رسالة الى المتنبي!

حجم الخط
0

ليث فائز الايوبيلو كان لدي ما يكفي من رصيد، لاتصلت بأبي الطيب المتنبي قائلا له: يا اخي الكبير.. ابشر، لقد صادر الروم كل الجهات، وبتنا نحار اليوم الى اي الجهات نميل؟! . بعد ان حاصروا انفاسنا واوغروا صدورنا.. بالرماد المتساقط من حصونهم وجدرانهم الكونكريتية وقدور ولائمهم المطبوخة من العظام المتبقية من قبورهم الجماعية واسنانهم القاطعة وعرباتهم المصفحة وارتالهم، كل اولئك الذين ملأوا قلبك قيحا ونفسك ألما وضغينة، ها هم الآن بيننا وتحت انوفنا يتناسلون كالضفادع الطافية على مستنقع الفساد والرذيلة، نراهم اليوم بأم اعيننا وهم يسدون علينا منافذ الشمس ويهدرون دمها، نكاية بالنجوم لا اكثر! ملوحين بفصائلهم المزودة بكواتم الصوت وشهود الزور لتمشيط كل من لا يروق لهم! متناسين ان الحقيقة كالجريمة يا اخي لا يمكن اخفاؤها الى الابد!

لكن ماذا بوسعنا ان نفعل مع من يسعى لطرد المياه الجارية وابقاء الشوائب؟ ماذا بوسعنا ان نعمل مع من يحاول اقناعنا بمجالسة القرود والتصفيق لها مرحا والا اتهمنا بالمروق على آداب المائدة والنرجسية والتحريض على قلب الطاولات وكشف كل ما يجري تحتها، مع من بوسعنا ان نتكلم. قل لي؟ وهم بلا خيال اصلا، وان امتلكوه فهو خيال بقرة، مجرد بقرة بلهاء كل ما تلمسه او تراه مصبوغ بلون القش.. ليس الا! والشمس باردة يا اخي.. باردة صدقني، لم تعد قادرة على منحنا ذلك الدفء اللذيذ، بعد ان تراكمت عليها طبقات من الغيوم المحملة بالوحل والغبار والعويل والروث ورائحة البارود. ولم يعد امامنا في خضم هذا الخراب اي خيار ثالث، سوى المواجهة او السير حثيثا مع القطيع نحو الهاوية والتواري خجلا امام كل تلك الكتل المتراكمة من الشحوم والسموم واللحوم الداعرة، هذه الهوام الخارجة من اقبية الجهل والكبت والعار والاحقاد الدفينة والافكار المسمومة.. هاهم الآن يتجولون بيننا بمعونة الاسياد الذين انتعلوا كرامتهم، بعد ان يئسوا من المساس بكرامتنا، محاولين ايقاع الاذى بأبنائك واشقائك.. وهؤلاء كأولئك يا اخي مجرد ارانب عمياء بعيون مفتوحة طالما تهكمت عليهم ساخرا من وضاعتهم وجبنهم وخستهم، مزودين بأنامل غبارية مرمية بلا جدوى على الطاولات ومؤخرات مكشوفة وآليات متدلية تهرأت من كثرة الارتطام على كراسيهم المتهالكة وهم يؤدون الاعيبهم النفاقية امام اسيادهم ويكبحون في ذات الوقت شعورهم اللذيذ بالعودة مجددا الى تلك البطون التي قذفتها الينا صروف الزمان ومهازله.. لكي يتنفسوا الصعداء بعمق ويمارسوا خلواتهم المفتقدة كالحشرات الدميمة في باطن الجدران لاعقين آلام شعورهم المزمن بتأنيب الضمير…. وبغداد يا اخي.. لم تعد بغداد… فهي تعاملنا اليوم بطريقة شائنة غير معهودة منها، تماما كزوجة أب قاسية وعديمة الشفقة تؤوي تحت جناحيها كل اولئك اللقطاء وفاقدي الشرف والسماسرة واللصوص.. دون ان تنتفض احتجاجا على عارها.. !.. لكن اكثر ما يؤلمني حقا يا اخي ان الشكوى لم تعد مجدية في هذا البلد.. حفاظا على هيبة الحصى الحالم بمنازلة الجبال، وتكتما على اسرار التماثيل الموزعة على ثلاجات الطب العدلي، بانتظار من يكتشف عائديتها.. او التي اغتيلت سرا في متاحفها تحسبا من حدوث اي انتفاضة شعبية قادمة على منتهكي كرامتها وسارقي لقمتها، والدولة برمتها، الدولة بقضها وقضيضها اصبحت عبارة عن طائرة مخطوفة، ترتع على متنها مضيفات الشيطان وسماسرته وغلمان الدكاكين المنتشرة كالطفح على جلودنا، علنا وعلى رؤوس الاشهاد دون ان يتم ردعهم ولجم شراهتهم.. اما ركابها فهم مهيأون للتضحية بهم في اي لحظة عبر القائهم واحدا تلو الاخر، الى اقرب هوة عميقة تصادفهم او محرقة.. بلا تردد وبجباه متغضنة ودم بارد.. فقط لكي تواصل العاصفة سيرها مخلفة وراءها سربا من الفراشات المتناثرة كالنحيب على ضريح وطني المطعون. * شاعر وكاتب عراقي[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية