاك مشاكل بسبب الأسرة والأولاد وهو من وقف إلى جانبها.
وقد جمعها وإياه شغفهما بالكتابة وحب الوطن والنضال لأجله. كان سليمان العيسى آنذاك معارضا للانتداب الفرنسي. كان نشيطا في العمل السياسي منذ حداثة سنه.

عملت ملكة أبيض مدرسةً جامعية في كل من سوريا والجزائر واليمن، وكانت عضوا في جمعية البحوث والدراسات في اتحاد الكتاب العرب.

مسيرة أكاديمية وفكرية ثرية
عملت ملكة أبيض مدرسةً جامعية في كل من سوريا والجزائر واليمن، وكانت عضوا في جمعية البحوث والدراسات في اتحاد الكتاب العرب. وقد ساهمت الفقيدة في إثراء المكتبة العربية بجملة من المؤلفات القيمة، فضلا عن الدراسات والترجمات. وقد كانت  بارعة في اللغات، ما مكنها من الترجمة من الإنكليزية والفرنسية معا. استهلت مشوارها هذا في ستينيات القرن الماضي بترجمة «تسع قصص» (د ز ج سالنجر). وقد صدر ذلك المؤلف في عام 1964 عن دار الاتحاد في بيروت. وبادرت بعد ذلك بترجمة أعمال جزائرية مكتوبة باللغة الفرنسية أواخر سبعينيات ومطلع ثمانينيات القرن الماضي. وفي عام 1980، نشرت كتاب «التربية والثقافة العربية الإسلامية في الشام والجزيرة» عن دار العلم للملايين في بيروت. وفي السنة الموالية 1981، أصدرت مجموعة من الدراسات: «تاريخ التربية وعلم النفس عند العرب»، «علم الاجتماع التربوي»، «التربية المقارنة»، «تاريخ التربية»، «التربية في الوطن العربي». ونشرت في عام 1984 دراسة بعنوان «الثقافة وقيم الشباب: دراسات ميدانية، وزارة الثقافة والإرشاد القومي». وفي عام 1986، أصدرت دراسة ميدانية عن المركز العربي لبحوث التعليم العالي في دمشق بعنوان «أنماط التعليم العالي في الوطن العربي». وفي سنة 1987، أصدرت ترجمة عن اللغة الإنكليزية لكتاب «التربية المقارنة: منطلقات نظرية ودراسات تطبيقية (مرجع علمي لادموندكنغ)» عن وزارة الثقافة والإرشاد القومي. ونشرت ترجمة أخرى عن الإنكليزية سنة 1992 بعنوان «طريقة مونتسوري للأم والمعلمة في تربية الطفولة المبكرة» (مرجع علمي لاليزابيت هنيستوك). وفي السنة الموالية 1993، أصدرت «الطفولة المبكرة والجديد في رياض الأطفال» و»التربية المقارنة والدولية» في بيروت، فضلا عن مجموعات من القصص والمسرحيات للأطفال، ترجمتها عن الفرنسية والإنكليزية بالاشتراك مع زوجها سليمان العيسى.

لها فضل في ترجمة الأدب الجزائري الفرانكفوني
التقت ملكة أبيض بعض أدباء عهد الثورة الجزائرية (1954-1962) من أمثال مالك حداد فترجمت له، عن اللغة الفرنسية، ديوان «الشقاء في خطر» سنة 1979.
وفي تلك السنة أيضا قامت بترجمة «الجثة المطوقة» و»الأجداد يزدادون ضراوة»، مسرحيتين لكاتب ياسين. وفي العام الموالي ترجمت مؤلف كاتب ياسين الشهير «نجمة». وقد صدرت الترجمة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر عام 1980. قالت عن تجربتها مع الأدب الجزائري الفرانكفوني في حوار نشرته صحيفة «البيان»: «في تلك الفترة كانت الثورة الجزائرية مشتعلة، وقدِمَ الشاعر الجزائري مالك حداد وهو قطب من أقطاب الثورة إلى حلب ليجلب الدعم لها، وكان يتكلم الفرنسية ولا يجيد العربية، فبدأت أنا وسليمان ترجمة الكتب التي يحضرها لنا من الفرنسية إلى العربية، وأولها ديوان «الشقاء في خطر». فترجمته له بمساعدة سليمان الذي كان يدقق ويراجع ليصدر في الستينيات ديوان مالك حداد في ترجمة لملكة أبيض ومراجعة العيسى. ثم أرسل إليّ كاتب ياسين روايته المشهورة «نجمة» وعدداً من المسرحيات باللغة الفرنسية فترجمتها إلى العربية».

كاتب جزائري/ بريطانيا

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية