رداً على معطيات «النقد الدولي»: الاقتصاد المصري يدار كالبقّالة

حجم الخط
1

يمكن للحكومة المصرية أن تكون راضية عن نفسها. فالثناء الذي أغدقه عليها رؤساء صندوق النقد الدولي يعتمد على معطيات متفائلة بموجبها سيصل معدل النمو هذه السنة إلى أكثر من 5 في المئة، والبطالة ستنخفض إلى 8.1 في المئة، والتضخم المالي سيستقر عند 13.8 في المئة، والسياحة آخذة في الاتساع ـ ولأول مرة منذ عقد، حققت الدولة فائضاً في العجز الأولي، بينما العجز المالي انخفض إلى 8 في المئة ونيف من الناتج المحلي الخام.
إن جولة المحادثات الأخيرة التي جرت بين مندوبي صندوق النقد والحكومة المصرية، في بداية هذا الشهر، إشارت إلى أن الإصلاحات التي أجراها الرئيس عبدالفتاح السيسي تؤدي بالدولة إلى نمو أكبر، وإلى تحسن في ميزان مدفوعاتها. وستتلقى مصر الآن الحقنة الأخيرة بمبلغ 2 مليار دولار من أصل 12 مليار دولار كقرض من صندوق النقد في 2016. في هذه الأثناء يبدو أنها تفي بتعهداتها بشكل منتظم وبلا تأخير.
المشكلة هي أن المعطيات لا تروي إلا قصة الاقتصاد الرسمي ـ ولا تفيد في شيء عن الاقتصاد الأسود، الذي حسب التقديرات، يشمل أكثر من 40 في المئة من الاقتصاد الرسمي. كما أنها تشوه معطيات البطالة، ولا تكشف عن التأخيرات البيروقراطية التي تضع الحواجز أمام المستثمرين.
هكذا مثلاً، فإن وزارة العمل المصرية تشمل في معطيات العمل العمال الذين عملوا ليوم واحد في الأسبوع، أو حتى ساعة في اليوم. والنتيجة هي 28 مليون شخص باتوا مسجلين كعمال، ولكن أجرهم المتوسط لا يسمح لهم بأن ينهوا الشهر أو حتى الأسبوع. أكثر من 67 في المئة من العاطلين عن العمل هم أبناء 15 ـ 29، أي أن ثمة قطيعة بين التعليم العالي والتأهيل المهني الذي يتلقاه الشباب وبين مطالب السوق.
أكثر من ذلك، فإن أغلبية العاملين المسجلين يعملون في مهن لا تستوجب التأهيل المهني، مثل البناء والزراعة، بينما أغلبية العاطلين عن العمل هم أصحاب تعليم عال لا يجدون مكان عمل يلائم تعليمهم.
وخطة العمل الوطنية الأخيرة التي تطلعت لأن تطابق بين التعليم ومتطلبات السوق نشرت في 2014، ومنذئذ لم تعدل بل ولم تنفذ أيضاً.
من المصاعب التي تقف أمام مخططي العمل والتأهيل المهني هي غياب مركز لجمع المعطيات الحديثة يمكنه أن يعرض في الزمن الحقيقي أماكن عمل، أو يحلل العمال وفقاً لتأهيلهم. فالتخلف الرقمي يمنع مكافحة الاقتصاد الأسود، إذ إنه طالما لا توجد قاعدة معطيات منظمة ومحدثة، فلا سبيل للرقابة على العمال وعلى أرباب العمل الصغار والمتوسطين، ممن يتجاوزون منظومة التسجيل والضريبة. وبهذه الطريقة تفقد الدولة مداخيل بعشرات مليارات الدولارات في السنة، كان يمكنها أن تساعد في تقليص الدين الوطني ـ الذي يبلغ 83 في المئة من الناتج المحلي الخام، وتستثمر في مشاريع توفر آلاف أماكن العمل.
يحاول الرئيس السيسي الآن تشجيع أرباب العمل الصغار للانضمام إلى دائرة دافعي الضرائب، مع عرض يكونون بموجبه معفيين من كل ضريبة أو رسوم بخمس سنوات. هذا ليس عرضاً جديداً؛ فخطط مشابهة للقضاء على الاقتصاد الأسود سبق أن طرحت في عهد مبارك، الذي أطيح به في 2011، وكلها بقيت في جوارير الحكم. مشكوك في أن الحافز الذي يعرضه السيسي سيؤثر على أرباب العمل غير الرسميين، لأنهم يفهمون بأنه بعد خمس سنوات سيضطرون إلى دفع الضرائب وفقدان قسم كبير من مداخيلهم.
في مقابلات لوسائل الإعلام المصرية يشرح أرباب العمل هؤلاء بأنه ليس مجدياً للدولة أن تفرض عليهم دفع الضرائب، لأنهم بذلك قد يعرضون على المواطنين بضائع وخدمات بأسعار أدنى بكثير ـ وتوازن ارتفاع الأسعار المنفلتة التي أدت إليها الإجراءات الاقتصادية المتشددة والارتفاع في سعر الجنيه المصري مقارنة بالدولار.
من الصعب الجدال مع هذه الحجة في دولة لا يوجد فيها رقابة حقيقية على نفقات الحكومة، ومعظم المواطنين لا يشعرون بأن الضرائب تعود إليهم. بدلاً من ذلك، هم محبطون من الاستثمارات الكبرى للحكومة، مرة في توسيع قناة السويس الذي لم يؤد إلى الأرباح المرجوة؛ ومرة في بناء عاصمة إدارية جديدة قرب القاهرة، قد توفر ذات يوم عملاً لمئات آلاف العاملين ـ ولكنها اليوم لا تفعل سوى أكل المال. معظم الأعمال في المدينة الجديدة ينفذها الجيش ومقاولوه الذين يحوزون أكثر من 30 في المئة من حجم النشاط الاقتصادي.
يشدد تقرير صندوق النقد الدولي على الحاجة العاجلة إلى تجنيد المستثمرين الأجانب لعرض تطوير بنية تحتية صناعية متطورة في الدولة. ومثلما في مجالات أخرى، ففي فرع الصناعة، عرض رئيس الوزراء، مصطفى مدبولي، معطيات مؤثرة تقول إنه يعمل في مصر 38 ألف شركة إنتاج تورد 18 في المئة من الناتج المحلي الخام، ويتوقع في السنوات القادمة أن يزداد التصدير الصناعي بـ 222 في المئة. وعلى حد قوله، تعتزم الحكومة إقامة 13 منطقة صناعية جديدة وإصدار 12 ألف رخصة جديدة للمصانع حتى نهاية 2020.
ولكن حتى هذه المعطيات يجب التعاطي معها بشك. فمدبولي لم يشرح ما هي خطة التصنيع، ومن هي المنتجة التي ستحظى بالتشجيع والدعم، وهل ستكون هذه مصانع غنية بالعلم أم بالعمل ـ وبالأساس هل سيشارك المستثمرون الأجانب في هذا الجهد. من تقارير معاهد البحث الاقتصادية يتبين أن المستثمرين يديرون أرجلهم عن مصر بسبب العوائق البيروقراطية التي تؤخر رخص تشغيلهم، وغياب القوة البشرية الخبيرة وخدمات التصدير والاستيراد الضعيفة.
ربما تكون نافذة العرض للاقتصاد المصري قد حظيت ببعض التزيينات في السنتين الأخيرتين، ولكن الدكان نفسها تدار كالبقالة.

تسفي برئيل
هآرتس/ذي ماركر 30/5/2019

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية