لندن ـ “القدس العربي”: من ابراهيم درويش:
ابطاله جاؤوا من القاع، ثرثروا علي النيل، عاشوا بين القصرين والسكرية، جمعوا بين الخير والشر، كانوا رومانسيين من تاريخ مصر القديمة، من خان الخليلي، شريرين حملوا في داخلهم نقطة ضوء من خير، قاوموا الاستعمار البريطاني، طرحوا اسئلة عن الوجود، عبرت عن قلق العالم، وحاولوا الانتقام من الرجال الفاسدين، عوالم كثيرة خلقها ورسمها بدقة وتؤدة الاديب المصري العربي نجيب محفوظ (1911 ـ 2006) الذي حاز علي جائزة نوبل للآداب عام 1988، ومؤلف اكثر من خمسين رواية وقصة قصيرة، الذي توفي صباح يوم امس الاربعاء عن 95 عاما هي بمثابة قرن من الرواية، وقرن من الشهادة علي قدرة الرواية علي توثيق الحاضر والنظر للماضي والبحث عن المستقبل. جاء نجيب محفوظ من جامعة فؤاد الاول القريب من الفلسفة وجماليتها للرواية وهي في بداياتها المترددة، اينعت علي يد عدد من الرواد بدءا من جرجي زيدان، ومحمد حسين هيكل، وقبلهما ابراهيم المويلحي، وطه حسين، وعباس محمود العقاد، وتوفيق الحكيم، وسيد قطب الذي يعود الفضل له وهو الناقد الكبير في نهاية الثلاثينات من القرن الماضي في تقديم الاديب الشاب نجيب محفوظ، واعتبر سيد قطب مع صديقه أنور المعداوي محفوظ أمل هذا الفن الجديد (الرواية). علي الرغم من مرور نصف قرن من الرواية عربيا، لم يكن هذا الفن بقادر علي تجاوز الشعر والذائقة الشعرية، كان كتاب الرواية يترددون في نشر اعمالهم حياء وخوفا من تقديم فن غربي غريب لعالم عربي يعشق الاصالة وان حن للمعاصرة. وهنا تبدو ريادية نجيب محفوظ الذي بدأ رومانسيا مثل غيره، حالما بتراث مصر الفرعونية، ثم اخذ وهو ابن القاهرة الفاطمية وخريج مدرسة بين القصرين يبحث عن اطار واقعي لابطاله، وجاءت رواياته خان الخليلي، و زقاق المدق التي كتبت ومصر تحت الحكم البريطاني، وعندما انهي ثلاثيته الاشهر بين القصرين، قصر الشوق و السكرية كان قد نشر ثماني روايات، منها التاريخي والواقعي، وشكلت الثلاثية معلما مهما في تاريخ الرواية العربية، وانجازا كبيرا لنجيب محفوظ الذي اعاد للقاهرة مجدها ومركزيتها الثقافية في العالم العربي بعد انتقال مركز الشعر الي بغداد ومنها الي بيروت. كما كان نجيب محفوظ الرائد في جعل كتابة الرواية جسرا ليعبر من عليه جيل من الروائيين العرب الذين تمثلوا تجربة الاديب المصري، وتكريسه للكتابة والرواية، واخذوا ينقلون الرواية الي آماد وابعاد جديدة. وفاة نجيب محفوظ تعني نهاية مرحلة في الكتابة الروائية السردية، ونهاية قرن من الحكاية العربية والقلق، والتصميم. كان محفوظ اول كاتب عربي يأخذ علي عاتقه كتابة نص روائي عربي اصيل مستخدما وسيطا اجنبيا وانجز مشروعا حداثيا بالدرجة الاولي عبر التصميم والمثابرة، وقدم كل مناحي الحياة المصرية في تنوعها وانفجارها ووثق لتاريخ مصر في فترة ما بين الحربين، وصورة القاهرة التي حضرت في ثلاثية محفوظ واعمال اخري حملها معهم المثقفون العرب الذين ذهبوا الي القاهرة اول مرة واخذوا يفتشون عن خطوات الاديب في القاهرة المعزية، وكانوا يبحثون عن مقعده الاثير في مقهي الفيشاوي.
جرب نجيب محفوظ العديد من الاشكال الادبية، فبعد الرواية التاريخية، كتب الرواية الواقعية وبتأثير من جان جينه، وصمويل بيكيت، وكافكا كتب راويات عبثية، وكتب روايات فلسفية، احدثت احداها معركة لم تنته حتي بوفاته وهي اولاد حارتنا التي منعها الازهر عام 1959 وطبعت في بيروت عام 1967. وفي نهاية رحلته الروائية اهتم بالفانتازيا التي عادت لاحياء التراث العربي والتي يستفيق ابطالها علي مرارة الواقع وقسوته. جاء انجاز نجيب محفوظ في وقت لم تخفت رنة الشعر، وسخرية الشعراء من كتاب السرد الروائي. (تفاصيل صفحة 10)