بيروت-“القدس العربي”:يمكن القول إن الحركة السياسية انحسرت بشكل كبير في لبنان الأسبوع المنصرم وانحصرت في وداع كبير لبنان البطريرك الكاردينال مار نصر الله بطرس صفير الذي كما جمع القوى الاستقلالية ووفّر الغطاء لها في حياته، جمع تلك القوى ذاتها ومعها بعض الخصوم في مماته وعلى رأس هؤلاء الخصوم رئيس تيار المردة سليمان فرنجية الذي جلس جنباً إلى جنب مع رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع اللذين كانت تباعد بينهما حقبة طويلة من الصراع إثر حادثة إهدن في العام 1978.
وعلى الرغم من غياب المودّة بين التيار الوطني الحر والبطريرك صفير فقد حضر رئيس التيار الوزير جبران باسيل ومعه وزراء ونواب التيار فيما غاب الجمهور العوني عن الوداع الذي تقدّمه رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ومنح البطريرك الراحل وسام الاستحقاق الوطني من رتبة الوشاح الأكبر. وتوسّط عون رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي كان يمثّل المكوّن الشيعي في غياب حزب الله، فيما حضر رئيس الحكومة سعد الحريري على رأس وفد من تيار المستقبل بعدما اتخذ خطوة شجاعة بإقفال الإدارات العامة والمؤسسات، مستذكراً مسيرة الالتقاء على تحرير لبنان بين صفير ووالده الرئيس الشهيد رفيق الحريري.
أما الحضور الأكبر فكان لجمهور الجبل دروزاً ومسيحيين خصوصاً أن البطريرك صفير رعى مع الزعيم وليد جنبلاط المصالحة التاريخية في العام 2001 والتي أسّست للاستقلال الثاني في العام 2005 وخروج الجيش السوري من لبنان بعدما لاقى جنبلاط البطريرك الماروني إلى منتصف الطريق وطالب بإعادة تموضع القوات السورية، الأمر الذي عرّضه لأقسى حملة تخوين وتهديد، وجاء استشهاد الرئيس الحريري ليسرّع في خطوة انسحاب الجيش السوري، وهكذا يكون الجيش السوري الذي دخل على كمال جنبلاط خرج على دم رفيق الحريري.
أما اللافت في لقاء الوداع فهي كلمة البطريرك الماروني الحالي مار بشارة بطرس الراعي التي وضعت النقاط على الحروف، وأوجزت تاريخ البطريرك صفير ونضاله، وما تعرّض له على غرار أسلافه من مرارة الرفض والتهميش والإساءة والاعتداء الجسدي والمعنوي، بالإضافة إلى ويلات الحرب والضياع، وكيف كان للبطريركية قدوة في صبره وصمته وصلاته وغفرانه وقوله: “لن أكون الحلقة التي تنكسر”. وكان صفير يعني بعدم انكسار الحلقة أنه لن يقبل أن تتوقف في ولايته الحبرية أو تتراجع مسيرة البطاركة المجاهدين منذ نشوء أول كرسي بطريركي على يد مار يوحنا مارون قبل 1400 سنة بعد لجوء الموارنة إلى جبال لبنان ووادي قنوبين هرباً من الاضطهاد. ثم الأحداث الكبرى التي رافقت تاريخ الموارنة ومنها واقعة أميون في الكورة مع عسكر الروم بقيادة “موريق” و “موريقيان” وهزيمة الروم في العام 685 إلى استيلاء الروم على انطاكية وضفاف نهر العاصي في العام 969 حتى الانفصال النهائي بين الكنيستين اللاتينية والبيزنطية في العام 1054 إلى وصول الصليبيين إلى المشرق في العام 1097 وتبعها أول لقاء بين الموارنة والقاصد الرسولي في سنة 1139 الذي أسّس للدخول الماروني في طاعة روما سنة 1180 وما أعقبها من حملات للتركمان على الجبال التي يتحصّن فيها الموارنة في العام 1283 ثم إستيلاء المماليك على طرابلس عام 1289 وشنّ 3 حملات مملوكية على كسروان أعوام 1291 و1300 و1305 حتى ما يُعرَف بنكبة ميفوق عام 1440 على يد المماليك وقيام البطريركية في قنوبين.
وهكذا وعلى غرار أسلافه البطاركة، سعى البطريرك صفير إلى ملء الفراغ السياسي الذي تكرّس باعتقال قائد القوات اللبنانية سمير جعجع ونفي العماد ميشال عون وملاحقة الناشطين المسيحيين، فبدأ حفر الجبل بإبرة وصمد على صخرة الرجاء، مجاهداً من أجل تحرير أرض لبنان من كل احتلال ووجود عسكري غريب.
وكان لافتاً كلام البطريرك الراعي عن سلفه أنه “بطريرك لن يتكرّر” غامزاً من قناة من يستقوون بالسلاح والصواريخ بقوله عن صفير الكل يجمع على أنه “خسارة وطنية”. ورأوا فيه “بطريرك الاستقلال الثاني، والبطريرك الذي من حديد وقدّ من صخر، وبطريرك المصالحة الوطنية، والبطريرك الذي لا يتكرر، المناضل والمقاوم من دون سلاح وسيف وصاروخ، وصمام الأمان لبقاء الوطن، وضمانة لاستمرار الشعب، وكجبل لا تهزه ريح، أمديحاً كانت أم تجريحاً أم رفضاً أم انتقاداً لاذعاً. فكان في كل ذلك يزداد صلابة، على شبه شجرة الأرز التي تنمو وتقوى وتتصلب بمقدار ما تعصف الرياح بها وتتراكم الثلوج على أغصانها”.
ويؤشر كلام البطريرك الراعي إلى أنه سيسير على خطى سلفه وأنه لن يسمح أيضاً بأن يكون الحلقة التي تنكسر.