رسالة إلى الضاحية!

حجم الخط
0

رغم الانشغال الإقليمي والدولي بالملف السوريّ الثقيل، واستمرار وتصاعد وتيرة سقوط الضحايا والمصابين، لتصبح المدن السورية قبوراً صامتة وشواهد قاتمة على ماضٍ وحاضرٍ لا يبشّرُ بالمستقبل، وبرغم امتداد الربيع العربي في مصر ليأخذ أكثر وأطول من نصيب فصول المشهد السياسي المصري، وليصبح الغد المصريّ مُثقلاً بمظاهر العنف والقتل والتنازع السياسي والطائفي، سيبقى الشأن اللبناني يتأرجح ويتأزم بمكنوناته الداخلية، وأيادٍ خارجية لم ولن ترى لبنان إلا مسرحاً على خشبته تصول وتجول، وسيبقى الجرح اللبناني نازفاً من عيشِ ورخاءِ واستقرارِ أبنائه مهما كانت أديانهم وطوائفهم.
في أقل من شهر، وللمرّة الثانية على التوالي، تهتزّ ضاحية بيروت الجنوبية، بعد انفجارٍ عنيف أسقط عشرات القتلى ومئات المصابين، مثلما انه قد أسقط حصانة معاقل حزب الله اللبناني، واثبت أن مرباعته الأمنية لم تعد قادرة على أن تنأى بنفسها وبأمنها عن لبنانٍ ذاق من ويل الانفجارات ما ذاق، واكتوى بلهيب الاغتيالات السياسية والأمنية ما اكتوى، وبعد كل ما جرى لن يضيق حزب الله ويغلب في أمره، فقد يوجّه اتهاماته وسهامه ومساحاته الإعلامية نحو عدوّه الأكبر وخصمه اللدود إسرائيل، التي قد تكون أرادت إن تفسد وتعكّر صفو فرحته بذكرى انتصاره، متناسياً أن تشبثه بشرعية المقاومة والتمسّك بالسلاح قد أضعف دور وكرامة الدولة اللبنانية ومؤسساتها المختلفة، وأفرغ وقزّم دور الجيش اللبناني والقوى الأمنية، وأبقاه وخصومه السياسيين في سجال إلى يوم الدين، وقد يجد حزب الله ضالته باتهام الجيش السوري الحر الذي توعده أكثر من مرّة، لكنه لا بد سيغفل عن انه قد أصبح ذراعاً قاتلاً وغليظاً يشارك في قتل السوريين، وتدمير مدنهم ودكّ أحلامهم ورغباتهم بالتحرر والخلاص، لتصبح سياسة النأي بالنفس في لبنان مجرد كذبة بائسة لا يصدقها أحد، وقد لا يتوانى حزب الله عن تحميل مسؤولية ما جرى لبعض التنظيمات الجهادية السلفية، التي ازدادت وانتشرت بشكل ملحوظ خلال العامين الماضيين، تلك التي ما انفكّت تدعو إلى مقارعة حزب الله ونصرة السوريين في حربهم، لكن الحزب وكعادته سيتناسى انه وحده من كان مسئولاً عن انتشار فوضى السلاح، تحت معانٍ ومسمياتٍ تطول ولا تنتهي، وأنه يمتلك من الوسائل والتقنيات القتالية ما يخيف العدو ولكن بنفس الوقت ما يربك ويقلق ويزعج الصديق والشقيق اللبنانيّ، وما تسلّح الآخرين إلا نتاج وردّة فعل على ما لديه، وعلى غياب وتكسّر سلطة الدولة وسطوتها.
قد يغرق المحللون في تحليل وفهم ما جرى، لكنهم برأيي قد يتفقون ويُجمعون على أن لبنان المثقل بديونه وأعبائه الاقتصادية، وحدوده الساخنة والمتوترة، وشللٍ في قدرة مؤسساته السيادية والقانونية، يجعلها عاجزة عن تشكيل حكومة أو تعديل دستور أو تسمية قيادات عسكرية وأمنية، قد أصبح في مرمى التبعات الإقليمية للصراع في سورية، وأنه قد بدأ يدفع ثمناً قاهراً وكبيراً هو ثمنٌ جعل لبنان الجميل يفتقد السياحة ولا يجدها، وثمنٌ أصبح فيه اللبناني محاصراً ومثار جدلٍ في أقطار عربية، وثمنٌ خلق من لبنان ساحة قد تتجنبها منظمات ومؤسسات الطيران الإقليمية والدولية، أما حزب الله فهل آن الأوان له ليدرك أن صندوق بريده العجيب في الضاحية الجنوبية قد أصبح يكلّف لبنان واللبنانيين أكثر من طاقتهم وقدرتهم!

م.زيد عيسى العتوم – الاردن
[email protected]

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية