من أين يؤتى إلى هذا الكتاب، وكيف تولج أبوابه؟ هل يقرأ على نفس واحد لاستعجال الوصول إلى لبّ موضوعه… أم يقرأ منجّما كما أصدره صاحبه تباعا على الفيسبوك؟
هل يقرأ مفصولا عن أحداث معيّنة وأحوال متقلّبة مرّ بها الوطن في عامه الثاني بعد الثّورة ، أم لا بدّ من تنزيله في صميمها واعتبارها الموحية به ،الدّافعة إلى كتابته؟
هل هو وحدة واحدة لا يفهم آخره إلاّ بإدراك معانيه الأوائل، أم هو أشتات مواضيع وأفكار لا رابط بينها إلاّ وحدة المخاطب وعزم الكاتب على إقناعه وردعه، وإيقاظ حسّه الوطني؟
هل هذا كتاب يمسك فلا يترك إلاّ بعد آخر صفحة، أم هو من نوع ما يوضع قرب اليد ويرجع إليه للردّ على الأسئلة الحائرة؟ من أيّ الأصناف هو … أدبيّ تروى فيه قصص الجاحظ عن بخلائه، وتحلّل قصائد أبي القاسم الشابّي وبعض الشّعر الجاهليّ؟ أو هو سياسيّ يشرح آراء تشومسكي تارة ويطالب بالحكم الرّشيد ويناقش سياسات الحكومة ويفضح أخطاءها تارة أخرى؟ أو هو تاريخي يحلّل آراء ابن خلدون في العدل و العمران البشريّ ويؤكّد راهنيّتها؟ أو هو اجتماعي يبحث في الارتقاء الأخلاقي والصّراع الطّبقي؟ أو هو تربويّ يذكّرنا بإفلاس مدارسنا وضيق آفاقها؟… إنّه كلّ ذلك، ولك أن تأتيه من أيّ ناحية فلا يتعسّر عليك فهمه ولا تفوتك معانيه، بل إنّ صياغته الأدبيّة ولغته الرّاقية وعباراته المهذّبة تضاعف متعتك فتجعلها ذوقيّة وذهنيّة في آن معا. على أنّك ستجد هدف الكاتب الرئيسي في صفحة 15 ملخّصا بقوله: ‘غاية الرّسائل هي توطين الحوار الاجتماعيّ السّلميّ المدنيّ، وتخفيف حدّة التوتّر والاستقطاب السياسيّ العنيف، والتّنبيه إلى خطورة اللّعب بالنّار’.
اخترت دخول الكتاب باستيحاء صورة غلافه الحاملة لمعاني المفاتحة والمصارحة والبوح بما في مكنون النفس. فالرّسائل المنقوش اسمها على احمرار القلب الضّائق بأحزانه خير دليل على أنّها رسائل بوح ومكاشفة من قلب قرّر هتك أستاره، فأنت تراها في الصّورة مزقا كورق مهترئ جذبته يد عصبيّة إلى كلّ الجهات ليخرج المكنون صريحا واضحا، رفيقا أو عنيفا، لكن مباشرا بلا مواربة أو زيف، يشرح به الكاتب لرفيقه طريقته وأدواته: ‘أدواتي في محاورة الحياة أفضل من أدواتك؛ أدواتي هي الحبّ والفنّ والفكر والتّمدّن'( صفحة 95)، داعيا إيّاه إلى الكفّ عن صلفه وعناده واغتراره بقوّته وبقدرته على العيش وحده، ومناديا: ‘عد إلينا أيها الرّفيق عد…’ أو: ‘تعال نشرب قهوة.’
واجتزت العتبة الأولى إلى التّقديم أستقصيه وأبحث عن منافذ إلى محتوى الكتاب، فوجدته يصفه بأنّه نوع من ‘التّشقيق المتالغوي’ لما قاله الشّعب يوم طرد بن علي، صيغ في قوالب أدبية وفكريّة وفنّيّة وثقافية عامّة، فهو، إذن، استجابة لمطالب الثّورة، وصدى لشعارات جموعها الغاضبة. ولكنّ أشجار الثّورة قذفت من بين ما قذفت بعض حصرم وحنظل وأنواعا من الثّمر الفاسد العفن، فتشوّه المشهد العامّ في البلاد، وزاد في قذاه وفوضاه ما انتشر في المدن من فرق العنف تجبر المجتمع على تغيير ما ألف من أنماط عيش، وما استأنس به من أمور دينه ودنياه… ثمّ لمّا كان في أساليب هذا الرّهط من النّاس غلظة واستكبار وأمثلة سيّئة تنفّر عوض أن تبشّر … تساءل شعب تونس عن مصير مطالبه في الحريّة والكرامة التي كانت شعار ثورته الأوّل والأهمّ؟ وأدرك أنّ زارعي تلك الفوضى هم السّلفيّون الخارجون حديثا من السّجن، صعد أولياؤهم وحماتهم إلى سدّة الحكم، فاستقووا واجترأوا على القانون بفرض أحكامهم ونمط حياتهم على المواطنين برضى الحكّام وتباريكهم، والكاتب واثق من ذلك الرّضى والتّبريك إذ يتّهم رفيقه السّلفيّ بصراحة ووضوح ويحذّره ‘بما أنّ أجهزة الدّولة تتواطأ معك، وتبسط يدك فينا فإنّك تقودنا إلى آت مرعب مهول، تقودنا إلى الحرب الأهليّة’ (ص135)، فتساءل النّاس من جديد : هل نزعوا استبدادا ليخضعوا إلى آخر غيره؟
وعلم الناس أيضا أنّ الفائزين في انتخابات التّأسيسي لا قدرة لهم على دفع عجلة النموّ، وأنّ الحكّام الجدد لا يملكون ألمعيّة أهل الذّكاء ولا حنكة أهل الدّربة، وأنهمّ يرتجلون أمورهم يوما بيوم دون استشراف للمستقبل أو تفكير في الغد. في حقل الحسك والشّوك والنّبات الطفيليّ المحاط بالإهمال المعمّم هذا، خرج السّلفيّ في قوافل وأسراب بقيافات أفغانيّة ولحى كهوفيّة وشرع ‘يحتطب’ حيث يتوفّر الحطب، ويرعى حيث يستطيب المرعى، مصحوبا بهياج وصيحات حرب تخيف وترعب وذلك مطلبه وبغيته، حتّى وإن ادّعى السّعي إلى الهداية وفعل الخير. والنّاس إذ شاهدوا غزوات هذه الفرق للأماكن السّياحية ومعاقل العلم، ورأوا عدوان أفرادها على من لا يعجبهم حاله، حاولوا الاستغاثة بالسّلطة فما استطاعت أو ما أرادت- وكيف لها ذلك والأمر كما يخاطب الكاتب رفيقه السّلفيّ: ‘تريد منك حليفتك النّهضة أن تكون أداتها في تأمين المصلحة الأميركيّة في تعطيل نشأة الدّيموقراطيّة بيننا، يعني تضربك بيدك’ (ص 45). تريد ‘أن تجعلكم عصاها التي تضربنا بها، وستكونون حطبا لنارها الحارقة’ (ص20) ولكنّ الأمر تجاوز حدّه بحرق السفارة الأميركيّة، عندها فاضت الكأس، وأسقطت الرّيح ورق التّوت.
طالبت أصوات كثيرة في خضمّ هذا الصّراع بردع الفئات السّلفيّة العنيفة وإخضاعها إلى ضوابط القانون، فاضطرّت الحكومة إلى شدّة تحاشتها طويلا، حتى إذ لم يعد لها منها هروب نفّذتها ولكن أسوأ تنفيذ يشرح لنا المؤلف بعض ملامحه في فصل بعنوان : ‘من سرق منّا محمد بختي وبشير القلّي؟’ (ص91) وهما السّلفيّان المنتحران جوعا في سجن المرناقيّة.
من بين الأصوات التي سمعناها – والمعمعة على أشدّها – صوت مثقّف وناشط سياسيّ هو مصطفى القلعي الذي اختار لنفسه طريقا فريدا للتعامل مع رمز ‘السّلفي’ المشتهر بالتّعنّت والعناد والشّدّة، والمختلف عنه ظاهرا وباطنا، اختلافا لم يمنعه من الاقتراب منه واعتباره ‘رفيقا’ له سواء على المستوى الإنساني أو الوطني، أو في حبّ الخير والسّعي إليه، حتى وإن اختلفت سبيل كليهما، وشطّت طرائق تفكيرهما، مراهنا أنّ ‘في السّلفيّة علامات مضيئة عندما تلقي عصيّها وتترك سواطيرها وخناجرها التي تشهرها في وجه الشّعب التونسي’ (ص11). وزاد في موقع آخر شرط التخلّص من مؤجّريها ومحرّضيها.
لقد لاحظ صاحب هذا الكتاب من خلال مراقبته لما يجري أنّ ‘الانتهازيّة السّياسيّة بكلّ وجوهها تحرّض وتشحن ، والسّلفيّ ينفعل وينفّد، ونحن نشتم وندين ونستفظع.’ ومن ثمّ تساءل:’ ألا يمكن أن تكون في السّلفيّة علامات إيجابيّة ؟’ وبحث عن الجواب فظهرت له بوارق أمل ضئيلة، فشاء استغلالها بطريقة طريفة مجيبا على سؤاله السّابق:’ ألا يمكنني إكساء السّلفيّ بعدا رمزيّا أخاطب بواسطته ذاتا معنويّة أترفّق بها وأهديها إلى التّخلّص ممّن غرّروا بها وسمّموا منها العقل والرّوح.؟’
في تلك الظّروف، بدأت ‘رسائل إلى رفيقي السّلفي’ تنزل تباعا على شبكة التّواصل الاجتماعي مسايرة للأحوال الجارية مدّة قصيرة لكن مكثّفة- كشّرت فيها الفتنة عن أنيابها وظهرت بوادر التّمزّق والتّشرذم في المجتمع واضحة بجلاء، فقال الكاتب لنفسه: ‘لا وقت للفرجة… لا وقت للحياد… لا وقت للوقوف خلف النّافذة’ وما الدّافع الأوّل والأخير إلاّ إصلاح المجتمع الذي ليس لنا غيره كما قال بما أنّنا لا ننوي الارتحال عنه.
لم نجد مصطفى القلعي النّاشط اليساري ينسى في لحظة من اللحظات خلفيّته الإيديولوجيّة التي تتعارض كلّيّا مع خلفيّة رفيقه الإيمانيّة المتصلّبة، ولكنّه لا يصدمه بها ولا ينفّره أو يفقده اطمئنانه إليه. لذا تحلّى أسلوبه مع محاوره برهافة أخلاقيّة عالية وحسّ إنسانيّ مدنيّ واضح تتجلّى بعض تعبيراته في مثل قوله ‘ تمدّن يا رفيقي تمدّن ولن يعتب عليك أحد’ (ص69)، ‘تعقّل يا رفيقي واقرأ الشابّي كثيرا'(ص58)، أو في مثل هذا العتاب الخفيف:’ لم أرك في سليانة ولا في القصرين…أنت، يارفيقي، تكون حيث لا يكون الشّعب، أنت تصارع من أجل ما لا يصارع الشعب من أجله’ (ص119).
كان الأستاذ مصطفى القلعي مهادنا في خطابه، غير غضوب في مناقشة ذلك ‘المختلف’ العدواني المتطاول، فما جابهه مرّة بنفس طريقته، بل ظلّ يدعوه ‘رفيقي’ ويكرّر النّداء في بداية كلّ فقرة، ويحاججه مراوحا بين النّصح والتودّد والعتاب والتّلقين، حتّى لكأنّه يستمرئ ما يفعل مع ‘رفيقه’ فيتحدّث ويطيل الحديث، بينما تنداح تحت قلمه الأفكار والأطروحات في شتّى الميادين، ممّا كان لنا منه زخم فكريّ وفلسفيّ ونقديّ وتاريخيّ وسياسيّ انتفعنا به نحن معشر القرّاء قبل أن ينتفع به الرّفيق السّلفي، ولعلّنا كنّا وحدنا الفائزين.
مصطفى القلعي :رسائل إلى رفيقي السّلفيّ، صامد للنشر والتّوزيع، صفاقس، 2013.