عند الانتهاء من تشكيل الحكومة الجديدة في إسرائيل، يجب أن تضع العلاقات مع الأردن من المواضيع ذات الأولوية للنقاش. شيء ما سيئ حدث في هذا الأمر في السنوات الأخيرة، رغم أن التهمة كلها لا تقع كل على الحكومة السابقة، ولكنها تتحمل مسؤولية كبيرة عن هذا التدهور الخطير.
بعد نحو شهر سيحتفل الأردن وإسرائيل بكثير من خيبة الأمل والإحباط بالذكرى الـ25 على توقيع اتفاق السلام بين الدولتين. وما بدأ بعلاقات شخصية وواعدة بين اسحق رابين والملك حسين تحول إلى سلام بارد. العلاقات الرسمية يعززها أساس التعاون الأمني، الذي لا يوجد بدونه الكثير من مضمون العلاقات. الملك عبد الله يرفض الالتقاء مع نتنياهو. وتزداد في البرلمان الأردني أصوات تطالب بقطع العلاقات، وأغلبية الشعب في الأردن تطالب بتجميدها، واقتراح الموظفات الإسرائيليات اللواتي يعملن على موضوع تحسين الوضع لا يحظين بأذن مصغية.
ورغم نقاط ضعفنا، يعد الأردن لبنة مهمة في استراتيجية إسرائيل الأمنية والسياسية. عندما مر العالم العربي بهزتين شديدتين، هما الربيع العربي ونجاح داعش المؤقت، حافظ الأردن على استقراره، واستخدم كحاجز بين إسرائيل من جهة والعراق وسوريا اللتين احتلهما داعش. في أعقاب التغيرات في العالم العربي وزيادة شدة تهديد إيران والانسحاب التدريجي للولايات المتحدة من الشرق الأوسط، لإسرائيل فرصة من أجل تطبيع العلاقات مع دول المنطقة. ولكن زيادة التوتر الكبير في العلاقات مع الأردن ستضر باحتمالية القيام بذلك.
يجب على الحكومة الإسرائيلية الجديدة بلورة خطة إعادة تأهيل شاملة، وفي مركزها حوار مع الملك عبد الله حول العناصر الرئيسية في العلاقات، وفي المقام الأول المسألة الفلسطينية والأزمة الاقتصادية في الأردن. الأردن يخشى على وجوده من محاولة إسرائيل تحويله إلى بديل للدولة الفلسطينية في الضفة الغربية؛ ويخشى أيضاً من اتخاذ إسرائيل خطوات أحادية الجانب مثل الضم، حتى لو كان جزئياً لغور الأردن، وزيادة المواجهة مع الفلسطينيين، أن تؤدي إلى هروب آلاف الفلسطينيين إلى الأردن. إن تصريحاً لحكومة جديدة في إسرائيل ينفي توجهها نحو الضم سيساعد على استئناف الحوار. إضافة إلى ذلك، يجب على الحكومة أن تطلب من الأردن التوقف عن استغلال شعارات مثيرة للمشاعر في موضوع القدس لأغراض سياسية، وتحسين مكانته الدولية من خلال التصادم مع إسرائيل. الحكومة الجديدة يمكنها أيضاً أن تقترح على الأردن (والفلسطينيين) النقاش حول تغييرات في “اتفاق باريس” (الاتفاق الاقتصادي بين إسرائيل والفلسطينيين الذي يعتبر جزءاً من اتفاقات أوسلو)، بحيث توسع التعاون الاقتصادي بين الضفتين.
دعامة أساسية كبيرة في العلاقات مع الأردن هي “قناة البحرين”. جميع حكومات إسرائيل منذ التوقيع على اتفاق السلام تتهم بأنها امتنعت عن قول أقوال قاطعة بأنه لا جدوى من هذه الفكرة. إسرائيل ملزمة بمساعدة الأردن في حل ضائقة المياه، وهي ملزمة بإنقاذ البحر الميت لصالح كل من يجلسون على ضفافه، وهي أيضاً تريد مساعدة الفلسطينيين في موضوع المياه، لكن هناك حلولاً رخيصة وعملية أكثر من قناة البحرين التي يتمسك بها الأردنيون. الحل العملي، وربما الأرخص من بينها، هو أنبوب/ قناة للمياه العذبة من البحر المتوسط إلى نهر الأردن، مع فرع إلى شمال السامرة، وضخها إلى هضبة عمان – إربد. مساعدات مالية وضمانات دولية ستضمن للأردن والفلسطينيين حلاً ملائماً ورخيصاً نسبياً لمشكلة المياه.
عندما تم التوقيع على اتفاق السلام طور زعماء إسرائيل في حينه أملاً في الأردن لتحسين اقتصادي كبير. هذا بعث الأمل على أن إسرائيل ستستغل البنى التحتية في الأردن مثل مطار وميناء العقبة. جهات ضغط مختلفة لدينا تسببت في تصفية خيار المطار في العقبة كبديل لمطار ايلات. استخدام مطار العقبة كبديل بمساحة باهظة الثمن على طول الجزء الإسرائيلي من البحر الأحمر التي يمكن من خلالها كسب الأرباح الكثيرة. موقف للسيارات المستوردة من الشرق الأقصى. ستبدأ إسرائيل في الأشهر القريبة المقبلة بتزويد الأردن بالغاز الطبيعي، ولن يكون الوقت قد حان من أجل تقليص انتقاد معارضي الصفقة في الأردن، وشراء الكهرباء من المزارع الشمسية الكبيرة التي بدأ الأردن في إقامتها. والمستهلك الإسرائيلي سيكون رابحاً من شراء الكهرباء الرخيصة من الأردن. وثمة إمكانية كامنة في المناطق القريبة من الحدود لاستيراد عمال من الأردن، إلى جانب مجال البرمجيات في إسرائيل الذي يحتاج إلى قوة عاملة كبيرة ويمكن الاستعانة بقوة أردنية تبحث عن عمل في هذا المجال.
الأردن والسلطة الفلسطينية وإسرائيل تفصل بين دول الخليج والعراق في الشرق والبحر المتوسط في الغرب. التغييرات الجيوسياسية في موازاة التسوية، حتى لو جزئياً، للقضية الإسرائيلية – الفلسطينية ستمكنها من تجسيد الإمكانية الكامنة في قدرتها على تشكيل منطقة عبور للطاقة والإعلام والبضائع. هذا يظهر خيالياً، لكن تهديد إيران يزيد كل يوم العنصر الواقعي في هذا السيناريو. ثمة تغيرات سياسية تحدث في الشرق الأوسط؛ فإلى الفراغ الذي تتركه الولايات المتحدة تدخل تركيا وإيران، اللتان تقضمان سيادة سوريا والعراق. ولإسرائيل ودول الخليج والأردن مصلحة في بلورة كتلة حاسمة، لكن هذه ستتشكل فقط عندما يحدث تغيير على الصعيد الإسرائيلي – الفلسطيني.
حوار شامل بين النظام في الأردن والحكومة الإسرائيلية الجديدة في مواضيع كثيرة، يمكنه بالتأكيد إنقاذ اتفاق السلام وحل مسائل كبيرة لها تداعيات إقليمية. ومسائل صغيرة مثل جيب الغمر والباقورة.
بقلم: عوديد عيران
هآرتس 20/10/2019