رد علي شلومو افنيري.. لا يوجد كتاب عرب اليوم يحاسبون انفسهم خلافا لارائك العرب بدأوا يتقبلون مبدأ تقسيم فلسطين الي دولتين

حجم الخط
0

حساب النفس الفلسطيني

مقالتان للبروفيسور شلومو أفنيري في صحيفة هآرتس ( الي أن يتحملوا المسؤولية، 10/5؛ و ليست هذه هي المبادرة، 21/5) ناقصتان علي نحو جوهري من جهة الحقائق. ليس الحديث عن تفسير كهذا أو ذاك، بل عن حقائق لا يمكن أن تكون مختلفا فيها.

في المقالة الاولي، التي تبحث تناول العرب عامة والفلسطينيين خاصة قرار الامم المتحدة في التاسع والعشرين من تشرين الثاني (نوفمبر) 1947 في شأن تقسيم ارض اسرائيل الانتدابية الي دولتين، يعود أفنيري ليقول إن الجمهور العربي نقصه حتي قدر ضئيل من التأمل الداخلي والنقد الذاتي في هذه القضية. وكأنه لا تكفي هذه التقريرات المطلقة حتي يبالغ أفنيري ويقول: لا يوجد الي اليوم أي كتاب (عربي وفلسطيني) يثير السؤال: هل ربما يكون العرب اخطأوا برفضهم المصالحة، الأليمة، للتقسيم؟. اختيرت هذه الجملة الأخيرة ايضا، كما يبدو بسبب قطعها، كعنوان ثانوي للمقالة. أي أن أفنيري يري في الجانب الفلسطيني عدم استعداد تام للاعتراف بك، لانهم في 1948 هم وقادتهم اخطأوا خطأ تاريخيا فظيعا.. . هاكم ثلاثة تذكارات بارزة، لا يمكن رفضها علي أنها تافهة. أحدها مذكرات المسؤول الكبير من فتح، أبو إياد (صلاح خلف) من سنة 1978، التي نشرت في كتاب فلسطيني بلا هوية. يروي أبو إياد انه في حديث الي المفتي الحاج أمين الحسيني، جري في بداية 1974، وجه اليه سؤالا شديدا: كانت خطة تقسيم الامم المتحدة من سنة 1947 غير مقبولة في الحقيقة من ناحية مبدئية، لكن لماذا لم يوافق القادة الفلسطينيون، كما فعل القادة الصهاينة، علي حل مؤقت، أساسه تأسيس دولة في جزء من المنطقة الوطنية، التي منحتهم إياها الامم المتحدة؟

، ويذكر أبو إياد أن احتجاجات وتبريرات المفتي بدت له غير مقنعة. لا يمكن غض الطرف عن أهمية أبو إياد في تاريخ فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية منذ 1968. ابتدأ بكلامه في واقع الأمر يمهد لتبني م.

ت.

ف الطريق السياسي من غير أن ينتظر استجابة من اسرائيل مقدمة، أو من الجماعة الدولية برئاسة الولايات المتحدة. دفع أبو إياد حياته عن تبني الطريق السياسي في كانون الثاني (يناير) 1991 عندما اغتاله أحد أفراد منظمة أبو نضال.

ومثال آخر يدحض جزم أفنيري، أن رفض خطة التقسيم لم يُثر للنقاش قط هو اعلان م.

ت.

ف الاستقلال في تشرين الثاني (نوفمبر) 1988. صاغت م.

ت.

ف في هذه الوثيقة استعدادها لتبنّي مبدأ التقسيم في اطار دولتين لشعبين. بعد نحو شهر من ذلك استُكمل هذا الاجراء بقبول قرار مجلس الأمن 242، الذي رفضت م.

ت.

ف منذ تشرين الثاني (نوفمبر) 1967 قبوله. اعلان الاستقلال وثيقة تأسيسية في تاريخ م.

ت.

ف، تناقض لغتها ومنطقها علي نحو ظاهر الميثاق الفلسطيني. وهكذا بالضبط فهم المعارضون في الداخل (من المنظمة) والمعارضون من الخارج (مثل حماس) هذا الاجراء. يقوم كل منطق اعلان الاستقلال علي قبول مبدأ التقسيم، في حين أن كل منطق الميثاق الفلسطيني (في المادة 19) يقوم علي رفضه وعلي الحفاظ علي سلامة فلسطين. تم التأكيد في اعلان الاستقلال علي انهرغم الظلم الكامن في قرار التقسيم، الذي ينبع من أنه تجاهل حق الأكثرية العربية في فلسطين في تقرير المصير، فان هذا القرار من ناحية عملية يعطي شروط الشرعية الدولية التي تضمن حق الشعب العربي الفلسطيني في السيادة والاستقلال الوطني. ذُكر في القرارات السياسية التي صحبت اتخاذ اعلان الاستقلال أن مبدأ التقسيم يجب أن يكون مُطبقا علي حسب خطوط الرابع من حزيران (يونيو) 1967 فليس عجبا اذا أن تحدّت ذلك منظمات الرفض وحماس. تُقدم الكتب الدراسية الفلسطينية الجديدة من فترة اتفاقات اوسلو مثالا آخر علي تفكير من جديد في خطة التقسيم: في سلسلة كتب دراسية من سنة 2000 أُبرز اعلان الاستقلال الفلسطيني من سنة 1988 علي أنه الوثيقة الرسمية الوحيدة التي يُطلب الي الطلاب أن يدرسوها وأن يحفظوها عن ظهر قلب في دروس المواطنة. لا يُطلب الي الطلاب الفلسطينيين أن يدرسوا الميثاق الفلسطيني بل وثيقة التأسيس التي تقوم علي عكسه. أي الأخذ بمبدأ التقسيم. هذه ثلاثة أمثلة رئيسية من أمثلة كثيرة. لكن الحقائق ليست دقيقة ايضا في مقالة أفنيري الثانية عن المبادرة السعودية. لا يوجد في الاقتراح السعودي اشتراط مسبق بأن تُقبل المطالب العربية. فكلمة الشرط اذا غير موجودة البتة في الوثيقة. وتظهر بدلا منها كلمة عندئذ. أي، في الوقت الذي تُقبل فيه المباديء العربية التي تبحث في المناطق، ستتم الاستجابة لطلبات اسرائيل لـ السلام و التطبيع و انهاء النزاع.

تم التأكيد في مقدمة المبادرة علي أن هذا اجراء موازٍ (كما تقول الوثيقة). وبالاضافة الي ذلك يوجد تطرق الي حل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين علي نحو متفق عليه. يعني متفق عليه، أن يكون الطرفان اسرائيل والفلسطينيون موافقين عليه. كيف يمكن الاتفاق علي شيء ما بغير اجراء تفاوض؟ اذا كان يوجد اشتراط فانه علي الخصوص في أن يكون حل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين متفقا عليه، وبهذا يبطل في الواقع أي امكان لأن يشتمل هذا الحل علي تحقيق حق العودة الي داخل اسرائيل. إن ذِكر الحاجة الي حل متفق عليه يخلق تقليدا جديدا من التفسير العربي لقرار الامم المتحدة 194: القرار ما بين التعويضات والعودة، المذكور في القرار، يصادَر من اللاجيء كفرد ويُستعبد للاتفاق السياسي مع اسرائيل. وهكذا تكون قد انتهت قضية تحقيق العودة الي داخل اسرائيل.

هكذا بالضبط بيّنت مصر، والاردن بل أبو مازن هذا التجديد. وهكذا فهمت حماس ايضا التغيير، ولذلك رفضته وحالت دونه الي حد تسميتها إياه خيانة. بخلاف اقوال أفنيري، غياب الطلب التقليدي اخلاء جميع المستوطنات (وهو طلب يتكرر في خطط عربية سابقة كخطة الأمير فهد السعودي من سنة 1981 ـ خطة النقاط الثماني ) يخلق مجال مناورة سياسيا يمكن أن يشتمل علي تبادل مناطق وتعديلات حدودية طفيفة.

لست أزعم أنه يجب علينا في اسرائيل تبني المبادرة العربية وكأنها شيء يجب تقديسه، لكننا مأمورون بأن نراها كما هي، وهي كذلك تجسد تغيرا عاما للموقف الجماعي العربي. لا يمكن من جهة التنديد بالعرب لانهم رفضوا مبدأ التقسيم، وأن نبحث من جهة ثانية وأن نجد شيئا معيبا في استعدادهم لتبنيه.

ماتي شتاينبرغ(هآرتس ) ـ 29/5/2007

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية