رسائل دبلوماسية متبادلة حول شرق المتوسط… نوايا صادقة أم مناورات خادعة؟

إسماعيل جمال
حجم الخط
0

إسطنبول ـ «القدس العربي»: أطلقت كل من فرنسا واليونان وتركيا دعوات علنية أكدت من خلالها التزامها بالحوار والدبلوماسية من أجل تخفيف التوتر وحل النزاع المتصاعد شرق البحر المتوسط، وذلك قبيل أيام من القمة الأوروبية المقررة لمناقشة الأزمة وسط شكوك حول صدق نوايا كافة الأطراف، وما إن كان ما يجري توجهاً حقيقياً للدبلوماسية أم أنه مجرد «مناورات خادعة» لتحقيق أهداف مختلفة خاصة بكل طرف.
وبعد أن وصل التصعيد ذروته قبل أيام في شرق البحر المتوسط، بدأت الأزمة تهدأ تدريجياً وبشكل خاص بعدما سحبت تركيا سفينة «أوروتش رئيس» من مهمتها للتنقيب في منطقة متنازع عليها مع اليونان في شرق البحر المتوسط، وهي ما اعتبرت بمثابة «بادرة حسن نية» لإثبات رغبة أنقرة في الحوار والدبلوماسية للوصول إلى حل للأزمة ومنع انزلاقها إلى مواجهة عسكرية خطيرة.
وبعد أن كانت تركيا تصر على أنها لم تتراجع على الإطلاق وأن سحب سفينة أوروتش رئيس «ليس تراجعاً» وإنما للصيانة وتبديل الطاقم فقط، قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إن هذه الخطوة يمكن اعتبارها بادرة حسن نية وتأكيد للرغبة التركية في الحوار، داعياً الأطراف الأخرى إلى استغلال هذه البادرة، في حين طلب مسؤولون أتراك آخرون من اليونان بالقيام بخطوات مماثلة لتأكيد رغبتها في الحوار. وفي المقابل، عبرت اليونان، على لسان رئيس وزرائها، عن ارتياحها للخطوة التركية، لكنها طالبت بمزيد من الخطوات التركية، ووضعت شروطاً، وهو ما رفضته أنقرة التي لوحت مجدداً بعودة سفينة أوروتش رئيس إلى مهمتها قريباً. وفي حين، تحدثت وسائل إعلام عن وجود اتصالات بين مستشاري أردوغان ورئيس الوزراء اليوناني، أكد أردوغان أنه لا يمانع لقاء رئيس الوزراء اليوناني لبحث الأزمة بين البلدين.
وبالتزامن مع ذلك، كان تجري سلسلة اجتماعات بين وفود عسكرية تقنية من الجانبين التركي واليوناني داخل المقر الرئيسي لحلف شمال الأطلسي (الناتو) في بروكسل، وعقب 4 اجتماعات متتالية، اتهمت أنقرة أثينا بإفشال الاجتماعات دون الكشف عن تفاصيل ما جرى في هذه الاجتماعات التي لم تكن تناقش حل الأزمة العالقة بين البلدين، وإنما تعزيز قنوات التنسيق لمنع حصول احتكاك أو صدام عسكري بين البلدين في ظل الانتشار العسكري الواسع شرق المتوسط.

خطابات إيجابية من تركيا واليونان وفرنسا قبيل القمة الأوروبية

وفي السياق ذاته أيضاً، جرى اجتماع موسع عبر تقنية «الفيديو كونفرنس» بين أردوغان والمستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، في إطار جهود الوساطة الألمانية لخفض التصعيد شرق المتوسط قبيل انعقاد القمة الأوروبية المقبلة، ورغم شخص المعلومات عن التفاصيل الدقيقة لما جرى في الاجتماع إلا أن الموقف الرسمي التركي لم يتغير بالتأكيد على أن أنقرة «تؤيد الحوار ولن تقدم أي تنازلات عن حقوقها».
وإلى جانب الوساطة الألمانية التي عقدت عليها الآمال بتخفيف التوتر بين تركيا وفرنسا بدرجة أساسية لتفادي صدام أوروبي تركي في حال فرض عقوبات أوروبية كما تريد باريس، ظهرت بوادر لتخفيف التوتر بين باريس وأنقرة عقب رسائل متبادلة بين ماكرون وأردوغان عبر «تويتر». حيث كتب ماكرون على حسابه على «تويتر» باللغة التركية: «في أجاكسيو، أرسلنا رسالة واضحة إلى تركيا: دعونا نعيد فتح حوار مسؤول بحسن نية ودون سذاجة. هذه الدعوة هي الآن أيضاً دعوة البرلمان الأوروبي. يبدو أنه تم سماعها. دعونا نمضي قدماً» في رسالة اعتبرت بمثابة دعوة مفتوحة للحوار وتخفيف في حدة الخطاب الفرنسي الحاد ضد تركيا طوال الأسابيع الماضية.
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لم يتأخر بالرد وعبر «تويتر» أيضاً، حيث كتب: «نعتزم الاستماع إلى كل دعوة صادقة، وإعطاء الدبلوماسية أكبر مساحة ممكنة، وحل المشكلات التي يمكن أن يكون فيها الجميع رابحاً من خلال الحوار» مستدركاً: «سنواصل الدفاع حتى النهاية عن كل قطرة ماء وشبر أرض من بلادنا».
هذه الإشارات الإيجابية وتخفيف حدة الخطابات النارية التي اشتعلت بين أطراف النزاع الأساسية الثلاثة (تركيا واليونان وفرنسا) بالإضافة إلى تواصل الوساطة الألمانية وعقد سلسلة اجتماعات بين العسكريين الأتراك واليونانيين في إطار الناتو، يعطي فرصة حقيقية للتأسيس لحوار بين كافة الأطراف، حيث يرجح أن يكون الجميع قد وصل إلى قناعة بأن التصعيد العسكري لن يخدم أي طرف وأن أي صدام ستكون نتائجه كارثية على الجميع.
إلا أن ذلك لا يمكن أن يكشف النوايا الحقيقية لكافة الأطراف، فبينما تعتقد أطراف أوروبية أن تركيا تناور بخفض التصعيد لتجنب عقوبات أوروبية في القمة المقبلة قبل أن تستأنف عمليات التنقيب مجدداً بعد القمة، يشكك الأتراك في نوايا فرنسا واليونان في الحوار واعتبارهم أن الرغبة التركية بالحوار خوفاً من العقوبات والتهديدات العسكرية، وبالتالي تبقى نتائج القمة الأوروبية أكبر مؤشر على ما إن كانت دعوات الحوار وخفض التصعيد نابعة من «نوايا حقيقية» أم مجرد «مناورات خادعة» من كافة الأطراف.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية