رسائل الفصائل تنسف مساعي بغداد لجلب الاستثمارات

مصطفى العبيدي
حجم الخط
0

بغداد ـ «القدس العربي»:  بالتوازي مع مساعي حكومة بغداد الإيحاء باستقرار الأوضاع في العراق ودعوة الشركات الأجنبية للاستثمار في مختلف القطاعات، تصر قوى داخلية عراقية، على إطلاق رسائل بأن الاستثمار العربي والأجنبي في العراق هو طريق محفوف بالمخاطر وأن الحكومة لا تستطيع السيطرة على الأوضاع الأمنية أو الوقوف بوجه الفصائل المسلحة المتنفذة في البلد.

ولعل أبرز هذه الرسائل سلسلة الهجمات بالقنابل وتحطيم واجهات العديد من المطاعم والشركات التي تحمل ماركات أمريكية وبريطانية والتي شهدتها بغداد خلال الأيام القريبة الماضية. فبعد مهاجمة مطعمي «KFC» في شارع فلسطين والجادرية، فإنّ مجهولين استهدفوا مطعم «ليز جلي هاوس» في منطقة شارع فلسطين أيضا، حيث أعلن مصدر أمني أن عبوة انفجرت من دون إصابات ما عدا حدوث أضرار مادية فقط.
وأعلن وزير الداخلية العراقي عبد الأمير الشمري عن إطلاق حملة لملاحقة منفذي هذه العمليات ضد المطاعم ذات الوكالات الأمريكية، فيما وجهت عمليات بغداد برقية إلى القوات الأمنية، لحماية المطاعم ذات الماركات العالمية، إلا أن الهجمات تواصلت وشملت فرع شركة «كاتربيلر» الأمريكية الخاصة بالمعدات الإنشائية، ومعهد «كامبرج» البريطاني التعليمي في العاصمة بغداد، الذين تعرضا لهجومين بالقنابل.
وإذا كان السبب المعلن لهذه الهجمات هو الادعاء بدعم تلك الشركات الأمريكية والغربية، لإسرائيل في عدوانها على غزة، فإن المراقبين، يرون أن الدافع الحقيقي هو إرسال رسائل بأن الحكومة عاجزة عن منع استهداف الشركات الأجنبية العاملة في العراق. وفي مؤشر آخر، كشفت السفيرة الألمانية في بغداد كريستيانه هومان، في لقاء مع قناة عراقية، عن تعرض الشركات الألمانية العاملة في العراق إلى ابتزاز مالي وتهديد من جماعات مسلحة. مؤكدة أن ذلك «سوف يتسبب بتعثر قضية الاستثمارات، ولن تقبل الشركات ذلك وسيدفعها للانسحاب من العراق».
وإثر ذلك طلب رئيس الوزراء محمد السوداني التحقيق في كلام السفيرة الألمانية، كما طلبت وزارة الخارجية العراقية من السفيرة مفاتحتها بتفاصيل هذا الموضوع.
وقد أكدت مصادر مطلعة لـ«القدس العربي» قلق العديد من الشركات الأجنبية العاملة في العراق، جراء تعرضها إلى ابتزاز الجماعات المسلحة، بهدف الضغط على حكوماتها أو لدفع أتاوات لها أو التعرض لمشاكل أمنية تعرقل عملها، كما حصل في العديد من الحالات سابقا، ومنها قيام جماعة مسلحة بخطف عمال أتراك ينفذون مشروعا في بغداد عام 2015 للمطالبة بوقف التدخل التركي في شمال العراق ووقف تهريب النفط العراقي، حسب قولهم. وبقي الرهائن رهن الخطف عدة أشهر، وتم إطلاق سراحهم لاحقا من دون أن تكشف حكومة بغداد عن تفاصيل القضية أو الجهة التي تقف وراءها. كما جرى اغتيال خبير أمريكي في بغداد وخطف مواطنة تحمل الجنسية الروسية بتهمة كونها تعمل في الموساد، وغيرها من الحوادث.
في صورة أخرى للضغوط على الشركات الأجنبية العاملة في العراق، لوحظ في الآونة الأخيرة تصاعد كبير في التظاهرات الغاضبة والاعتصامات وأعمال العنف أمام مقرات ومواقع شركات استثمار النفط والغاز في المحافظات الجنوبية التي تتحكم بها الأحزاب والفصائل الشيعية. وتعرضت بعض الشركات إلى إطلاق نار قربها أو تعطيل حركة العمال الأجانب والعجلات. ويهدد المتظاهرون بتعطيل عمل الشركات إذا لم تقم بتنفيذ بعض مطالبها ومنها تعيين أبناء تلك المناطق في مشاريعها، أو للمطالبة بوقف تلويث بيئة العراق وغيرها من المطالب، وسط عجز القوات الأمنية عن منع تلك التظاهرات.
وفي حادث آخر يعكس ضغوط الفصائل على الشركات، أعلنت شركة نفط البصرة، عن استجابة شركة «سيشم» النفطية الإيطالية، لطلب طرد خبير إيطالي، بتهمة الإساءة للرموز العراقية، حيث ادعى مغردون على مواقع التواصل الاجتماعي، قيام الخبير الإيطالي، بالإساءة لنائب رئيس هيئة الحشد الشعبي الذي قتل في غارة أمريكية أبو مهدي المهندس، بعد أن قام أحد الموظفين المقربين من الفصائل بتعليق صورة المهندس على إحدى السيارات العائدة للشركة المذكورة.

تهديد مشروع «طريق التنمية»

وفي الوقت الذي تبذل فيه حكومة بغداد جهودا كبيرة لتنفيذ «مشروع طريق التنمية» الاستراتيجي الذي أشرف رئيس الوزراء محمد شياع السوداني والرئيس التركي رجب طيب اردوغان، على توقيع مذكرة تفاهم رباعية حوله مؤخرا، بمشاركة الإمارات وقطر، وتعول حكومة السوداني كثيرا على المشروع لتحسين الوضع الاقتصادي في العراق، وبدأت خطوات في تنفيذه، إلا أن فصائل مسلحة متنفذة وجهت تهديدات واضحة للمشروع، عندما انتقدت «كتائب حزب الله» العراقي بشدة هذا المشروع الاستراتيجي. وشكّك المتحدث باسم الفصيل المسلح أبو علي العسكري، بمشروع «طريق التنمية» قائلاً في منشور على منصة «إكس» إن «هذا الطريق لا يزال مصدر قلق لنا، ما نريده (من الحكومة) دلائل لقطع الشك باليقين قبل الشروع بتنفيذه».
وفي مؤشر على المخاطر الأمنية التي تواجه الشركات الأجنبية في العراق تعرض حقل خورمور الغازي في إقليم كردستان، وهو أكبر حقل لإنتاج الغاز في العراق، إلى ثمان عمليات قصف بطائرات مسيرة مسلحة، ما تسبب بحدوث حرائق وسقوط ضحايا من دون إعلان الحكومة عن الجهة التي تقف وراء القصف. وقد أدانت دولة الإمارات التي تدير الحقل، بشدة الهجوم الإرهابي الذي استهدف حقل خورمور للغاز، ما أدى إلى مقتل أربعة عمال يمنيين فيه، كما أوقفت العمل في حقل الغاز لأيام قبل معاودة العمل فيه.
وقتها أعلنت وزارتا الكهرباء والثروات الطبيعية في حكومة إقليم كردستان عن تسبب استهداف حقل خورمور الغازي بفقدان في الطاقة الكهربائية، بنحو 2500 ميغاوات من الكهرباء.
وكان الخبير الاقتصادي الدكتور نبيل المرسومي، كتب في صفحته على «فيسبوك» بتاريخ 26/4/2024: «قصف حقل خورمور الغازي في كردستان، واغتيال ام فهد (فاشنست) في قلب بغداد، قوضت الجهود التي بذلتها الحكومة لتحسين البيئة الاستثمارية في العراق». وأشار إلى أن الهدف من الحوادث «إيصال رسائل سلبية بأن الاستثمار في العراق عالي المخاطر».

مشاكل شركة مطار بغداد

وغير بعيد عن هذا السياق وقعت منذ أيام أزمة بين الشركة العامة لإدارة المطارات والملاحة الجوية العراقية، وبين شركة «بزنس انتل» الكندية المكلفة بحماية مطار بغداد، وسط تبادل الاتهامات بوجود جهات سياسية تحمي فاسدين في الشركة.
وأعلن مدير الشركة الكندية حفيظ اوكي عبر قنوات عراقية، أن مدير فرعها العراقي في بغداد قام بسرقة أموال الشركة ورواتب موظفيها وطلب من الحكومة مساعدته على استعادتها.
وبدورها رفضت شركة إدارة المطارات الحكومية، في بيان «ما يثيره المدير المفوض لشركة (بزنس انتل) حفيظ اوكي من ادعاءات واهية في محاولته لإدخال الشركة في صراعه مع ممثل شركته في العراق». وتابع البيان: «ننفي ما جاء فيها من معلومات غير دقيقة تضر بسمعة مطار بغداد الدولي، ونحتفظ بحقنا القانوني في مقاضاة الشركة الكندية (بزنس انتل)».
قانون المثلية والاستثمار

وامتدت الرسائل السلبية المؤثرة على الاستثمار، إلى العديد من القرارات البرلمانية، ومنها إقرار مجلس النواب العراقي، مؤخرا قانونا يجرم البغاء والعلاقات المثلية، بضغط من الأحزاب الشيعية المحافظة، في خطوة قال البرلمان إنها تهدف إلى الحفاظ على القيم الدينية. وعقب القرار صدرت ردود افعال دولية غاضبة منها ما أصدرته الخارجية الأمريكية، والسفيرة الأمريكية في بغداد، إلينا رومانوسكي، الذين انتقدا بلهجة شديدة قانون مكافحة المثلية. وقالت الخارجية الأمريكية، «إن تشريع العراق لقانون يكافح المثلية الجنسية، سيضعف قدرة البلد على جذب الاستثمارات الأجنبية، ونموه الاقتصادي».
وكشف النائب المستقل، مصطفى سند، في تدوينة على منصة أكس، أن «الضغوط الّتي مارستها سفارات 16 دولة أوروبية، السفارة الأمريكية، على المشرع العراقي وعلى القيادات العراقية، لغرض عدم تشريع التعديل الأول الخاص بقانون مكافحة البغاء والشذوذ الجنسي».

الفوضى السياسية

ولم يستبعد المراقبون تأثير الفوضى والتوترات السياسية السائدة في العراق على حركة الاستثمارات الأجنبية في البلاد، ولعل أبرزها، الفوضى السياسية في البرلمان والصراع بين الأحزاب والمكونات على خلفية انتخاب رئيس للبرلمان، التي وصلت إلى حد الاشتباكات والضرب بين النواب. فيما اعتبر الكثيرون إصدار البرلمان «قانون عيد الغدير» مؤخرا، بدفع من أحزاب شيعية ومعارضة سنية وكردية، مؤشرا على عودة التوتر والتحشيد الطائفي وخلق المشاكل بين الطوائف وغياب التفاهم بين القوى السياسية.
ويبدو واضحا أن هذه الرسائل المتعددة ليست منفصلة عن بعضها، بل تؤكد وجود جهات سياسية تعرقل جهود الحكومة لتحقيق انجازات ومشاريع أو بناء علاقات وتهيئة بيئة صالحة للاستثمار، من خلال إظهار العراق أمام العالم بأنه بيئة غير مستقرة وغير مناسبة للاستثمار والتنمية وأن الحكومة لا تسيطر على الأوضاع الأمنية في البلاد.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية