«رسائل حب ليست من هذا العصر»: كتاب يوثق مرحلة تاريخية بفضل مكاتبات شخصية

وديع عواودة
حجم الخط
0

الناصرة ـ «القدس العربي»: يقدم كتاب جديد صدر في الناصرة داخل أراضي 48 نموذجا عن توثيق مرحلة تاريخية من الناحية الاجتماعية بالأساس، استنادا لمكاتبات شخصية تبادلها عاشقان. وحول هذه الرسائل عقدت ندوة إشهار كتاب في هذا المضمار بعنوان «رسائل حب ليست من هذا العصر» تمت برعاية مركز بيت الذاكرة والتراث للأبحاث والتوثيق في مدينة الناصرة داخل أراضي 48. وبحثت الندوة الكتاب الذي جمعته الكاتبة رنا أبو حنا، وقدمت فيه رسائل أرسلها والدها المحامي أنيس أبو حنا إلى والدتها جوليا «جوجو» عازر بين السنوات 1956 حتى 1961. جرت الندوة بحضور المحتفى بها السيدة جوليا عازر أبو حنا في المكان نفسه الذي استلمت فيه هذه المراسلات في بيت عائلتها التابع لفوزي عازر، وهو بيت فلسطيني تاريخي وفخم داخل سوق الناصرة القديم.

تخلل الندوة عرض فيلم قصير تم إعداده خصيصًا لهذه المناسبة، بعد تجميعه من مقابلة مطولة أجريت مع جوليا عازر أبو حنا لتكون بمثابة شهادة شفوية لها، ومن ثم استعرض المؤرخ مصطفى كبها رئيس مركز بيت الذاكرة والتراث للأبحاث والتوثيق، حيثيات تأسيس المركز وعمله بالتوثيق الشفوي، وما يحمله هذا الكتاب من مواد تاريخية من شأنها أن تسترجعَ سياقَ السنوات التي كُتبت فيها. لافتا للقيمة المهمة لمثل هذه الرسائل كواحد من مصادر التاريخ الاجتماعي في فلسطين، خلال العصر الحديث. كما تطرق الأديب محمد علي طه للرسائل وأهميتها في سياق تلك الفترة، مع الإشارة إلى الرسائل المتبادلة، بين من أطلق عليهما شطري البرتقالة الفلسطينية الشاعرين الراحلين محمود درويش وسميح القاسم. وقدّم باسيلا بواردي، وهو محاضر في اللغة العربية حول الأدب الحديث، مداخلة حول أدب الرسائل والبوح في إطار ثقافة البوح، مشيرًا إلى القيم التي برزت من خلال تلك الرسائل، وما تحمله من دلالات متعلقة بكاتبها المحامي أنيس أبو حنا.
من جهتها تناولت الكاتبة رنا أبو حنا عن هذه التجربة الشخصية وأثر نشر رسائل هذا الحب الكبير الذي جمع والديها. كما استعرضت أبو حنا بعضًا من صور العائلة وأبرز رسائل الكتاب، وقدمت شرحا لدلالاتها في سياق تلك الفترة الزمنية.

هذا مزح يا جوجو ولا تزعلي على أخيك أنيس وسامحيه دائما فالعمر طويل.. وما أكثر ما سنسامح بعضنا فيه لأن الإنسان يخطئ دائما. جوجو جوليا جوجو.. ما أطيب هذا الاسم والله لو ناديتك آلاف المرات في رسائلي لا أمّل».

ويتضمن الكتاب مقدمة للأديب حنا أبو حنا يقول فيها «في الشعر العربي الموروث تيار حمل اسم «الحب العذري» و«الغزل العذري» ولعل هذا البيت من شعر قيس بن الملوح يرتسم عاليا على لواء هذا الغزل :
أقلب طرفي في السماء لعله… يوافق طرفها حين تنظر
أما هذا الكتاب ففيه رحلة فواحة العطر بالعذوبة والعشق، أما المحبوبة هنا فهي «الأخت» و«العزيزة» وهي «الشقيقة» و«أختي الحبيبة». يسعى الحبيبان إلى تتويج الصلة بذروة الحب: الزواج، لكن في الأجواء غيوما تهدد المصير. هذا الحب راسخ عميق الجذور في القلبين، ويبني كل من العاشقين لضمان حياة كريمة. يبني كل واحد منطلقا كريما، ورغم الظروف السياسية الطارئة في ذاك العهد.. كان لابد من ثقافة تضمن العمل الكريم وبناء العائلة الحبيبة في أحضان والدين مخلصين تفتح أمامهما أبواب الكرامة. ويستطيع القارئ أن يتأمل كيف سعت الابنة رنا عند أمها بحنان ومحبة لتفتح «مخبأ» رسائل من أصبحا والديها… وعندما أصبحت الرسائل في يديها قالت: «إنها قصة حب كريم تحدى وأفلح.. هي قصة حقيقية ترويها رسائل عاطرة بالإخلاص والصمود حيال كل تهديد فكان هذا الكتاب».

رسالة

في رسالة معنونة بتاريخ 20.05.1957 يقول كاتبها أنيس أبو حنا من مكان دراسته الجامعة في مدينة القدس لحبيبته في مدينة الناصرة «أكتب لك والساعة تقارب الـ11:30 من صباح الأربعاء ولشد ما يؤسفني أنني لم أف بالوعد، وأكتب لك بالأمس تماما حال وصولي. فاعذروني يا جوجو وأنا أعرف أنك تسامحين شخصا أصبح لا يعرف من بهجة الدنيا سواك. وأصبحت أنت كل شيء في حياته.. بجمالك ووداعتك وإخلاصك ورقة قلبك وطهارتك». ويستنتج من هذه الرسالة أن الحبيبة ليست معجبة باسمها فيحاول حبيبها التخفيف عنها بالقول في رسالته «اسمعي كنت أفكّر بالأمس لماذا تبغضين هذا الاسم؟ مع أن هناك شخصيتين عظيمتين في الناصرة تسميان به، وإذا لم تعرفينهما فاسألي عنهما: جوليا جبور وجوليا حداد. هذا مزح يا جوجو ولا تزعلي على أخيك أنيس وسامحيه دائما فالعمر طويل.. وما أكثر ما سنسامح بعضنا فيه لأن الإنسان يخطئ دائما. جوجو جوليا جوجو.. ما أطيب هذا الاسم والله لو ناديتك آلاف المرات في رسائلي لا أمّل». الكاتب أبو حنا الذي يختتم رسائله دوما بتوقيع «واسلمي لأخيك المشتاق- أنيس» يبوح عن لوعته وحبّه الذي يشغله ليل نهار بالقول في رسالته: «هل استطعت أن تعدّين المرات التي مررت بها من تحت بيتكم خلال الأشهر الماضية ؟ هل تستطيعين أن تعدّين المرات التي قمت فيها مبكرا حتى أستطيع أن أراك قبل سفرك إلى المدرسة؟ كل هذا من أجل الحب، وطبعا من كان لهذه الدرجة يحبك فلا مجال إلا سيفوز بما يريد، خصوصا إن كنت مثله وبمثل درجة حبه. أنا لا أعرف الدوافع التي تجعلني كل يوم به كل ساعة أحّن إلى الناصرة ؟ قد يكون لأنني أحب!
من جهتها تقول الكاتبة ابنة العاشقين إن رسائل والدتها قد ضاعت ولم يتبق سوى رسائل والدها، التي بلغت بمجملها الموجودة والمفقودة 126 رسالة في فترة لم يكن الاتصال متاحا ســـوى برسالة خطية «أمي جوليا فوزي عازر الابنة البكر لعائلة نصراوية منعمة. فرضت نفسها على الحياة بتواضعها وأصالتها وفيض محبتها وتفاني إخلاصها وذوقها الرفيع وأناقتها الفائقة».
وعن والدها تقول إن أنيس الأديب والكاتب والناقد حمل بين جنبيه قلب شاعر طرب للشعر والشعراء». وعما قامت به وهي معجبة بحب والديها تقول «ها أنا حصيلة هذا الحب.. أقدم مختارات من مجموعة الرسائل، حسب تسلسلها الزمني. عالمة حق العلم أن ما فيها من صراحة سيرضي البعض ويدهش الكثيرين! لكنها صراحة لا اتخلى عنها فلولاها ما كان هذا الكتاب أصلا فوالدي هو الذي وصف حياته في تلك الرسائل التي حّملها أجمل ما في حياته ألا وهو الحبّ».

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية