رسالة إلى رئيس الحكومة المغربية

حجم الخط
0

د. عزيز الحدادي بما أنكم حللتم بفاس، ووقفتم في محطة الاستراحة، بجوار مخيم عين الحلوة للاجئين، من الطبقة التي كانت متوسطة الحال، وهو من إبداع مؤسسة العمران، فقد كانت رغبتي في أن أفتح معكم حوارا هادئا تؤثثه أسئلة عميقة بيد أن انشغالكم بإرضاء كل المعجبين من أطفال ونساء ورجال، يأخذون صورا ذكرى لهذا الزمن الشرس، ولا يمكن لمن شاهد هؤلاء الأبرياء المتحمسين والمندهشين، الا أن يتساءل، بأي معنى يفهم هؤلاء الأبرياء عمل رئيس الحكومة؟، وما الغاية من زيارته لهم؟ هل جاء للوقوف عن كثب على بؤس الحياة أم كرئيس للحكومة؟، أم أنه جاء كأمين عام لحزبه من أجل الدعاية للانتخابات الجزئية؟، وبعبارة أخرى هل كان ينظر إليهم كمواطنين أم مجرد أصوات صالحة للاستعمال في الزمان المجرد والمكان العيني؟.صحيح أن هناك بؤسا كالبرد والجوع والجهل وسوء التدبير السياسي يصعب مقاومته، كما تستحيل مقاومة العالم الغبي عند غوته، لكن مع ذلك تلاحظ على وجوه المهمشين بروق الفرح، وحين تسألهم، تأتي الإجابة تلقائية نابعة من الوجدان، إنها الفرحة والامتنان، والاحترام ما دفعنا إلى ذلك، وكنا نود أن نقول له قبل أن يعود إلى العاصمة كل شيء، بل نلتمس منه أن يبقى معنا هنا ولو ليلة واحدة لينعم بسحر الليل لأن كل المصابيح معطلة، ويتناول معنا الخبز الحافي الذي ناضل من أجل الحفاظ على ثمنه، ثم أننا نعرف كل خطوات الطريق لنصحبك فيما بعد، انظر إلى هذه البيوت التي تشبه الانقاض، عشق الانقاض باعتبارها معيارا لنمو الروح وهي وحدها تستطيع أن تعرف الروح، والعبادة روح، ولذلك إننا حقا سنكون سعداء بضيافتك، لأن الشاي وحده غير كاف.نعم إنها لعبة الحقيقة والوهم، ولا يمكن لمن يراها الا أن يصدق، وكنت ذلك الشاهد الذي لا شاهد له، وكانت رغبتي تتأهب للخروج من القوة إلى الفعل لتصل إليكم حاملة معها المعاناة والمأساة التي نعيشها في هذا المنفى الإجباري الذي حكم علينا بأن نصبح عبيدا في مملكة العمران التي أطفأت الإنارة وأغلقت المساكن، وامتنعت عن التزاماتها وأضحت تخاطبنا بخطاب العنف الرمزي، فمن سنة إلى سنة تتصرف فينا الأبناك التي تفتقد إلى حس المواطنة والمحبة، تحالف بين الشيء وذاته، العمران والقرض العقاري، من المهد إلى اللحد، لكن فرحتكم بالمعجبين جعلتني أتوجه إلى السيد عبد الله باها وزير الدولة الذي كان حكيما معي، لأنني تعرفت عليه في مؤتمر اتحاد كتاب المغرب، بيد أن أسئلتي أدهشته عندما انطلق من ما هو مشار إليه، هذا المخيم للاجئين، أي مستقبل ينتظرنا هنا؟ ومتى يصبح السكن نعمة للفانين؟ هكذا وضعني أمام اختيار صعب، فأما أن أتوجه إلى النواب، وإما أن أبعث برسالة إلى رئاسة الحكومة، ثم التحق برفيقه لأن الوقت لا يسمح بالإنصات بل بالعمل. هكذا تركت الأسئلة تنام في الأحلام هادئة ومطمئنة، مادام أن السياسة عندنا تخشى الإدارة بالفعل أيها الأحباء إنكم مضطرون للاستنشاق رائحة السحاب والتمتع بألوان المطر، والإنصات إلى نداء الوجود، وأن تقولوا نعم للخبز الحافي، والا سينقطع عنكم.أنا أسكن في قلوب المغاربة يقول السيد الرئيس مطمئنا على مستقبله السياسي بيد أن من يخاطبهم يسكنون في الفراغ خارج الوجود بجوار العدم، لأن السكن معناه أن تقيم في المسكن الذي تتوفر فيه شروط الإقامة أن تكون بعيدة عن بؤس الحياة وتلك المساكن البدائية المرتبة كالاسطبلات. ولا أحد يشك بأن إرادة الرئيس تصطدم بعنف العمران والضحى، وما فيا العقر.ما أمتعكم وأنتم تصفقون، ثم تصفقون، والابتسامة لا تفارق وجوهكم، وكأنكم في يوم عيد، إنكم في حاجة إلى الكوميديا السياسية، بقدر ما أنكم تنتظرون ما الذي يحمله المستقبل من آمال بعدما طال الانتظار، وعظم قدر البؤس الاجتماعي، وانهارت في قلوبكم إرادة المعرفة، والتطلع إلى الثقافة، مادمتم لا تعرفون إن كانت موجودة أو غير موجودة؛ عليكم أن تشعروا بالخجل، لأن أبناءكم ينقطعون عن الدراسة من أجل الاشتغال في تلك المهن الشاقة، وبذلك تؤهلهم لكي يصبحوا مواطنين من أحط الطبقات. هكذا سيبقى وضعكم الاجتماعي في خطر، يتهدده الزمان وهو المدمر الأعظم.كان سارتر يسخر من السياسيين ويتحدث عن كسلهم وافتقادهم للتعقل والفكر، ولذلك لا ينبغي أن ننتظر منهم تشجيع الثقافة والفكر إلى درجة أن برنامجهم الانتخابي لا يذكر أهمية الثقافة في تأهيل الروح إلى العظمة، كما أنهم يتحاشون الحديث عن الفكر والإبداع كمن يتحاشى مرض الجذام، هكذا يعتزون في خطبهم بما هو ضروري للأجسام وكأنهم يخاطبون البهائم. كانت كلماتكم تخترق قلوب هؤلاء المساكين، لأنكم تخاطبونهم بلغة يفهمونها، ويسمعونها كل يوم في المساجد، وأزقتهم الضيقة، لأن الروح تتجلى عندهم في العبادة ثم تختفي في ليل الجسم الذي يشقى بغية توفير وسائل العيش ولذلك فإنهم أصبحوا يفهمون السياسة بأنها الوجه الآخر للعقيدة، ولا غرابة أن يخيم هذا الفهم الآن على العالم العربي من المحيط إلى الخليج، فيصبح زعيم الحزب هو مرشد الثورة، ويدفع بالأرواح إلى التنازل عن الحق في الأرض مقابل الحق في السماء.لا نريد أن نتكلم من أجل الكلام، ولكن نسعى أن نبلغكم مأساتنا، ومعاناتنا اليومية مع أخطبوط الإدارة، الذي يهدننا بالانقراض، ويأتي الغروب، فلا تجدون من يسمع إليكم بعمق إنساني، بل ستندهشون حين توجهون خطابكم إلى حيوانات غير ناطقة. مما سيعجل بانهيار المثل التي تدافعون عنها، أرجوكم أن تقفوا لو مرة واحدة في حياتكم، معنا في مجتمعنا مع العمران وخراب الضرائب، وسوريالية البنوك، ومهزلة التدبير السياسي في تلك القرى المهمشة والتي كنتم ضيوفنا أخباء فيه. كاتب مغربي qmdqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية