رددي يا تلفزيونات: لقد قتلنا الظواهري.. وأزحنا ابتسامة الموناليزا من علي الشاشات!
الطاهر الطويلرددي يا تلفزيونات: لقد قتلنا الظواهري.. وأزحنا ابتسامة الموناليزا من علي الشاشات!اذا صدقنا التلفزيون، فقد مات أيمن الظواهري (الرجل الثاني في تنظيم القاعدة ) خلال ضربة وجهتها الصواريخ الامريكية، الأسبوع ما قبل الأخير، الي احدي القري الباكستانية.غير أن الظواهري لم يمت. هذا ما تأكد في اليوم الموالي للواقعة، وسقط التلفزيون في مصيدة الساسة الأمريكيين. وما كذب التلفزيون، ولكن أمريكا كانت أم الكذابين. وأكثر من ذلك، برهنت من جديد علي طابعها الاجرامي، اذ قتلت مدنيين أبرياء عزلا لا ذنب لهم سوي أنهم يقطنون بجوار الحدود الباكستانية الأفغانية التي لا تجادل أمريكا في كونها معقلا للارهاب والارهابيين.هكذا، اذن، تحولت جل التلفزيونات العربية الي بوق لترويج التضليل الاعلامي الذي يمارسه حكام واشنطن ويسخرون لها ملايين الدولارات. ولم تكتف تلفزيوناتنا بذلك، بل انها مرت مرور الكرام علي جريمة قتل ريفيين أبرياء، باستثناء ما قامت به الجزيرة من عمل محمود (ها هي تنال منا ـ من جديد ـ أطنانا من المديح، رغم أنف المغرضين).ذنبنا، نحن العـــرب، أننا ننسي بسهــولة، وأن الصـور التلفـــــزيونية، الشاهــــدة علي الجرائم الأمريكـــــية المعاصـــــرة في حق أبناء جلدتنا، سرعان ما توضع علي الرفوف، وتحل محلها الصور التي تقدمنا علي أننا شعوب متخلفة، تقتل بعضها البعض، وتنتج الارهاب وتصدره للشعوب المتحضرة.لا يخفي علي أحد، أن الضربة الأمريكية التي وجهت لاحدي مناطق باكستان ـ الحليف الرئيس والشريك في الحرب علي الارهاب ـ جاءت بعد بث أحدث أشرطة أيمن الظواهري. وبالتالي، يبدو أن الذكاء الأمريكي الخارق صانع أرقي وسائل الرصد والتجسس، التقط مؤشرات وفكك شيفرات تدل علي مكان وجود الظواهري، أي في وليمة أقامها علي شرفه ريفيون بسطاء، فجاءت الضربة القاتلة للضيف والمضيفين علي حد سواء! واذا كان رد الفعل هذا ثمنا غاليا لشريط من انتاج الرجل الثاني في القاعدة ، فكيف ـ يا تري ـ ستكون نتيجة الشريط الصوتي الذي ابتكره الرجل الأول في ذلك التنظيم، بن لادن، ليقول انني هنا وما زلت حيا! وهذه الهنا هي التي تتخيلها أمريكا أيَ مكان في العالم، فتجعلها ذريعة لوضع اليد عليها، واشباعها ضربا وتقتيلا.من الموناليزا الي هانيبال استضافت الجزيرة في احدي نشراتها الاخبارية وزير العدل العراقي السابق مالك دوهان الحسن، للتعليق علي استقالة القاضي رزكار محمد أمين الذي كان يرأس جلسات محاكمة الرئيس المخلوع صدام حسين، فأجزل الوزير الثناء علي نزاهة وعدل القاضي المذكور، ولكنه دس في كلامه المعسل سما من نوع خاص، اذ قال: كان رزكار قاصرا وغير حازم في ادارة الجلسة.فانظروا أيها الناس، أمدح هذا أم هجاء؟ وأي جانب ستأخذون من كلام الوزير السابق؟ ولكن الظاهر أنه يردد كلاما شبيها بلسان حال حكام العراق الجدد وكذا من يحركهم من أبناء العم سام ، ومؤداها أن الجريمة التي استحق القاضي عليها الخلع، هو الآخر، أنه انطلي عليه سحر صدام حسين، فصار يمنحه كل الوقت ليصول ويجول، بل ولا يبخل عليه القاضي بالابتسامات التي تحتمل ألف تفسير وتفسير (تماما مثلما هو الحال بالنسبة للموناليزا أو الجوكندا ). ذنب القاضي أنه كان يعامل الشخص الماثل أمامه كما لو أنه مازال رئيسا مطاعا، ونسي أنه أمام متهم تنتظره المقصلة، ونسي كذلك أن مُلك صدام ذهب مع الريح، وأن قصوره صارت موطئا لنعال الغزاة ومربطا لخيولهم، عفوا لدباباتهم التي أتت بالحرية والديمقراطية والخير للعراق.ستغيب اذن، ابتسامة الموناليزا التي منحت صاحبها تعاطفا من نوع خاص، كما أكسبت صدام جولات اضافية. ويبدو أن صانعي هذه المسرحية التراجيكوميدية يريدون لها أن تنتهي بأقصي سرعة بعدما طالت أكثر. ولن يترددوا في تحويل شاشات التلفزيون الي مشاهد يُهيمن عليها الدكتور هانيبال ليكتر (بطل فيلم صمت الحملان )، بما تحيل عليه هذه الشخصية من معاني القسوة والرعب التي يشيب لها الولدان.حينما كانت ربطات العنقشرطا للمرور في التلفزيون أتصور أن بعض المسؤولين السابقين علي التلفزيون المغربي، ينظرون بنوع من الاستغراب ازاء ما صارت تلفزة دار البريهي تقدمه من برامج وريبورتاجات، ويرددون فيما بينهم وبين أنفسهم: ألم تعد هناك رقابة؟ هل اختفت الخطوط الحمراء؟والسبب أنه لم يعد محظورا علي الفئات المهمشة، ولا سيما تلك تعيش في أحياء الصفيح، أن تتحدث عن واقعها ومعاناتها، وتشتكي أيضا من المشكلات التي تصادفها علي جميع الأصعدة الاجتماعية والادارية والمعيشية.من قبل، كان من رابع المستحيلات أن يعرض التلفزيون كل ما يخرج عن اللازمة الغنائية الشعبية قولوا العام زين ، فالمغرب الذي كنا نراه من خلال تلفزة دار البريهي هو فقط مغرب الخير والنماء والماء والخضرة والوجه الحسن. وكان يُشترط في كل شخص يحل ضيفا علي الاستوديوهات، للتحدث في برنامج معين أو نشرة اخبارية ما، أن يرتدي ربطة عنق. فبدونها، لا يحصل علي جواز المرور من خلال الشاشة الصغيرة. واذا لم يكن الضيف حاملا لربطة العنق، تطوع مستخدمو التلفزيون باستخراج احداها من دواليب الألبسة في مؤسستهم، ثم وضعوها حول عنق الضيف لشنقه، عفوا لتزيينه بها، طبعا، ليس اكراما له، ولكن استجابة لأوامر المسؤولين الكبار، وتفاديا لتوبيخهم. ولا عجب في ذلك، فقد خضع التلفزيون والاعلام عموما ـ خلال سنين عديدة ـ لقبضة وزارة الداخلية. ومن هنا، كان كل ما يمرر عبر الشاشة ينسجم ـ بالضرورة ـ مع هوي هذه الأخيرة ومزاجها وذوقها، بما في ذلك سهرات المنوعات وبرامج الأطفال.وكانت العمالات (المحافظات) ـ من منطلق تبعيتها للوزارة الوصية ـ هي التي تشرف بنفسها علي مواد السهرات التلفزيونية المقامة بالأقاليم، بدءا بأسماء المغنيين والمغنيات، وصولا الي الديكور. وكم يبدو الأمر مثيرا للسخرية، حينما كان يشاهد المتفرج ديكورا من مختلف الخُضار(القرع والبصل والطماطم والخيار وهلم جرا) يشكل خلفية لبلاتو التصوير، وتتوسط تلك الخضار صورة كبيرة لعاهل البلاد آنذاك رحمه الله.اليوم، لم تعد ربطة العنق شرطا للمرور عبر التلفزيون، فالضيف حر في ارتداء ما يشاء. ولم تعد تلك الربطة ضرورية سوي بالنسبة للصحافيين مقدمي نشرات الأخبار، بينما يعتبر منشطو البرامج في حِلٍ منها، فليرتدوا ما يشاؤون: لباسا رياضيا أو جلبابا مغربيا أو سروال جينز و تي شيرت زاهي الألوان! فليس ثمة رجل سلطة يراقب ماذا يلبس كل من يتحدث من خلال الشاشة، وكيف يتكلم.لقد انفتح التلفزيون علي مغرب آخر، هو المغرب العميق، المهمش والمقصي والمحروم. صحيح أن كان ما ممنوعا بالأمس، صار اليوم مباحا. ولكن، ما كل شيء يقال، بطبيعة الحال.كاتب صحافي من المغرب[email protected]