رسالة إلي الفرقاء في أبوجا: الفدرالية هي النظام الانسب لحكم السودان
طه يوسف حسنرسالة إلي الفرقاء في أبوجا: الفدرالية هي النظام الانسب لحكم السودان الفدرالية هي أفضل تجسيد مؤسسي لواقعنا السوداني الذي يبحث عن نظام حكم مستقر في آيكة عوسج فالتكوين الثقافي والعرقي والإثني يوفر حظاً كبيراً لممارسة النظام الفدرالي في السودان والفدرالية هي أسلوب براغماتي يسمح باحترام مصالح محددة لا يمكن التعامل معها كما لو كانت أيديولوجية وهي أفضل نظام سياسي يقدم حلاً اندماجيا وديمقراطيا ملائما للدول المتعددة الأعراق والأعراف. والفدرالية تسمح بالتوفيق بين مطالب الدولة العصرية واحتياجات السكان وفقا لهوياتهم المحلية وهي نظام هام لبناء دولة حديثة، حيث يمكن لمختلف الثقافات والاعراق أن تتعايش تحت غطاء شرعي يضمن للجميع حقوقا متساوية، فهي ليست نظاما يُصدر ببساطة بل هو نتاج ظروف تاريخية وسياسية واجتماعية تخصُّ كلَّ بلد علي حدة. وهو الحل الامثل للعديد من الدول التي تضم فوق ترابها أعراقا مختلفة كالسودان مثلاً، ويفرض عليها الواقع ضرورة التعايش بشكل أقوي، فلا تجد في الفدرالية سوي مخرج لا مفر منه من حبس الأنفاس الذي تسببه الأزمات المتكررة التي يعاني منها السودان منذ اسقلاله لا سيما قضية دارفور التي عجز المراقبون في تشخيصها هل هي أزمة سودانية أم مبالغة أممية؟ وقضية شرق السودان المؤجلة التي تنتظر دورها بفارغ الصبر. لا يمكن تصدير الفدرالية ولكن يمكن الاستفادة من تجارب الآخرين وتكييفها مع الواقع السياسي وبناء علي ذلك الحديث عن الفدرالية ونجاح التجربة السويسرية ونقلها لربوع السودان ليس ضرب من الخيال وليس هو دعوة افلاطونية لبناء مدينة فاضلة علي ضفاف نهر النيل ولكن لا بد من الإستفادة من تجارب الآخرين وتكييفها مع واقعنا السياسي. فالكنفدرالية السويسرية مرت بمخاض عسير أشبه ما يكون بالتجربة التي نعيشها حالياً في السودان حيث أن نزعة الإنفصال واللجوء والتمرد علي سفوح جبال الالب والحروب الدينية والعرقية قبل تكوين الاتحاد السويسري مزقت أوصال ذلك البلد ولكن بعد الولادة القيصرية للإتحاد السويسري أصبحت تلك الدولة الصغيرة الحجم ذات كيان دولي بفضل النظام الكنفدرالي الذي أوجد الوحدة والإنصهار رغم التباين العرقي والثقافي واللغوي. والسودان يعاني نفس أعراض ذلك المخاض فبدل أن يضع مولوداً فدرالياُ مشوها علي طريقة تشيكوسلوفاكيا عليه أن يستفيد من المخاض السويسري حتي ينجب فدرالية تحترم التعددية الثقافية والعرقية والعقائدية. وحتي الدول الديمقراطية تشير بعض التنبؤات السياسية إلي أنها تتطلع إلي تطبيق النظام الفدرالي كما هو الحال في الاتحاد الاوروبي الذي ينوي استخدام النظام الفدرالي في المستقبل القريب، ويعتقد الخبراء أنه النظام الوحيد الذي يمكن أن يجتمع تحت سقفه هذا العدد الكبير من السكان بثقافاتهم واعراقهم المختلفة، دون أن يشعر أحد بالغبن. ولا شك في أن نجاح التجربة الفدرالية في وسط أوروبا في دول مثل المانيا والنمسا وسويسرا إعتمد علي الثقافة السياسية والتسامح السياسي والتنازلات والوعي الكامل بمفهوم الديمقراطية والقبول بها، لا سيما وأن النظام الفدرالي لا يشترط بالضرورة أن يضم تحت سقفه اعراقا أو ثقافات متكافئة في القوة الاقتصادية علي سبيل المثال، فإذا لم يقتنع الشركاء في النظام الفدرالي بالاحترام المتبادل وعدم تعالي طرف علي آخر، فإن أي محاولة للتقارب تحت مظلة الفدرالية سيكون محكوم عليها بالفشل.وفي عالمنا المعاصر، ومن بين الأنظمة الفدرالية الأربعة والعشرين المتواجدة في المعمورة، أصبح النموذج السويسري يجسّد نجاح دولة في استيعاب أقلياتها اللغوية والثقافية واكتسبت سويسرا خبرة من ذات الجودة العالية في التعاطي مع النظام الكنفدرالي وأصبحت المرجعية السياسية في مجال الحكم الكنفدرالي حيث أوفدت وزارة الخارجية السويسرية إلي نيقوسيا فريق خبراء في مجال الوساطة والقانون الدستوري ليقدم هؤلاء الخبراء النصح للقبارصة اليونانيين والأتراك الذين يتفاوضون بشأن توحيد الجزيرة علي أساس مشروع أممي مستوحي من النظام الفدرالي السويسري، وقد يكونُ النّظام الفدرالي مخرجا للأزمة التي تعيشها سريلانكا منذ اندلاع الحرب الأهلية فيها عام 1983 فلذا قامت سويسرا بجمع الفرقاء السريلانكيين الشهر الماضي علي ضفاف بحيرة ليمان الزرقاء وعرضت عليهم تجربتها الفريدة في نظام الحكم علها تكون المخرج لتلك الأزمة المزمنة التي أرهقت أسود التيمور. يقدم النظام الفدرالي بدائل كثيرة للتعبير عن الواقع الثقافي التعددي. ففي كل الدول التي تبنت هذا النظام، يوجد برلمان من مجلسين: الأول يمثل شعب البلد بأكمله، أما الثاني فيجسد الكيانات المتميزة داخل الدولة، سواء كانت عرقية أو لغوية. عدا عن ذلك، توجد مستويات أخري غير تشريعية تسمح باستيعاب الجماعات والأقليات داخل الدولة. ففي سويسرا، علي سبيل المثال، تلعب السلطة التنفيذية دورا في هذا الجانب. حيث أصبح من المعتاد، منذ عام 1959 تحديدا، تعيين أعضاء في المجلس الفدرالي من المنتمين إلي اللغات الوطنية الثلاث الألمانية والفرنسية والإيطالية، وإلي الأحزاب الكبري. وبنفس النسق، تتوافر قنوات قضائية تتيح للأقليات إسماع صوتها. في بلجيكا، مثلاً، هناك ما يعرف بإسم إجراء جرس الإنذار : عندما تشعر أقلية بأن البرلمان علي وشك تمرير قانون سيضر بمصالحها، يصبح واجباً علي الحكومة أن تبحث عن حل وسط أو بديل. يعيش اليوم نحو 40% من سكان العالم في دول ذات أنظمة فدرالية. معظم تلك البلدان متعددة الثقافات، وبعضها متعدد الهويات الوطنية مثل الهند وكندا ودولة الأمارات العربية النموذج الفدرالي العربي الوحيد وألمانيا والنمسا وروسيا ودول البلقان ونيجيريا وغيرها من الدول الكنفدرالية، ونحن في السودان لدينا كل مقومات الحكم الفدرالي من تباين في الأعراق والتقاليد والثقافات والمشاكل المزمنة التي لم تعالجها الأنظمة الديمقراطية ولا الأوتقراطية ولا الأنظمة الشمولية فلماذا لا نفسح المجال للتجربة الكنفدرالية ربما نجد فيها ضالتنا!أخيراً نريد في السودان حكماً لا يموت فيه الذئب ولا تفني الغنم.ہ باحث من السودان يقيم في جنيف8