المفوض الأممي للاجئين فيليبي غراندي لدى زيارته مخيم الزعتري
عمان- «القدس العربي»: لا يبدو العدد مشجعًا حتى الآن، فقد عاد عبر معبر نصيب 37 مواطنًا سوريًا فقط من المقيمين في الأردن، في اليوم الأول لإعادة افتتاح وتشغيل المعبر الحدودي العملاق بين البلدين، مقابل مئات الأردنيين المتحمسين لزيارة دمشق.
ورغم جاهزية خمسة آلاف شاحنة للتحرك على طريق عمان دمشق لأغراض تجارية، إلا أن قلة عدد السوريين الذين قرروا العودة فتح المجال سياسيًا لإعادة إبراز هواجس الإقامة الدائمة عند الأردنيين.
ضمنيًا، يطلب بعض كبار الموظفين الانتظار قليلًا. وتكتيكيًا، وعند اللجان الوزارية التي تراقب الأمر، تنمو فجأة وتصعد الشكوك في أن يسهم فتح المعبر الرسمي الكبير بين البلدين في تخفيف حدة ووطأة اللجوء السوري في الأردن. ويسأل سياسيون كبار أمام «القدس العربي» عن التسهيلات والظروف التي يمكن أن تدفع كتلة أكبر من اللاجئين السوريين إلى العودة إلى بلادهم خصوصًا بعدما توثق الجميع من خسائر الرهان الاقتصادي والمالي الأردني على الجزء السوري.
في المقابل، ثمة حماسة منقطعة النظير عند بعض أركان الدولة الأردنية بعد تجاوز عقدة المعبر المغلق منذ ثلاثة أعوام. لكنها حماسة يوازيها فورًا الشعور بتلك البرودة السياسية الناتجة عن رسالة مباشرة يقولها المكون السوري الموجود الآن في عمق المجتمع الأردني بعنوان «لا نريد العودة، بسرعة على الأقل».
الحديث هنا عن نحو مليون وربع المليون سوري على الأقل مغروسين في عمق المجتمع الأردني اليوم، ثلثهم فقط كانوا يقيمون قبل عام 2011، والبقية لجأت للأردن بعد الأحداث الأخيرة. يشعر بعض المسؤولين الأمنيين في عمان بقدر من الدهشة بسبب تواضع حماسة أكثر من مليون سوري عندما يتعلق الأمر بتحفيزهم للعودة إلى بلادهم. ولهؤلاء إقامة آمنة إلى حد كبير في ظل الدولة الأردنية، وترحيب اجتماعي تقابله فرص اقتصادية تثبت نظرية الكاتب الراحل فهد الفانك حول اللجوء لأسباب اقتصادية أصلا وليس لأسباب أمنية جراء النزاع.
الفريق السياسي الأردني الذي يؤمن بأن المكون السوري توفرت له سبل الاسترخاء ولن يتحمس للعودة، يبدو الآن وبعد أربعة أيام من إعادة فتح معبر نصيب متحمسًا لإظهار الدليل الواقعي على نظريته.
لكن في عمق السلطة ومركز القرار قد يتطلب الأمر المزيد من الوقت. وفي العمق نفسه يمكن أن تجد نظرية وزير الخارجية، أيمن الصفدي، بعض التصفيق عندما يتعلق الأمر بأن لا ينظر لفتح المعبر واستقرار الحدود كعنصر مستقل عن مجمل ملف الأزمة السورية، على أساس أن الاستقرار الداخلي يمثل الطريقة الوحيدة تقريبًا لإقناع الكتلة الديموغرافية السورية بالعودة الطبيعية إلى بلادها. تلك النظرية كانت تقال في الغرف المغلقة أو عندما ينتقد خطاب الصفدي المتحمسون لعلاقات سريعة مع الدولة السورية، لكن الأخير يرى أن إطلاق عملية سياسية شاملة للاحتواء في العمق السوري قد يكون وحده الكفيل بالتخفيف من عبء اللجوء السوري على الخزينة الأردنية. طبعًا من الصعب التوصل إلى استنتاجات قطعية ونهائية في هذا الإطار.
ومن الواضح أن شخصيات بارزة جدًا في الأردن لا تزال تعتقد أن الأزمة السورية لم تشهد فصلها الأخير بعد، وبأن المفاجآت محتملة ومفتوحة، وبأن المقاربات ينبغي أن لا تقاس سياسيًا فقط بمراقبة عدد المواطنين السوريين الذين يستخدمون للعودة معبر نصيب أو عدد الشاحنات على الأقل في الأسبوع الأول لإعادة فتح المعبر.
يحاول الأردن تلمس مصالحه بعد افتتاح المعبر وتجاوز الحسابات الأمنية تحديدًا، ويبدو رئيس الوزراء الدكتور عمر الرزاز مستعدًا للانفتاح على أفكار بعنوان عودة العلاقات الطبيعية مع الجار السوري، لكن ببطء وعمق ودون تسرع، وبالتوازي مع الإقرار بوجود إعاقات ومشكلات عالقة.
على جبهة موازية، يقدر تجار ورجال أعمال بأن فرصة الأردنيين في الحصول على أي جزء من كعكة إعادة الإعمار تكاد تكون منعدمة إلا عبر وكالات تنفيذية جزئية بالتعاون مع شركات روسية وصينية عملاقة كل مؤشرات دمشق تقول إنها ستحظى بحصة الأسد من مشاريع إعادة الإعمار.
هنا حصريًا شاركت «القدس العربي» في حوار مع نخبة من النقابيين المتخصصين الذين يقدرون بأن الإمكانات في القطاع الخاص الأردني لا تسمح بالاستفادة من مشاريع إعمار سوريا حتى بعد فتح المعبر، إضافة إلى أن الحساسيات الأمنية والسياسية المتراكمة كالجليد في العلاقات بين البلدين عنصر يضيف التعقيد إلى وضع معقد أصلًا. ويقدر خبير هندسي من وزن عبد الله غوشة بأن الخبرات الأردنية المتاحة، وبحكم القرب الجغرافي، أمامها ساحة وحيدة للمناورة وهي العمل مع شركات دولية كبرى أخرى قد تبدأ بالتوافد على سوريا.
ويلمح آخرون في السياق ذاته، إلى أن القطاع الخاص الأردني- بعيدًا عن تجارة الترانزيت وقطاع النقل- ليس أمامه إلا التقاط ما يمكن من فتات مشاريع إعادة إعمار سوريا تحت ظل شركات عملاقة من الصين وروسيا، خصوصًا وأن وزارة الصناعة والتجارة السورية وعندما استقبلت وفدًا تجاريًا أردنيًا قبل ستة أسابيع، أبلغت الجار الأردني بأن عليه أن لا يتوقع في كل الظروف حصة حقيقية من مشاريع إعادة الإعمار، لأن حلفاء سوريا هم الأحق بها.
رغم ذلك، يأمل مستثمرون وتجار أردنيون بأن يسهم فتح المعبر في إعادة وتنشيط ولو جزء من عمليات سنوية عبر المعبر في إطار المناورة والنقل والترانزيت، كانت تصل قيمتها إلى 400 مليون دولار على الأقل.
يستفيد أيضًا قطاع التصدير السوري، الأمر الذي يبرر منسوب احتفال بعض الأردنيين بإعادة فتح المعبر، حيث سارع رئيس مجلس النواب عاطف الطراونة للحديث عن علاقات أكثر متانة بين البلدين الشقيقين في المستقبل القريب. وأعلنت نقابة المحامين الأردنيين نيتها إرسال وفد وبسرعة إلى دمشق. وتتجه فعاليات برلمانية إلى زيارة مماثلة.