ردود فعل الاسرائيليين علي صعود حماس تكشف ان طريقة تفكيرهم لها دور في تطوير المخاطر حولهم
ردود فعل الاسرائيليين علي صعود حماس تكشف ان طريقة تفكيرهم لها دور في تطوير المخاطر حولهم للوهلة الاولي استوعبت اسرائيل بنضج، برباطة جأش، بل وبعدم اكتراث مشبوه الانصراف السريع لارييل شارون من الخريطة السياسية. ظاهرا جري استيعاب معني الثقب الاسود الذي خلّفه وراءه الرجل، الذي شكل عمليا السياسة الحزبية، الامن وكل السياسة الخارجية لاسرائيل منذ بداية الالفية. ظاهرا ما الذي هو أبسط من ذلك؟ هل ايهود اولمرت (أو كل شخص آخر ـ يبتسم فقط بلطف، يُقطب جبينه فقط علي نمط شارون، يصد فقط شبهات بالفساد ويقول: انا لا اُعني بذلك ـ فاذا بهذا الثقب الاسود يمتليء بأتربة النسيان. وبالاساس اذا ما كان دوف فايسغلاس وروبين ادلر في المحيط. علي الحياة ان تستمر كما تعرفون، و لا يوجد أحد لا بديل له ، وما شابه. كل هذا ظاهرياً فقط. ولكن يحتمل أن يكون معني التبدد المفاجيء لشارون لم يبدأ حتي بالهضم. يحتمل أن ما بدا كـ نضج، رباطة جأش وحتي عدم اكتراث ليس سوي رد فعل متلبث من النوع الذي نراه في المسرحيات الهزلية، في الدراما وأفلام الصور المتحركة: ما يبدو في البداية كهدوء وتسليم منضبطين حيال سهام المصير يصبح بتلبث ما انهياراً واسعاً عندما يقع فصل المقال. وبالفعل، فان أثر التلبث بالنسبة لتبدد شارون ينعكس بشكل شبه بياني في الاستطلاعات: من تأييد شبه تام لحزبه شبه الخاص، الذي تعاظم كلما غرق الرجل نفسه في السبات ـ وحتي الهبوط في الاستطلاعات مع بداية الانصهار هذا الاسبوع. لا، ليس الانصهار الشخصي لشارون، بل الانصهار المتأخر للجمهور، الذي بدأ يهضم بان ليست استراحة المقاتل امامنا، ليست راحة ـ غفوة اتخذها رب البيت في منتصف النهار ـ بل شيء أقرب لما وصفه رايموند شندلر النوم الكبير .وبالذات البطء الذي نستيقظ فيه الي الواقع ما بعد الشاروني يدل علي الحجم الهائل الذي احتلته هذه الشخصية في حياتنا للايجاب أم السلب ـ الحجم الذي بدا وكأنه احتفظ به له حتي بعد اسابيع من غيابه. بسبب حجم تأثيره كان يمكن لزمن آخر ما الاعتقاد بانه لا يزال هناك ـ في المزرعة، او في اروقة القوة. ومن هنا التأييد الكثيف الاولي لايهود اولمرت الذي اعتبر في البداية ـ ولو بقوة القصور الذاتي ـ كقائم بأعمال شارون بكل ما في الكلمة من معني: كمن يحافظ علي الحجم الذي خلفه. ولكن عندما بدأ هذا الفراغ يمتليء باولمرت نفسه وبمتنافسين آخرين، وعندما بدأت الاستطلاعات تعكس ما يبحث عنه الجمهور في هؤلاء المرشحين ـ لعل هذا هو الوقت الان نتذكر ما كانت عليه الامزجة التي منذ البداية رفعت شارون نفسه الي الحكم ومنحته شعبية هائلة. وبالفعل، لم تكن هذه هي الاقتصاد، ولا المشاكل الاجتماعية ولا حتي السلام . معظم الوقت كانت هذه اساسا اليأس والخوف والحاجة الي الحماية والمأوي بالمعني الاولي والاكثر فجاجة، والتي دفعت الجمهور الي التكتل خلف شارون علي مدي السنين. واذا ما حاكمنا الامور حسب الاستطلاعات ـ فان هذا ايضا ما يبحث عنه الجمهور الان، وتشهد علي ذلك المعادلة شبه الرياضية التي تظهر بين التأييد الجماهيري للهيئات والشخصيات السياسية وبين مدي الامن الذي تدعي أنها توفره. فهذا الاسبوع مثلا كانت مجرد فكرة تنصيب اللواء المتقاعد عامي ايالون في رئاسة العمل بدل المواطن عمير بيرتس قد رفعت الحزب في الاستطلاعات بستة مقاعد علي الاقل. اليتم عن شارون ليس بالتالي يتما عن جودة الحياة، طهارة المقاييس، التطلع الي السلام، الاقتصاد السليم. في جوهره هذا يتم عن الاحساس بالقوة والامن (بالتأكيد: الاحساس فقط). صحيح أنه علي رأس الاحزاب الثلاثة الكبري لا يوجد هذه المرة جنرالات متقاعدون، وللوهلة الاولي انطلقت جميعها لاحتلال الحكم باجندات مختلفة ومتنوعة، مدنية في جوهرها. ولكن يبدو أنه في انتخابات 2006 ستكون عصبة الضباط التي احتشدت حول اولمرت والتي ستقف حيال فريق القيادة العليا الذي نجح بيرتس في حشده، ليقف حيال الادعاء الدونكيشوطي لسيد الارهاب بنيامين نتنياهو في أن يكون قويا حيال حماس اكثر من عصبتي الضباط معا أيضا. جدول الاعمال المدني، مثله مثل قوس قزح في السحاب، آخذ مرة اخري في الابتعاد بالتالي كلما اقتربنا منه. وحتي بعد ستين سنة توجد اسرائيل من ناحية عقلية في المكان الذي كانت فيه في أول يوم من وجودها: لا تزال يوجهها الخوف الوجودي، الخام، لا تزال تسعي الي الامر الاكثر أولية في الوجود الانساني والقومي ـ الملجأ والمأوي. مرغوب فيه خلف دافيد الجندي المتأهب ، ذاك الذي مع البندقية الاكبر. وفي ضوء ردود فعلنا علي صعود حماس مثلا، بات من الصعب علينا أن نعرف اذا كانت المخاطر الوجودية هي التي صممت العقلية الاولية عندنا، أم ان لهذه العقلية دور في تطوير المخاطر حولنا.يوئيل ماركوسكاتب رئيسي(هآرتس) 3/3/2006