شحاتة عوض إنها ثورتكم أيها المصريون فلا تدعوها تفلت من بين أيديكم تحت وطأة حملات الترويع والتشويه والتخوين التي يمارسها بقايا نظام مبارك.. إنها ثورتكم التي أعدتم خلالها إكتشاف أنفسكم وعدتم مرة آخرى للتاريخ بعد أن حاولت دولة المماليك واللصوص إخراجكم منه، فعَضّوا عليها بالنواجز وتمسكوا بها وبإستكمال أهدافها مهما كان الثمن.. إنها فرصتكم الثمينة فلا تضيعوها فهي وسيلتكم الوحيدة للخروج من هذا الركام الذي خّلفه النظام الساقط، إلى حياة رحبة جديدة ونظام جديد ومصر جديدة يسودها العدل والقانون والكرامة والعدالة الاجتماعية وغير ذلك من القيم الجميلة التي غيّبها الديكتاتور وعصابته الفاسدة على مدى عقود.. هذه كانت الرسالة الجامعة المانعة الواضحة الجلية المجلجلة التي أراد ملايين المحتشدين والمحتجين والمحتفلين في ميدان التحرير وغيره من ميادين الحرية بطول مصر وعرضها، أن يوصلوها لكل من له عينان ولسان وشفتان وإذنان في الذكرى الأولى لانطلاقة ثورة الخامس والعشرين من يناير. وبالقدرالذي إستعاد المصريون بهذا المشهد الرائع، روح ثورتهم التي حاول البعض إختطافها وخنقها وأكدوا أن ثورتهم لابد أن تنتصر مهما كانت العقبات، فان هذا الخروج الحاشد لهذه الموجات الهائلة الى الشوارع والميادين إحتفاء بالثورة وذكرى إنطلاقتها وعرفانا لشهدائها وجرحاها الشجعان، حمل رسائل جلية وواضحة لأطراف المشهد السياسي كافة بأن الثورة لاتزال مستمرة في الميادين والشوارع وأنها لن تتوقف أو تهدأ حتى تستكمل رحلتها، وأن شرعية الثورة تعلو على ما عداها، وأن أحدا مهما كانت قوته لن يطفىء نورها الذي جاء ليخرج مصر من ظلمات الفساد والإستبداد الى شمس الحرية والعدل، ويعيد إليها مكانتها وهيبتها التي فرط فيها حاكم بائس الخيال ضعيف الهمة. من بين هذه الملايين من جاء محتفلا بالثورة وما حققته من مكاسب ومنهم من جاء محتجا وغاضبا لأن الثورة لم تحقق أهدافها، لكن الجميع كانوا على قلب رجل واحد في التأكيد على أن الثورة لابد أن تستمر حتى إستكمال الأهداف كاملة غير منقوصة، وفي هذا المشهد كانت الرسالة الأولى برسم المجلس العسكري ومؤيديه لتؤكد أن ما جرى يوم الخامس العشرين من يناير الماضي لم يكن مؤامرة خارجية كما زعم البعض، أو زوبعة في فنجان سرعان ما تتبدد أو أنها إنتفاضة شعبية يمكن أحتواؤها ببعض الخطوات والقرارات الشكلية أو بضرب بعض رموزها وتشويه صورتهم لدى الرأي العام. كما أنها لم تكن إنقلابا عسكريا أمتطى صهوة الجماهير الغاضبة للاطاحة برأس النظام من أجل الحفاظ على باقي النظام وإعادة إنتاجه مرة آخرى تريدون.. لم تكن ذلك كله بل كانت ثورة شعبية حقيقية بصناعة مصرية خالصة شارك فيها المصريون جميعا بكل فئاتهم وطبقاتهم وأطيافهم رافعين مطالب وأهداف واضحة بالعيش والحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية ودولة القانون. إنها ثورة لن تهدأ نارها ولن تخبو جذوتها مالم تحقق غاياتها في كنس النظام القديم وتفكيك بنيته وبناء نظام جديد تماما، وأن كل مخططات الترويع والتخويف التي حاول البعض نشرها في ربوع مصر على مدى أسابيع سبقت حلول الذكرى الاولى لها والحديث عن مخطط إحراق مصر وهدم الدولة المصرية، كان كذبة كبرى لم تنطل على أحد وكان خروج هذه الملايين الهادرة صفعة على وجه كل من روج لهذه الأكاذيب والأراجيف التي لم تكن سوى محاولة يائسة للوقوف في وجه هذه الثورة الجارفة.
رسالة آخرى كانت إلى القوى السياسية وعلى رأسها التيارات الدينية التي حققت فوزا كاسحا في الإنتخابات البرلمانية الأخيرة والتي بدورها كانت ثمرة من ثمار الثورة، ومفادها أن الشعب هو السيد وصاحب الشرعية الوحيد، وأن شرعية البرلمان الذي يهيمنون عليه مستمدة من شرعية الميدان الذي لولاه ما كانوا الآن تحت قبة البرلمان يحكمون ويتحكمون، وأن الشعب وإن كان إختارهم ليكونوا نوابه وممثليه فان هذا الاختيار لن يكون صكا على بياض سواء لهم أو لغيرهم، وأن ذلك سيبقى مشروطا بمدى قدرتهم على التعبير عن مصالح هذا الشعب وأحلامه وآماله وبقدر إيمانهم وإلتزامهم باستكمال ثورته وأهدافها. لقد جاءت هذه الرسالة لتؤكد أن على هذه القوى أن تراجع مواقفها وخطابها عن أن الشرعية الوحيدة الآن هي شرعية البرلمان، بعد أن جاء رد الشارع سريعا بأن الشرعية لاتزال في الميدان الذي سيبقى الحارس الأمين على أهداف الثورة والرقيب على أداء البرلمان ومدى التزامه بتلك الأهداف. ليس في ذلك دعوة للصدام بين البرلمان والميدان بقدر ما هو حث على التكامل بين الشرعيتين وبأن البرلمان يبقى معبرا عن المصريين بقدرما كانت أحلامهم وآمالهم هي جدول أعماله وهمه الأول والأخير. وفي ظني أن الرسالة قد وصلت بكل وضوح إلى من يهمه الأمر وقد ظهر ذلك جليا في تصريحات وكلمات قادة البرلمان الجدد سواء تحت قبته او خارجها. ويبقى البناء على ذلك عبر التلاحم والتعاون بين الطرفين لاستكمال اهداف الثورة وذلك لن يتحقق إلا إذا أدرك نواب البرلمان أن المهمة التي تواجههم لتحقيق تطلعات المصريين، بالغة الصعوبة وتحتاج لتضافر الشارع واحتضانه لهم، وهذا لن يتحقق مالم يحتضن النواب ما ينادي به الشارع الثائر من أهداف ومطالب. لقد أثبت المصريون بهذا المشهد الرائع والمهيب في ميادين مصر كلها، أنهم أكثر وعيا ويقظة من كثيرين من من بعض المثقفين وغيرهم من هذا الصنف المنعزل من النخبة المتكلسة، والذين نالهم نصيب من رسائل الميدان.
فهذا الالتفاف الجماهيري الحاشد حول الثورة وأهدافها لم يكن رسالة بقدر ما كان درسا وصفعة على وجوه بعض مدعي الثقافة الذين لا يجيدون سوى الاستعلاء على الشعب المصري والسخرية منه ومن إختياراته، فهذا الشعب العظيم الذي صنع أهم ثورة في التاريخ كما قالوا قبل شهور، تحول بين ليلة وضحاها، من وجهة نظرهم أيضا، الى شعب جاهل يعاني الامية والفقر وقلة الوعي حين صّوت في الانتخابات الأخيرة لصالح تيار سياسي بعينه. لكن هذا الشعب الذي شكك هولاء في قدرته على الأختيار، أثبت حين خرج بهذه الملايين الهادرة إلى الشوارع للدفاع عن ثورته من محاولات الاختطاف والسرقة أنه يملك من الوعي والذكاء أكثر مما لدى هولاء المتثاقفين، وأنه قادر على التمييز والفرز بين صادق القول وكاذبه، وأنه إن كان صّوت لتيار ما في الإنتخابات فهذا لا يعني تفويضا مطلقا لهذا الطرف أو ذاك وأن المعيار عنده يبقى قدرة هذا الطرف على الالتزام بالدفاع عن أحلامه وتطلعاته. ولعل في ذلك الدرس ما يحتم على بعض أفراد النخبة المصرية الذين مازالوا يعيشون ويفكرون بعقلية ما قبل الثورة، ان يعيدوا النظر في نظرتهم للشعب وفي طريقتة تفكيرهم برمتها قبل أن يجدوا أنفسهم أمام خطر الانقراض. أما الثوار المخلصون لثورتهم القابضون على لحظتهم الثورية رغم كل صنوف التشويه والتحريض والتخوين التي مورست ضدهم، فانه بقدر ما كان هذا المشهد المهيب لملايين المصريين في الميادين أبلغ دليل على صواب موقفهم و صحة رؤيتهم وصدق حدسهم وما يملكونه من جسارة و إرادة ونبالة في المقاصد، فان هذه الحشود الهادرة كانت، ردا من الشعب المصري بكل فئاته على حملات التشويه التي مارسها النظام الحاكم لصورة هولاء الثوار والتشكيك في مواقفهم. كما كانت ردا على كل محاولات التخويف التي مورست ضد المواطنين لثنيهم عن النزول للشوارع والميادين للاحتفاء والاحتفال بثورتهم وشهدائها. لكن الدرس المهم الذي ينبغي أن يستخلصه الثوار من هذا الإحتشاد وأن يبنوا عليه هو أن يستغلوا هذه الهدية الثمينة التي قدمتها لهم الجماهير وعودة الالتفاف الشعبي حول الثورة وأهدافها لاستعادة زخم الثورة في الشارع وأن يمدوا جسورا قطعت في لحظة ما بينهم وبين هذه الجماهير، سواء كان ذلك نتيجة أخطاء وقع فيها الثوار أنفسهم أو جراء محاولات السلطة الحاكمة بناء جدار عازل بينهم وبين محيطهم الشعبي. لم يعد مهما الآن من المسؤول عن إنصراف قطاعات واسعة الجماهير عن الثوار، لكن المهم أكثر هو إستغلال هذه اللحظة التي إستعادت فيها الثورة روحها للتواصل مع الجماهير الذين لهم الفضل الأكبر في نجاح هذه الثورة والتي لولاها لظلت مجرد مظاهرات واعتصامات ولما تحولت لثورة شعبية كاسحة. إن على الثوار أن ينزلوا الى الاوساط الشعبية و إلى الحارات والاحياء والقرى والنجوع ليشرحوا للناس أهداف الثورة التي لا تبتغي سوى حياة كريمة وإنسانية لهم ولأبنائهم من بعدهم في وطن عزيز مهاب. ربما تكون المهمة صعبة لكن هذا هو السبيل الوحيد ليس فقط لنجاح الثورة وضمان التفاف المصريين جميعا أهدافها وعدم إنصرافهم عنها مرة آخرى، إنما وفاء لدماء الشهداء الطاهرة التي أنبتت شجرة الحرية في هذا الوطن، وعرفانا لمن ضحوا بعيونهم لكي تبصر مصر طريقها نحو المستقبل. عاشت ثورة المصريين والمجد للشهداء وعلى الميدان السلام. ‘ كاتب مصري