ردود عصبية: الصهيونية ليست استعمارا، ليست استعمارا أبدا، من قال هذا، أف!

حجم الخط
0

ردود عصبية: الصهيونية ليست استعمارا، ليست استعمارا أبدا، من قال هذا، أف!

ضجة حول ترجمة كتاب ألبير ميمي عن الاستعمار الي العبريةنائل الطوخيردود عصبية: الصهيونية ليست استعمارا، ليست استعمارا أبدا، من قال هذا، أف! لم يكن في كتابة المفكر الفرنسي ألبير ميمي لكتاب صورة المستعمر وصورة المستعمَر في الخمسينيات شيء ما هزلي. كان الأمر جادا تماما. رجل يكتب عن الاستعمار الفرنسي في الجزائر. يتعاطف مع أهالي البلاد ويحلل ظاهرة الاستعمار بشكل ذكي. متي ستبدأ السخرية؟ بعد حوالي خمسين عاما. لن تكون لا في الجزائر ولا في فرنسا، وانما في اسرائيل، حينما سيترجم كتابه هذا الي العبرية. حينها سيفاجأ الاسرائيليون بشيء يعرفونه جيدا لهذه الدرجة، بل وسيجدون أنفسهم مطالبين بالدفاع عن شيء لم يتحدث عنه الكاتب أصلا المكتوب منذ نصف قرن، حينما كان تعريف اسرائيل كظاهرة استعمارية غير واضح الا في عيني ضحاياها المباشرين من الفلسطينيين.في العادة، توصف اسرائيل المحاطة ببحر من العرب عبر مجاز الهولوكست، حيث أحيط اليهود ببحر من المعادين للسامية، أو مجاز متساداه، وهي القلعة التي انتحر فيها آخر المقاومين اليهود للرومان، تأبيا علي القمع والغزو الروماني. العرب هم النازيون في المجاز الأول والرومان في المجاز الثاني، وسيتم الاحتفاظ لهم بدور الشرير قاسي القلب كاره اسرائيل، ذلك الذي توقف عن كونه الغرب، ألمانياً كان أم رومانياً. ولكن هنا وهناك، يمكننا العثور علي مظاهر لمجاز آخر، أقرب الي حركة التاريخ، هو مجاز الجزائر، حيث أقلية بيضاء صغيرة، جيش ومستوطنون، تحارب بوحشية مجتمعا كاملا، يسعي للحصول علي حريته وتعريف ذاته بذاته. هنا بالتحديد يكون لترجمة كتاب المؤرخ اليهودي ألبير ميمي أهمية خاصة، هنا والآن. يتحدث الصحافي دان لحمان عن الكتاب المترجم حديثا لألبير ميمي. يقدم له عرضا مشوقا، غير أنه وعلي مدار العرض لا يذكر شيئا عن اسرائيل الا في مرات قلائل، كلها ذوات أهمية وافرة، وكأنها الكلمة المتواطأ علي كتمانها، مع كونها محسوسة بقوة، ففي كل حديثه عن صورة المستعمر يصعب جدا تصديق أنه لا يتحدث الا عن الجزائر. يقول هو: في الدولة الأم، يتمتع المستوطن بحقوق ديمقراطية تسلبها المنظومة الاستعمارية من الشعب الذي تم احتلاله . يصعب هنا ألا نصل لاستنتاجات حول ممانعة اسرائيل لتصويت الفلسطينيين في القدس، وتصويرها السماح بهذا، وهو المتأخر والمشروط، وكأنه كرم زائد، بينما، وعلي الخط المقابل، يتم في الخطاب الاسرائيلي دوما التقليل من شأن الفلسطينيين الذين لا يمكنهم اقامة ديمقراطية الا بمعونة اسرائيلية. في هذه النقطة، وان كان في سياق آخر، يتحدث ميمي عن العمالة التي يلجأ لأجلها المستوطن الي أهل البلاد الأصليين، ولكن بشكل يدعم علاقة السيطرة، فالأعمال التكنولوجية الأكثر تقدما ممنوعة عنهم، بينما توكل اليهم الأعمال اليدوية، لأجل تحويلهم الي مجرد أنفار عاملة، ولسبب آخر، فالمستوطن يري دوما أن من واجبه حماية ابن البلد من نفسه، وبالتالي القيام عنه بالعمل الأكثر تقدما الذي لا يعرفه ابن البلد، وهو دوما العمل الذي يسهم دوما في زيادة رأسمال الاستعمار.يتحدث ألبير ميمي عن المستوطن، عن كيفية رؤيته نفسه يقف في الجانب الخير، حيث هو غير مسؤول عن الشر، غير أنه يأخذه خوف في كل مرة يتم فيها المس بالوضع السياسي للمستوطنة. فقط عندئذ يهتز نقاؤه الوطني. فقط عندئذ يمكنه التهديد بالاستقالة، بالرفض والاضراب، وهو ما يناقض الخطاب الوطني المتحمس الذي أكثر من التأكيد عليه في الأيام الطيبة الخوالي. حتي هنا يتحدث ميمي عن الجزائر، لم يقترب للحظة من المستوطنين وتهديدهم برفض الخدمة العسكرية في اسرائيل، أي رفضهم أن يكونوا جزءا من الجيش الذي يطرد اخوانهم من غزة، والذي لطالما حماهم من الأهالي سابقا. لم يكن ميمي قد رأي مشاهد فك الارتباط عن غزة عندما كتب هذه الكلمات، ولا كان قد زار أية مستوطنة في الضفة الغربية أو القطاع، ما زلنا في منتصف الخمسينيات. وحتي عندما يتحدث عن اللغة فهو يقصد الجزائر، اللغة التي تقوم بدور رئيسي في علاقة السيطرة، ليس فقط لأن علي الأهالي أن يتحدثوا لغة المستوطن، وبلكنة تمزج لغتهم الأصلية باللغة الوافدة، مما يحفظ لهم مكانتهم المتدنية في أعين المستوطن بينما المستوطن غير مطالب بتعلم لغة الشعب الذي يحتله، لا يتحدث ميمي هنا عن صراع اللغتين العربية والعبرية، واللغة الثالثة التي نمت بينهما، العبرية التي يتحدثها عرب بلكنة شرقية. تقوم اللغة كذلك أحيانا بألعابها لكي تحافظ علي علاقة السيطرة. ثم هنا مثال اسرائيلي، ليس جزائريا، يذكره دان لحمان، الصحافي الذي يقدم عرضا لكتاب ميمي. فمنذ سنوات، كان مصطلح عمل عربي مصطلحا احتقاريا يعني عملا رديئا يتم بغير اتقان. غير أنه مع السنوات ظهر العرب باعتبارهم أكثر معرفة بالأعمال التي يؤدونها. عندئذ تحول معني كلمة عمل عربي ، في لعبة عنصرية طريفة، الي معني العمل اليدوي، العمل الذي يترفع اليهودي عن أدائه، وليس العمل الرديء المؤدي علي غير ما يرام. هذا المثال يذكره دان لحمان عن اليهود والعرب بينما يتناول الكتاب الذي يناقش حالة الفرنسيين في الجزائر. يحدث هذا قرب نهاية مقاله. بعد تكريس المقال كله للجزائر أو لذلك الكائن المدعو بالاستعمار بدون ربطه بأي سياق محلي. هذا يكون ممهدا لاعتراف مرير يأتي في نهاية كلامه، وهو اعتراف طريف علي أي حال. يقول لحمان: ليس صدفة أن الكتاب ترجم في هذه الأيام. فهو يتحدث عن الجزائر في الخمسينيات وهو يتحدث بشكل غير مفاجئ عن تجارب نعرفها تنتمي لمكان قريب جدا. قريب لدرجة أنني أعتقد أنه يتحدث عنا . كانت هذه الجملة هي التي مست الأعصاب العارية، ففي تعليقات القراء الاسرائيليين علي هذا العرض حاولوا بقدر ما يمكن ابعاد كابوس مجاز اسرائيل = فرنسا في الجزائر ، حاولوا طرده بقوة. هنا يبرز الي سطح الوعي الاسرائيلي المجاز البعيد، ولو لأجل دحضه، بديلا عن مجاز الدولة المحاطة بالعنصريين والنازيين، الذي كان شائعا قبل هذا. ها هو قارئ يقول انه قرأ المقال بنفاد صبر لأجل الوصول الي الفقرة التي تتحدث عن الصلة بين الجزائر والصراع الفلسطيني الاسرائيلي. ويدلي برأيه: هذه علاقة مشوهة، غير دقيقة ومغلوطة. الحرب في الجزائر كانت حربا استعمارية أما الحرب في اسرائيل فهي حرب اثنية ، أي: مجموعتان من البشر تتصارعان علي قطعة أرض واحدة. ليس للغرب أية صلة بهذا، ولا هناك فلسطينيون يعيشون في البلاد منذ مئات السنوات ويهود قدموا في هجرات من شتي بقاع العالم وصاروا، كما يعبر الخطاب الصهيوني كله، رسول الغرب المتقدم الي الشرق الأوسط. لماذا اذن يجد القارئ نفسه مضطرا للدفاع عن فرنسا في آخر رده، في جملة تنضح خفة وعنصرية: فرنسا تحارب اليوم حرب وجود دفاعا عن مستقبلها القومي والثقافي. الصراع هو بين الحجاب وبين البلوزة التي تكشف البطن، هو بين فولتير ومحمد . يصل هذا التماهي مع الغرب، وفرنسا بالتحديد ذات الماضي الاستعماري في الجزائر، الي ذروته في رد قارئة أخري: اذا كان ثمة تشابه (بين فرنسا واسرائيل) فهو ما يجب أن يكون تحذيرا لنا: ماذا حدث في الجزائر بعد فك الارتباط ؟ ألم تتحول (الجزائر) الي دائرة من الدم اللانهائي وغير المهادن؟ هل هذا هو ما يريده كل المنادين بحقوق الانسان؟ أن يروا عرب الضفة والقطاع يذبحون بعضهم بعضا؟ . لنتذكر حديث ألبير ميمي عن المستعمر الذي يتصور أنه يحمي، بقوة وجوده العسكري والحضاري، ابن البلد من نفسه، ولنطبق هذه الحالة علي رد القارئة: العرب أحياء في الضفة الغربية وقطاع غزة فقط بفضل الاسرائيليين، فهم كائنات قاصرة ان أوكلت أمورها لنفسها سيذبح بعضهم بعضا. في هذا يزايد اليمين المتطرف علي المنادين بحقوق الانسان مستخدما ورقة العطف علي العرب. الطريف أن هذا يتم في نفس الوقت الذي تتم فيه ادانة المجتمع البطريركي العربي، أي المجتمع الأبوي، القائم علي الوصاية، علي وهم حماية الفرد من ذاته. يدين الخطاب الصهيوني التقليدي هذه البطريركية، لصالح ربط نفسه بالقيم الغربية المستنيرة، مع عدم التورع عن ممارسة وصاية أشد، لأنها تتم من مكان أعلي، من حيث يقبع الجيش الذي يتلقي أوامره من الدولة الأم.علي العموم فالمفاجأة الحقيقة لا تأتي من النقاش الدائر حول الكتاب، بل من مكان يتصل بمتن الكتاب نفسه. هو المقدمة التي كتبها المؤلف، ألبير ميمي، بذاته، للطبعة العبرية من كتابه. المقدمة التي تحدث فيها عن بدء النظر لاسرائيل كظاهرة استعمارية في الشرق علي يد الأكاديمي والمستشرق مكسيم رودنسون وعن نظريته تلك التي تقبلها أعداء اسرائيل كبركة من السماء وتم نشرها في كل الصحف العربية بشكل موسع. لا يخفي هنا ميمي لهجة كارهة لـ أعداء اسرائيل ، وعلي رأسهم العرب طبعا. فيما يبدو كاعتذار متأخر وأخرق عن الفهم المغلوط لكتابه المهم. هذا يتجلي في اختياره بعض الحقائق لابرازها واخفاء البعض الآخر، فهو لا يتحدث عن كتاب رودنسون حول النبي محمد ص والذي تناوله بشكل علماني ونقدي، وتم منع تدريسه في الجامعة الأمريكية بالقاهرة منذ سنوات، وانما يشير الي أن رودنسون، ستاليني لم يكفر عن خطئه ، وكأن ستالينيته هذه هي اشارة ذات صلة، كأنها هي ما دفعته لربط اسرائيل بالظاهرة الاستعمارية. لماذا لا يبرز ميمي المعلومة حول كتاب رودنسون عن النبي محمد ص ؟ لأنه في مجتمع معاد للمسلمين كالمجتمع الاسرائيلي، ستسهم هذه المعلومة في اضفاء مصداقية علي رودنسون، أي ستسهم في تقوية مجاز اسرائيل وفرنسا في الجزائر. هذا شيء غير مرغوب طبعا.يجد ميمي نفسه مضطرا للدفاع عن اسرائيل، وينفي بشكل قاطع كونها ظاهرة استعمارية. يحمد هو الله كثيرا علي عدة أمور تفصل اسرائيل عن ظاهرة الاستعمار: ليس ثمة دولة أم نعتمد عليها، لا استغلال اقتصادي، لا سيطرة علي الثروات ولا ادارة مباشرة . يتحدث ألبير ميمي عن نحن هذه كثيرا. هو ليس اسرائيليا وانما تونسي، غير أنه يهودي. علي العموم، من الواضح أن ضمير نحن هذا ليس هو وحده ما يثير الأسف. لا ننسي أنه كذلك يقول كل هذا الكلام بينما اسرائيل تقمع بوحشية مطردة لسنوات خمس تمردا قام به الأهالي ، حتي وان اخذ التمرد شكلا دينيا يعترف هو به في تحليله لصورة المستعمَر، وبينما اسرائيل توثق روابطها مع الولايات المتحدة الأمريكية منذ عقود طويلة ويصير حتما عليها هذه الأيام تعليم الأهالي القيم الغربية التي تمثلها هي. بينما اسرائيل غارقة حتي أذنيها في تصوير مجتمع البدائيين الذي حولها، مما يؤكد كل نظرياته حول صورة المستعمَر (الجدار العازل هو الدليل الأبرز لهذا، اسرائيل تفصل جسدها عن عدوي السود البدائيين المحيطين بها، مع عدم استعدادها أبدا لارجاع جيشها ومستوطنيها اليها، فهم يمارسون دورا مهما جدا في السيطرة علي الجسد الآخر، وبهذا يكون الجسد الأول أكثر ثراء ونقاء من العدوي). لم يكن ميمي مضطرا بالطبع لدحض مجاز اسرائيل = فرنسا في الجزائر، فلم يطلب منه أحد هذا، ولا أحد قد طرحه، بخلاف الوعي القوي الذي يثيره كتابه المهم لفهم الشرق الأوسط، رغما عنه بالطبع، وبخلاف قوة الذاكرة التي تجعل القارئ الاسرائيلي يشعر أن هذا الكلام انما يتعلق بشيء يعرفه جيدا ويراه يوميا، وأن الأمر ربما يتعلق باله التاريخ الذي يعيد لعبته مجددا علي هيئة كوميديا صارخة بعد الدورة التراجيدية الأولي، يظهر مجازات مسكوتا عنها علي السطح بعد أن كانت مدفونة ضمن ركام اللاوعي لسنوات طوال، ويدفع الي المحرقة مجازات أخري عملت علي الدوام علي توجيه الوعي وفق وجهات معينة، تتصل بالتقوقع البليد حول الذات.ہ قاص وروائي من مصر8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية