من يملك بغداد أو نصفها؟

لم يكن المقال الذي كتبه شكيب كاظم («القدس العربي| السبت 11 أيلول/ سبتمبر 2021) ردا على مقالي («القدس العربي» الأربعاء 1 سبتمبر 2021) حول الكاتب العراقي علي الشوك، دقيقا بالنسبة إلى المعلومات التي ذكرت فيه. وقد يكون إدراج انقلاب الرابع عشر من تموز/ يوليو عام 1958 أكبر أخطاء ذلك المقال عندما ادعى أن علي الشوك دفع ثمنا باهظا على أساس أن ذلك الانقلاب حرمه من المجد، لكن أي مجد؟ علي الشوك لم يدفع شيئا، بل استلم مكافاة هائلة عند حدوث ذلك الانقلاب مقابل انتسابه إلى الحزب الشيوعي الذي تحول إلى الحزب الأوحد نتيجة لهذا الانقلاب وأخذت ماكينته الإعلامية بصناعة شخصيات ثقافية مصطنعة، وكأنها رموزا للثقافة العراقية. وفي المقابل استفاد هؤلاء من الحزب بتبوئهم مراكز مرموقة لم يستحقوها في الساحة الثقافية العراقية. وقد انخدع أغلب الناس وصدقوا هذه الخرافة، فعلي الشوك لم يكن معروفا على الإطلاق قبل ذلك الانقلاب، وبالتأكيد أنه لم يكن من مؤسسي الثقافة العراقية، وكأن العراق كان عديم الثقافة قبله، الثقافة العراقية في القرن العشرين كانت قد ترسخت وانتعشت ووصلت إلى مراحل متقدمة جدا قبل ولادة علي الشوك أصلا، كما أن تأثير إنتاجه في الساحة الثقافية كان معدوما. لم يكن علي الشوك بأي شكل كان، بمكانة الزهاوي أو الرصافي، أو عبدالملك نوري أو بدر شاكر السياب، أو سليمان فيضي وكثيرين غيرهم كي يكون رائدا في أي مجال ثقافي.
درس علي الشوك الرياضيات، كما ذكر شكيب كاظم، لكن ليس في جامعة بركلي الأمريكية، حيث لا توجد جامعة بهذا الاسم أصلا، بل في الجامعة الأمريكية في بيروت، حيث وصلها عام 1947 بعد حصوله على زمالة حكومية، وهو الذي لم يكن طالبا ممتازا، بل عضواً في حزب يدعو إلى القضاء على الدولة العراقية بالقوة، وهي الدولة التي منحته هذه الزمالة، ما يدل على تساهل الدولة العراقية في العهد الملكي، أو وجود قوى خفية داخل المؤسسات التعليمية الحكومية ساعدته. وعاد بعد ذلك إلى العراق ليعمل مدرسا للرياضيات، دون أن ينجح في إنتاج اي شيء ملموس في المجال الثقافي، بل إنه كان مجهولا تماما، حتى حدث ما لم يكن في الحسبان، وكما يقول المثل العراقي أرادها من الله فاتته من عبدالله، حيث حدث الانقلاب المشؤوم، وانفتحت أبواب النعيم لأمثال علي الشوك، فظهر من ادعى أنه ممثل أو كاتب أو شاعر. وظهرت طبقة جديدة تماما سيطرت على جميع مجالات الحياة في العراق، بسبب انتمائها السياسي، وليس بسبب كفاءتها وكانت النتيجة خرابا قل مثيله.
ذكر شكيب كاظم أن علي الشوك من محلة الشوكية في بغداد، لكن لا توجد محلة في العراق بهذا الاسم في العاصمة العراقية، وهل كان يقصد المنطقة المعروفة باسم الشواكة؟ التي لا علاقة لها بعلي الشوك أوعائلته، حيث سميت بهذا الاسم لأنها كانت في الماضي منطقة خالية من العمران ومعروفة بكثرة أشواكها. ولم تسكن عائلته في تلك المنطقة، بل في منطقة الصالحية القريبة منها. ولا يمكننا الاستنتاج أن مجرد اسم الشوك يعني أن عائلته كانت تملك تلك المنطقة، فمثلا كان عبداللطيف البغدادي نائب جمال عبدالناصر، لكنه بالتأكيد لم يملك بغداد، على الرغم من كون لقب عائلته البغدادي.

لا أعرف ما إذا كان شكيب كاظم يحاول الدفاع عن علي الشوك أو ذمه بذكر تفاصيل غير دقيقة عنه، إذ كان عليه مراجعتها ولم يكن ذلك سيستغرق وقتا طويلا.

ومحاولة شكيب كاظم لإثبات أن علي الشوك من عائلة ميسورة عن طريق الادعاء بأنها تمتلك عمارة في الصالحية غير مجدية، فكان عليه العودة إلى المقابلة التلفزيونية معه التي ظهرت في قناة فضائية شهيرة وسلسلة المقالات التي كتبها، بعد لقائي به في عمّان، في صحيفة معروفة مدعيا أن عائلته كانت تملك نصف بغداد، ويا للتواضع حيث كان بإمكانه الادعاء أن عائلته كانت تملك بغداد بأكملها. وأضاف علي الشوك أن عمه اكتشف أن ورقة متعلقة بأملاك العائلة في السجل العقاري قد انتزعت، وأن العائلة المالكة العراقية كانت من قامت بانتزاع تلك الورقة الواحدة السيئة الصيت. لم أكن اتوقع أن تصل جرأة شخص ما إلى درجة التصريح بأكاذيب من هذا النوع على شاشة التلفزيون متهما العائلة المالكة بسرقة أمواله، وهي التي لم تكن تملك حتى القصور الملكية التي سكنت فيها. وهل من المعقول أن إثبات ملكية نصف بغداد يكمن في ورقة واحدة فقط؟ في حين أن كل عقار في العراق له ملف خاص في السجل العقاري. لكن الحقيقة هي أن علي الشوك وعائلته لم يملكوا نصف بغداد، أو حتى تلك العمارة في الصالحية، بل إن كل ما امتلكه والده كان منزلا متواضعا هناك. والجدير بالذكر أن أول عمارة في بغداد بنيت في ساحة الرصافي عام 1953 وكان مالكها سامي سعدالدين، فمتى امتلك علي الشوك أو والده عمارة؟ واتحدى شكيب كاظم أن يثبت امتلاك علي الشوك، أو والده تلك العمارة أو أي عمارة أخرى.
لا عار في كون المرء فقيرا، فالرسول كان فقيرا، وإذا كان علي الشوك شيوعيا حقيقيا، فكان عليه الافتخار بأصوله المتواضعة، أليس الشيوعيون أول الداعمين للبروليتاريا في جميع أنحاء العالم. والحقيقة هي أنه لم يكن شيوعيا على الإطلاق، ولم تكن علاقته بالشيوعية والحزب الشيوعي سوى علاقة مصلحة وحسب. وكيف كان شيوعيا وهو المقيم في بلد رأسمالي مثل بريطانيا. وبالإمكان القول إن أغلب أعضاء الحزب الشيوعي لم يكونوا في الحقيقة شيوعيين، بل استخدموا الشيوعية كغطاء لخدمة أغراضهم الخاصة المهدمة للبلد، والتي لم يكونوا قادرين على تحقيقها بالطرق القانونية والأخلاقية.
إذا كان علي الشوك قد ادعى أنه منعزل، فإن تنقلاته بين الدول لا تعطي هذا الانطباع، حيث إنني قابلته في عمّان، وكان يقيم في أحد أفخم فنادق العاصمة الأردنية ويختلط بالناس، ولا أعتقد أن تكاليف زيارته لعمّان كانت على عاتقه. ولم يكن يبدو شارد الذهن، بل في أفضل حالة ذهنية، وذي ذاكرة نشيطة. لكنني أبديت دهشتي من أنه نفى كتابة مقال عن كتاب عن العالم الشهير أينشتاين، دون أن يقرأه، حسبما قال هو نفسه في ذلك المقال، فهل كان نادما على كتابته ذلك المقال، ويحاول التملص من مسؤولية كتابته؟ أم أن هناك من كان يكتب بالنيابة عنه؟ وفوجئت بأن صحيفة شهيرة تنشر مقالا من هذا النوع. ومن الواضح أن علي الشوك بقي يتمتع بدعم كبير طوال الوقت، يجعله ينشر ما يشاء، وهذا حلم كل إنسان. وجعله هذا يعتقد أنه الرجل المعجزة الذي يحول كل ما يلمسه إلى ذهب.
اذا كان شكيب كاظم يعتقد أن علي الشوك كان يعاني من الكآبة، وأنه قد أقر بذلك، فإن تصرفاته لم تدل على ذلك، ولعله كان يحاول كسب عطف واهتمام الذين عرفوه. لا أعرف ما إذا كان شكيب كاظم يحاول الدفاع عن علي الشوك أو ذمه بذكر تفاصيل غير دقيقة عنه، إذ كان عليه مراجعتها ولم يكن ذلك سيستغرق وقتا طويلا.

باحث ومؤرخ من العراق

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية