غزلان تواتي ـ واسيني الأعرج
من المؤسف أن يتورط كاتب له حضوره في مسألة مماثلة، ومرّ كالعلقم أن تعتقد الأجيال الحالية واللاحقة أن النقاش هكذا يكون وتلك أصوله. أولا: قاسم أمين كذَّب خبر تلك المقابلة المزعومة التي لا يمكن، بأي حال من الأحوال، أن يكون واسيني قد اطلع عليها في كُلِّيَتها من مصدرها الأصلي، وإن كان قد اطلع عليها فعلا من مصدرها، لماذا لم يتكلف حتى تصحيح الخطأ الوارد في اسم الجريدة المزعومة التي نقلت أو أجرت الحوار الذي يقول عنه الكاتب أن قاسم أمين قد غيّر رأيه خلاله؟ بعد مراجعة بسيطة على شبكة الانترنت اتضح أنّه لا توجد أي جريدة بهذه التسمية «الطاهر» بل هناك مجلة بعنوان « الظاهر» هل بحث عنها الكاتب؟ هل تحقق من المصدر الذي نقل عنه اقتباسه المذكور في مقالته؟
ثانيا: السؤال الأهم ما قيمة كتابة مقال مماثل؟ هل للقول إن قاسم أمين محافظ؟ من قال إن قاسم أمين لم يكن محافظا، المطلع على كتاباته يعرف بسهولة أنه كان محافظا ومتنورا على طريقة عصره، القارئ المتأمل لكتابه «تحرير المرأة» سيفهم معنى تحرره وفكرته عن الحجاب التي كان يقصد بها حرفيا نزع النقاب، وتضمين كتابه بغيرها من المطالب الأساسية التي تخص تعليم المرأة وسيرها على رصيف واحد إلى جانب الرجل، تعدد الزوجات والطلاق… لماذا إذن يطبِّق عليه واسيني وهو الأكاديمي مفهوما للتحرر بالمعنى المعاصر، ظهر بعده بمئة سنة؟ هل الهدف هو القول إن المتنورين القدماء كانوا متخاذلين؟ وكيف يكون التخاذل أو التنكر للمقولات الأولى. هل ألّف قاسم أمين كتابا يثبت فيه دحضه لما قاله في «تحرير المرأة»؟ هل ترك لنا ما يُمَكِّنُنَا من محاكمة رديئة كالتي وردت في ذلك المقال، الذي لم يفرِّق فيه صاحبه بين التلاحم والدحض أو المجابهة.
أكثر شيء أدهشني ودعاني لقراءة المقال هو العنوان، هو بكلمة أدق كلمة «ردّة» هذه الكلمة ذات الإيحاء الفقهي، كلمة فقهية بحتة، تعني الرجوع عن الدين في معناها الاصطلاحي، من حقك طبعا القول إنها تعني الرجوع والتراجع المعنى اللغوي، لكن يا سيدي عندما تنتقل الكلمات من اللغة إلى حقل معين وترتبط به ارتباطا وثيقا، يتبادر إلى ذهن متلقيها المعنى المشهور لا اللغوي، والمؤسف أن المشهور في هذه الحالة هو المعنى الفقهي، وفرضا أنه تم تقبّل هذا المعنى، فليكن، أتساءل الردّة في حالة قاسم أمين هل هي عن الموقف الأول أو الثاني؟ الردة في حالته تكون عن محافظته لا عن تنويره.
هل يعقل بأي حال من الأحوال أن يحلل الأكاديمي والكاتب وضعا أو ظاهرة (مع عدم اعتباري لهذا الشيء أنه ظاهرة) بحكاية لا أصل موثق لها، كيف يمكن أن يتخيل المرء أيا كان، أن الأميرة ناظلي (نازلي) هي من أومأت لقاسم أمين أن يؤلف كتابه «تحرير المرأة»؟ ولماذا يكون قاسم أمين كتب فقط استجابة لتلك السيدة (التي غضبت من كتابه «مصريون») مهما كان موقعها، ألا يدل تأليفه لكتاب مماثل على تطوّره الفكري خلال الأربع سنوات التي تفصل بين الكتابين؟ من السذاجة الاعتقاد أن كاتبا يؤلف في واقع غير متسامح مع أفكار مماثلة (نتحدث هناعن نهاية القرن التاسع عشر) كتابا ويتحمل كل تلك الردود القاسية فقط لإرضاء الأميرة ناظلي.
غياب التروي قبل نشر أي شيء من طرف بعض الأدباء، خاصة، كلامهم على أنه حقيقة مطلقة وبوثوقية مريعة، معززين ذلك بلوائح لأسماء كُتاب أو مفكرين لا يناقشون ما جاء في كتبهم، بل يستحضرونهم باعتبارهم سُلْطَة و شواهد فقط (في ما يشبه عنعنات المحدثين القدماء).
في الأخير أشير إلى أنَّ هناك جهودا كثيرة قد بُذِلت من طرف التيار الإسلامي ومفكريه لإصدار هذه الأحكام على المفكرين القدماء، ومحاولة إظهارهم على أنهم كانوا أضعف من أن يتحملوا نتيجة أفكارهم، وأنهم كلهم أو أغلبهم تراجع عن أفكاره (كنوع من الاستتابة) من بينهم من اعتمدهم الكاتب كمصدر ثانٍ أو ثالث، لأنّ الاقتباس الوارد في المقال مأخوذ من مقال آخر لصاحبه علاء صلاح الرفاعي بعنوان «قراءة تاريخية في فكر قاسم أمين»، أو في مقال لمحمد عمارة الذي خصص كتابا لمراجعة فكر قاسم أمين، أو أنور الجندي المعروف بعدائه الشديد لكل ما هو تنويري، وحاول جاهدا أن يلصق كل التهم المشينة والمسيئة للمفكرين الذين يختلفون عن توجهاته الأيديولوجية بما أن المقال غير متاح من المصدر الأول. هذه المراجعة للتاريخ وللفكر بأحكام وأفكار اليوم إذا أتت من إسلاموي مثل الجندي أو عمارة، أو حتى الرفاعي يمكن فهمها في إطارها ذاك، أي في إطار صراع بين تيارين مختلفين فكريا، أما أن تأتي من الكاتب واسيني الأعرج دون مراجعة أو محاولة الحصول على المقال من مصدره الأول، فهذا يدعو فعلا للتساؤل.