رسالة الي وزراء الخارجية العرب

حجم الخط
0

رسالة الي وزراء الخارجية العرب

الياس خوريرسالة الي وزراء الخارجية العربشكراً ايها السادة، للأسف الشديد لا وجود لسيدة بينكم، كي تكون نداً للسيدتين الأمريكية والإسرائيلية اللتين تحتلان المنصب الموازي لمناصبكم الرفيعة، وهذا مجرد خطأ تقني يمكن تجاوزه. ولكن شكراً، لقد اخترقتم الحصار الإسرائيلي كي تأتوا الي بيروت، وهذا عمل بطولي يسجّل لمعاليكم، فيا مرحبا. لن نسألكم كيف سمح لكم بالوصول الي بيروت، بينما لا يحق لنا نحن اهل المدينة مغادرتها الي الشمال او الي الجبل، فهذا حقكم علي اصدقائكم الامريكيين، ونحن لا نجادلكم في هذا. لكن كنا نتمني عليكم لو خبأتم في عباءاتكم الحريرية قليلا من الفيول والبنزين، لأن الحصار الاسرائيلي للبنان يريد خنقنا في الظلام. لكن لا بأس، نتفهم دوافعكم، والوعود التي قطعتموها لاصدقائكم الامريكان، ونحيي شهامتكم العربية، التي استفاقت في نهاية الشهر الأول من الحرب علي ضرورة المجيء الي بيروت، من اجل التضامن مع شعب صغير صار ثلثه مشردا في المدارس والحدائق العامة، لكنه قرر ان لا يرفع الراية البيضاء.لا استطيع ان اصدق انكم لم تجلبوا معكم سوي الرايات البيضاء نرفعها تحية للطائرات الإسرائيلية، او انكم اتيتم لإقناعنا بالقرار الذي صاغه الفرنسيون بحبر امريكي في مجلس الأمن. فنحن لا نستطيع الموافقة علي ذلك، لا لإننا ابطال، بل لأن هذا القرار يعطي اسرائيل نصراً لم تستطع تحقيقه في ميدان القتال، ولأننا ايضاً لا نريد الاستسلام لمشروع امريكي يريد تحويل لبنان من بوابة مفترضة للنهضة العربية المؤجلة الي بوابة للجحيم.مهلا ايها السادة، لا نريد منكم شيئاً، حتي اننا لن نطالبكم بالحد الأدني من الكرامة العربية، لأننا نعلم ان لا حول لكم، وانكم خائفون علي العروش والكراسي، لذلك وعلي العكس مما تعتقدون، فاننا نريد ان نطمئنكم الي اننا لا نريد شيئاً لنا. حتي الأكفان لاطفالنا سوف نصنعها من ثيابنا، ولن نلبككم بزيارة قانا او صريفا او عيترون، حتي بنت جبيل لن نطلب منكم زيارتها كي لا تعتقدوا اننا نشبّح عليكم بالبطولة. نحن نعلم انكم تعيشون في زمن آخر، وان كلمات مثل البطولة لا تثير فيكم سوي السخرية والهلع.اتفقنا اذا، سوف نرحب بكم، ونجعل من زيارتكم موسماً سياحياً صغيراً، لكننا نعتذر، لا نستطيع اخذكم الي الجبل حيث الطقس المنعش، لأن الاسرائيليين قطعوا الطرقات ودمروا الجسور، كما لا نستطيع دعوتكم للسباحة علي شاطئنا الجميل لأن جيش الدفاع الاسرائيلي لوّث الشاطئ بالفيول اويل الذي تسرب من معمل الجية الحراري بعد قصفه، كما لا نستطيع دعوتكم الي وليمة من سمك السلطان ابراهيم، وهو اشهي سمك في العالم، ولا يضارعه سوي سمك المشط في بحيرة طبرية او بحر الجليل، مثلما اسماها السيد المسيح، لأن اسماكنا تنفق بالسم الذي زرعه الاسرائيليون علي الشاطئ.لذا لا يبقي سوي فنادقنا الفخمة الفارغة، التي صارت كلها علي حسابكم، وبعض المقبلات كالتبولة والبابا غنوج، (تلافيت عمدا ذكر الحمص كي لا احرج علاقاتكم باسرائيل التي اقنعتكم ربما ان الخمص ينتمي الي المطبخ الاسرائيلي)، الي جانب من تبقي من فتيات الليل اللواتي لم يسعفهن الحظ بركوب السفن التي حملت الاجانب الي بلادهم هربا من الجحيم الذي صنعه لنا اصدقاؤكم الامريكان.لا اريد لرسالتي ان تبقي اعتذارية، اذ لا لزوم للاعتذار لأنكم لا بد تتفهمون ظروفنا وتشفقون علينا. وهنا بيت القصيد. ارجوكم بلا شفقة، لأن من يستحق الشفقة هو انتم لا نحن، وهذا فحوي رسالتي اليكم التي لن تقرأوها ولله الحمد.سوف اتجاوز كلمة شفقة، لأنها جارحة، لأني اريد ان اكون في منتهي التهذيب والهدوء، تلاحظون ايها السادة ان القصف لا يثير الهلع فقط، بل قد يبعث علي الهدوء ويدفعنا الي التفكير في شكل عقلاني، علي الرغم من الجنون الذي يحاصرنا.بيت القصيد يتألف من جملة مفيدة واحدة، مفادها ان من لا يستطيع خوض الحرب، لا مكان له في صناعة السلم. وهذه الجملة لها علاقة مباشرة بثلاث دول عربية فقط لا غير. اما بقية الدول فتستطيع ان تنصرف لأنها لا في العير ولا في النفير، كما تقول العرب.الدول الثلاث هي مصر وسورية والسعودية. هذه الدول الثلاث تتحمل حكوماتها مسؤولية خروج العرب من المعادلة الأقليمية، بما سيجره ذلك من ويلات واجتياحات وحروب اهلية وكوارث. لقد علمت التجربة اللبنانيين واللبنانيات ان من يهرب من الحرب تأتي الحرب اليه. هرب لبنان من حرب حزيران 1967 ابتغاء السلامة، ولا يزال الي اليوم يدفع ثمن هذه الحماقة التاريخية. الدول العربية الثلاث لا خيار لها. اسرائيل ترمي المشكلة الي داخلها، حتي متي تستطيع مصر تحمل كارثة غزة؟ وحتي متي تستطيع السعودية تلقي الصفعات الامريكية، وحتي متي تستطيع سورية ان تقاتل بطريقة مواربة عبر الجبهة اللبنانية؟اذا لم تعدوا انفسكم لحرب وشيكة لا بد منها، فان التعفن والانحلال سوف يفترسكم من الداخل.هذا هو بيت القصيد، ولعل زيارتكم الي بيروت سوف تفتح اعينكم المغمضة علي حقيقتين:الاولي تقول ان الجيش الاسرائيلي يمكن ان يُهزم، او ان يواجه. اذ يكفي ان تتصدي لجحافله مجموعة من المقاتلين المصممين علي الدفاع عن ارضهم، كي تتهاوي خرافة هذا الجيش الذي يرهب العرب منذ ستين عاما.الثانية تشير الي ان الكلفة الباهظة لمواجهة اسرائيل اقل من كلفة الحروب الاهلية والتفكك.لا ادري ايها السادة اذا كنتم تعون عمق المأزق الذي تجدون انفسكم فيه، الا اذا كنتم قد قررتم شراء الوقت عبر دفن رؤوسكم في الرمال، وعندها فلا حول ولا قوة. 0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية