ليست كلها شر لكل العرب، فبعضهم يستفيد منها؛ فالحرب الأوكرانية فوق أنها توفر فرصة ذهبية جديدة لتجار الأزمات، مثل تجار الحديد ومواد البناء في مصر، فإن رذاذها يتساقط خيرا على الدول العربية الغنية المصدرة للنفط، التي يبلغ عدد سكانها 13.3 مليون نسمة، وينزل شرا على الدول العربية المستوردة للغذاء والطاقة والسلاح، التي يبلغ عدد سكانها 437 مليونا. العقوبات التي تخضع لها روسيا جاءت بينما الاقتصاد العالمي يستعد بالكاد للخروج من جائحة كورونا، وهو ما يزال ضعيفا، كما تمثل العقوبات إجراءات تتعارض بطبيعتها مع حرية التبادل في الأسواق، وهو ما يعني أنها تنتج تشوهات في السوق، تؤدي إلى اضطراب في هياكل التبادل والأسعار. هذا يعني أن ما نراه اليوم من اضطراب في أسواق الطاقة والغذاء والتمويل والنقل الجوي والسياحة، سيترك آثارا مباشرة على الدول العربية، سواء بالخير أو بالشر، تستمر بمقدار شدة ومدة سريان العقوبات، وهي قد تطول لاختبارات جيوستراتيجية، حتى وإن كان ثمنها فادحا على الاقتصاد الدولي ككل.
النتائج الاقتصادية السلبية للحرب ستمتد إلى عدد من مشروعات التنمية الكبيرة، وتلقي بها إلى مصير مجهول، مثل مشروع محطة «الضبعة» للطاقة النووية في مصر، التي تبلغ استثماراتها 30 مليار دولار، ومشروعات تطوير قطاع النفط في العراق، ومشروعات تنمية قطاع الغاز في الجزائر وسوريا وليبيا. والعقوبات تهدد بعض الدول العربية أمنيا نتيجة تأثيرها على صادرات الأسلحة الروسية وإمدادات قطع الغيار خصوصا في مصر والجزائر. وبسبب الحرب فإن شركاء روسيا التجاريين في العالم العربي سيواجهون صعوبات على صعيد التحول إلى أسواق أخرى. مصر على سبيل المثال صدرت إلى روسيا عام 2020 ما قيمته 406 ملايين دولار، منها برتقال وفواكه وبطاطس وبصل وخضروات بقيمة 337 مليون دولار. وهو ما يعني أن خسارة السوق الروسية يمكن أن يتسبب في خسارة لم تكن في الحسبان للصادرات الزراعية المصرية. كما يواجه قطاع السياحة في مصر تحديا كبيرا بسبب اضطراب الحركة، وكذلك احتمال خسارة السياح الروس والأوكرانيين، الذين يشكلون ما يقرب من 15 في المئة من السياحة المصرية في الموسم المقبل على الأقل .
ارتفاع إيرادات تصدير النفط
توفر روسيا للعالم أكثر من 10 في المئة من إمدادات الطاقة، لكن أوروبا تعتمد عليها بنسبة 40 في المئة تقريبا. ولم تنخفض هذه النسبة رغم محاولات زيادة الاعتماد على الطاقة المتجددة؛ فمع تخفيض الاعتماد على الفحم زاد الاعتماد على الغاز الروسي الرخيص. ومع زيادة حدة الاستقطاب الجيوستراتيجي في العالم مارست الولايات المتحدة ضغوطا قوية على أوروبا من أجل تخفيض الاعتماد على إمدادات الطاقة الروسية، وكان الغزو الروسي لأوكرانيا بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، فأوقفت ألمانيا خط نوردستريم-2 وهو ما يمنح مصدري الغاز العرب وغيرهم فرصة ذهبية لملء الفراغ الناتج عن ذلك والذي يقدر بأكثر من 100 مليار متر مكعب سنويا. الجديد في موضوع العقوبات أنها تتجه تدريجيا إلى قطاع الطاقة الروسي، سواء من خلال تأثير العقوبات المصرفية أو تردد شركات الناقلات في تأجيرها لنقل البترول والغاز من روسيا. كذلك أعلنت الولايات المتحدة حظرا على المشتقات النفطية الروسية، وهو ما قد يؤثر على واردات بلد مثل مصر يعتمد على واردات المشتقات النفطية من روسيا إلى حد كبير. كندا أيضا أعلنت حظرا على النفط الروسي. ويبدو أن الأمور تسير الآن في اتجاه فرض عقوبات متدرجة تؤدي إلى حرمان روسيا من جزء كبير من أسواقها النفطية قد يصل إلى خسارتها لثلث الإمدادات خلال عام. هذه التطورات على صعيد العقوبات بدأت تنعكس بصورة حادة على الأسواق. أسعار الغاز المسال قفزت بأكثر من عشرة أمثال ما كانت عليه قبل عام في سوق الغاز الرئيسية في هولندا، لتتجاوز 50 دولارا للمليون وحدة حرارية، مقابل 5 دولارات في الأسبوع الأول من اذار/مارس الماضي.
دول الخليج الست تجني من الآن أهم ثمار الحرب بوصول عائدات التصدير إلى ضعف المستوى التوازني في ميزانياتها. فقد وصل سعر البرميل إلى أكثر من 110 دولارات، في حين أن السعر التوازني في ميزانيات هذه الدول تم تقديره على أساس 55 دولارا أو أقل. ارتفاع أسعار النفط فيه خير للميزانيات الحكومية، لكن المستهلكين في هذه الدول سيتحملون التكلفة، خصوصا في وقود السيارات والكهرباء وتكاليف النقل.
التاثير السلبي لارتفاع أسعار القمح
في الدول العربية المستوردة للقمح، تبدو الصورة على العكس منها في الدول المصدرة للنفط، بسبب ارتفاع تكلفة الاستيراد بمقدار الثلث تقريبا حتى الآن، ومن الممكن أن تواصل الأسعار الزيادة، رغم وفرة محصول العام الحالي، بسبب العقوبات التجارية والمالية المفروضة على روسيا، أكبر مصدر للقمح في العالم، وارتفاع تكاليف رسوم الشحن والنقل والتأمين. مصر على سبيل المثال، وهي أكبر مستورد للقمح في العالم، قدرت سعر القمح في موازنة العام الحالي بقيمة 255 دولارا للطن، ثم اضطرت إلى تعديله ليصل إلى 300 دولار للنصف الثاني من السنة المالية، لكن السعر في السوق يزيد عن التقدير الجديد بنسبة تصل إلى 15 في المئة وعن التقدير السابق بنسبة تصل إلى 35 في المئة، وهو ما يكلف الخزانة أكثر من مليار دولار عن التقديرات الأولية للاستيراد فقط وبدون احتساب قيمة الدعم.
مصر التي تستورد حوالي 13 ألف طن من القمح ليست وحدها عربيا في التعرض لارتفاع تكلفة الاستيراد، فمعها أيضا الجزائر التي تستورد 7.7 مليون طن، والمغرب 4.5 مليون طن، واليمن الفقير 3.6 مليون طن، والعراق 2.6 مليون طن، إضافة إلى تونس ولبنان والأردن. وهناك دول نفطية مثل السعودية والإمارات وليبيا ستدفع أيضا زيادة كبيرة في فاتورة استيراد القمح. ولن يتوقف ارتفاع الأسعار بسبب حرب روسيا في أوكرانيا على القمح فقط، بل انه سيشمل أيضا الزيوت النباتية مثل زيت «دوار الشمس» ومحاصيل العلف الحيواني مثل الذرة وفول الصويا والشعير. وتتوقع منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة أن ترتفع أسعار السلع الغذائية بشكل عام بنسبة تصل إلى 50 في المئة خلال العام الحالي، وهو ما سيصيب ميزانيات الدول العربية الفقيرة والمتوسطة الدخل التي تستحوذ على أكثر من 85 في المئة من سكان العالم العربي بأضرار كبيرة، لأنها لم تأخذ في الحسبان حدوث تلك الحرب وتداعياتها الاقتصادية.
مصير مجهول لمحطة الضبعة
تمثل محطة الضبعة النووية المصرية، أكبر استثمار خارجي لمؤسسة روس أتوم الروسية، حيث تبلغ تكاليفها الاستثمارية وقت توقيع الاتفاق حوالي 30 مليار دولار، تشارك البنوك الروسية بتمويل 85 في المئة منها بقيمة 25 مليار دولار وهو ما يعادل ربع قيمة استثمارات روس أتوم في 25 مشروع محطة نووية تقيمها في الخارج أو انتهت منها بالفعل. هذا النصيب المرتفع جدا في التمويل، مقارنة بنسبة وقيمة التمويل الروسي لمحطة «بوشهر» في إيران (40 في المئة تقريبا) أو محطة «مرسين» في تركيا، التي تبلغ قيمتها 20 مليار دولار، والمملوكة بنسبة 99.2 في المئة لروسيا، يضع محطة الضبعة داخل حيز عدم اليقين، خصوصا وأن الشركة المكلفة بإنتاج معدات المحطة لم تحصل بعد على التراخيص اللازمة لبدء الإنتاج. وسيكون بدء العمل في إنتاج معدات المفاعل الأول تحت رحمة ثلاثة اعتبارات رئيسية، الأول هو العقوبات المفروضة على المصارف الروسية، خصوصا تلك التي تقدم تسهيلات مالية للحكومة وأهمها «سبيربانك» والثاني هو العقوبات التجارية، والثالث هو الحظر الكامل على صادرات المعدات والأجهزة التكنولوجية المتطورة إلى روسيا، سواء التي تنتجها الولايات المتحدة أو شركات أجنبية بترخيص من شركات أمريكية. ومع أن هناك طرقا لتجنب العقوبات أو الهروب منها، إلا أن اللجوء إلى تلك الطرق يضع مصر تحت تهديد العقوبات الثانوية.
وطبقا للاتفاق المصري-الروسي، فإنه من المفترض أن يبدأ تشغيل المحطة بعد 6 سنوات من الآن. لكن ونظرا لهزيمة روسيا الدبلوماسية المخزية في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وبدء التحقيق الذي تجريه المحكمة الجنائية الدولية بشأن احتمال ارتكاب القوات الروسية لجرائم حرب، فإنه من المرجح أن تستمر العقوبات المفروضة على روسيا لسنوات مقبلة. بل إن وزير الدفاع البريطاني بين والاس يتوقع أن تستمر عزلة روسيا بسبب العقوبات لعقود وليس سنوات. وعلى هذا الأساس فإن الغموض يلف احتمالات قدرة روسيا على إنتاج وتصدير معدات محطة الضبعة إلى مصر حسب الجدول المقرر. لكن ذلك ليس من المتوقع أن يسبب خسائر كبيرة لمصر، نظرا لأنها تتمتع حاليا بفائض من الكهرباء، ما يزال بوسعها أن تستفيد منه في حال توسيع نطاق الربط الكهربائي القائم أو المخطط له مع السعودية والأردن والسودان وليبيا والعراق.
ضربة للاستثمارات في العراق والجزائر
تعتبر روسيا شريكا تجاريا رئيسيا لكل من العراق والجزائر، كما تلعب الاستثمارات الروسية في قطاع النفط والغاز العراقي، بما في ذلك إقليم كردستان دورا رئيسيا في تطويره، وفتح آفاق عالمية له. وتقدر الاستثمارات الروسية هناك بحوالي 15 مليار دولار، حيث يعمل عدد من الشركات مثل «روسنفط» و «تاتنفط» وغيرهما. وتقدم هذه الشركات مساعدات مالية مباشرة إلى حكومة إقليم كردستان، كما قامت بمد خط أنابيب يربط حقول كردستان بسوق الاستهلاك في تركيا.
وقد شهدت العلاقات بين روسيا والجزائر تطورات سريعة خلال السنوات الأخيرة. وقامت شركة «غازبروم» كبرى شركات الغاز في العالم بإجراء محادثات مع شركة سوناطراك الجزائرية من أجل إقامة وتوسيع نطاق التعاون بينهما في قطاع الطاقة بشكل عام، خصوصا وان سوناطراك مسؤولة عما يقرب من 8 في المئة من إمدادات الغاز إلى دول الاتحاد الأوروبي. لكن احتمالات التعاون وإقامة استثمارات روسية جديدة في الجزائر تواجه مصيرا مظلما بسبب الأوضاع الحالية والعقوبات التي تخضع لها. ومن ناحية أخرى فإن روسيا هي أكبر مصدر للسلاح إلى الجزائر، ومن المتوقع أن تواجه الصادرات العسكرية صعوبات كبيرة في السنوات المقبلة في حال استمرار العقوبات، وهو ما يضع الجزائر في موقف استراتيجي حساس نظرا لظروف التوتر الحالية في علاقاتها مع المغرب، وهو التوتر الذي يحمل في طياته منافسة عسكرية شديدة بين الطرفين. ونظرا لاعتماد سلاح الجو الجزائري على الإمدادات الروسية، بما في ذلك قطع الغيار، فإنه يتعين البحث عن مصادر إمدادات أخرى، على الأقل حتى يلوح في الأفق زوال شبح العقوبات على روسيا.