أحمد شافعي
عزيزي يوسف البدريأكتب إليك حول القضية المرفوعة منك بشأن قصيدة حلمي سالم شرفة ليلي مراد، وذلك بعد أن تابعتك علي شاشة النيل الثقافية مع جمال الشاعر وفاطمة ناعوت وصلاح السروي، وبعدما استطعت أن أقرأ نص القصيدة منشورا في العربي علي الإنترنت واكتشافي أن ما تلوته أنت منها لم يكن القصيدة كاملة كما قلت، وبعدما انتهي البرنامج الذي تكلمت فيه أكثر من سواك ولم تقل الكثير في الحقيقة.
أولا، لماذا لم أهتم بتوجيه رسالة لناصر الأنصاري؟ لأن هذه القضية لا يفصل فيها سوي الأدباء وعلماء الدين، وناصر الأنصاري ليس أيا من هذين، هو فقط رجل جيء به خلفا لسمير سرحان، ليحتل منصبا شغله من قبل صلاح عبد الصبور وعز الدين اسماعيل وسهير القلماوي، فاللوم علي من جاء به.
ثانيا، لماذا لم أهتم بتوجيه رسالة إلي أحمد عبد المعطي حجازي وحسن طلب؟ لأنني أرجئ ذلك إلي حين أرسل لهما محييا، بعد أن يستقيلا من العمل في هذه المجلة ذات الإدارة غير المؤهلة؟
ثالثا، لماذا لم أرسل إلي حلمي سالم؟ لأنه لا يحتاج مني إلي رسالة. لقد كتب الرجل قصيدة جميلة، ولو كنت سأرسل له رسالة عن كل قصيدة جميلة يكتبها، لضاق بيته، ولضاق هو نفسه بي.
الآن، هناك احتمالان لاعتبارك أن حلمي سالم كان يزدري الأديان بقصيدته شرفة ليلي مراد، تعال أولا نحذف كان من الجملة الماضية. لأن القصيدة بطبيعتها مضارعة، لا تفقد ديمومة حضورها بمجرد رأي رافض، أو بلاغ إلي النيابة. الاحتمال الأول لاعتبارك أن قصيدة حلمي سالم تزدري الأديان هو أن يكون في معانيها ازدراء لدين أو تعريض برب. الاحتمال الثاني هو أن يكون الازدراء أو التعريض كامنين في صياغة تلك المعاني.1 ـ قصيدة شرفة ليلي مراد تنفي عن الله أن يكون شرطيا. ما الذي يقصده مواطن مصري حينما ينطق ـ إن جرؤ ـ بكلمة شرطي؟ ما احتمالات أن يقصد المصري بالشرطي ذلك الشخص المسؤول عن تطبيق القانون وإنصاف المظلوم؟ أعتقد أن الاحتمالات ضئيلة جدا. فحينما ينطق أي مصري، يساريا كان أو عضوا في جماعة الإخوان المسلمين، بهذه الكلمة، فهو يقصد ذلك الشخص الباطش المتسلط، يقصد به آلة الترويع والظلم والقمع. هذه هي صورة الشرطي لدي كل من أعرفهم من المصريين ولا أريد أن أحكم علي من لا أعرفهم. اجبني إذن: هل تمتدح القصيدة الله إذ تنفي كونه شرطيا أم تذمه؟2 ـ عندما يسألني ابني: لماذا يترك الله إسرائيل تقتل الفلسطينيين، وجورج بوش العراقيين، وأحمد عز محتكرا للحديد؟ فهل أقول له لأن الله خلق الكون ثم عمد إلي بعض شؤونه الأخري؟ هل أقول له إن الله الآن يلعب الطاولة؟ أو إنه أشبه بصانع الساعة الذي ليس مسؤولا إطلاقا عن وقوعها علي الأرض وتفتتها؟ أم أقول له إن الله يبتلينا بكل هؤلاء ليري أينا أحسن عملا؟ حلمي سالم يميل إلي الخيار الثاني، إلي أن الله يبتلينا. أجبني: ما قولك فيمن يقول بأن الشر موجود في العالم لا لعجز الله عن تغييره وإنما ابتلاء من الله لمخلوقاته؟3 ـ هل تتفق مع علي بن أبي طالب في أن التقوي هي أن تعبد الله كأنك تراه؟ أتصور أنك تتفق معه. أقصد أنني سأفترض أنك تتفق معه كرم الله وجهه. وإذا كنت مختلفا معه فأعتذر لك عن هذه المصادرة عليك. أنا شخصيا متفق مع الإمام علي فيما ذهب إليه، ومن ثم فإنني قد أنصح ابني بأن يستحضر الله دائما في كل ما يفعل. سأقول له تذكر الله. وسألاحظ أن التذكر والاستدعاء قريبان للغاية من بعضهما البعض. فالعرب يقولون إن الذاكرة تستدعي هذا الحدث أو ذاك، أم تراني مخطئا؟
أجبني: ماذا تقول في شخص يستدعي الله والأنبياء ليحصنوه من شهوة قد تنتصر عليه؟ ألا يبدو لك شخصا يخاف من المعصية؟ بماذا تصف شخصا يخاف من المعصية؟ بازدراء الأديان؟
؟4 ـ أعرف أن الله ليس كمثله شيء. ليست مسألة معرفة. إنها مسألة إيمان ويقين. ولذلك حين يقول الله إن الله نور السماوات والأرض فإنني أعمل عقلي، لكي لا أتصور للحظة أن الله يأفل مع الشمس، أو ـ وحاشا لله ـ ينتظر مني ضغطة علي زر لكي ينتشر من المصباح. أم تراني مخطئا؟
لقد قال الله لرسوله وما رميت إذ رميت ولكن الله رمي في إشارة إلي قبضة من التراب حملها النبي ونثرها علي الأعداء في معركة خيبر فيما أذكر. ماذا لو قلت لأمي: لا تحسبي أنك من تطعم الحمامة من فم إلي فم. لا تحسبي أنك التي تزغطين البطة. الله هو الذي يفعل ذلك. هل أكون مخطئا؟
أجبني: هل يخطئ من يقول إن الله نور السماوات والأرض؟ هل يخطئ من يقول إن الله يطعم البطة؟ هل يخطئ من ينفي عن الله بطش الشرطي، ويثني عليه برحمة الفلاح؟ ثم بأي شيء يصف الله نفسه حين يقول أولم يروا أنا نسوق الماء إلي الأرض الجُرُز فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم. آه لو تبصرون.
عزيزي يوسفمعاني القصيدة كما أراها لا تسيء إلي الله، بل تحسن الظن به. الشاعر الذي كتب هذه القصيدة يحب الله، ويمني نفسه وكل قارئ للقصيدة بأن الله هو الرحمة والحب والحرية والعطف. ولكن ما جعل هذه المعاني تخفي عليك ـ لو كانت خفيت ـ هو الصياغات. لعل إيمانك حملك علي أن تستنكف اجتراء قائل علي الله بقوله إنه فلاح أو إنه يزغط البط. ولكن الصياغة يا عزيزي حكاية أخري. إننا جميعا نقول إن الله هو الحارس. ولا ينزعج أحد. ولا أحسبك تنزعج. مع أن كلمة الحارس مستخدمة لوصف مهنة بشرية متواضعة الأجر وأحسبها أيضا من المهن غير المرموقة في مجتمعنا. ولكن تواتر وصف الله بالحارس في سياقات إيمانية توكلية هو الذي جعلك تدرك حين تسمعها ما تنطوي عليه من معني نبيل.
الشعراء يا عزيزي هم صناع اللغة. هم الذين يأخذون الكلمة من قبرها في جبانة المعجم ليبثوا فيها حياة جديدة. يرغمون الكلمات دائما علي أن تلعب أدوارا لم تلعبها من قبل. وكلمة الفلاح هنا موضوعة في سياق إيماني لا أشك في ذلك.
أتصور أنك مستعد لقضاء ما تبقي من عمرك لتنفي عن نبي الله ابراهيم تهمة الكذب حين قال بل فعلها كبيرهم هذا، أم تراك غير مستعد؟ أتصور أنك مستعد لذلك ـ وأعتذر لو كنت صادرت عليك ـ وأتصور أن السبب في استعدادك هذا، هو أنك مؤمن بأن نبي الله ابراهيم ـ صديق الله ـ لا يمكن أن يكذب. إذن إيمانك بنبل الخليل عليه السلام وسلامة نيته بالضرورة تجعلك تبحث عن تفسير لما يبدو للوهلة الأولي أنه خطيئة؟
سأفترض أن وصف الله بالفلاح يبدو للوهلة الأولي خطأ. لماذا لم تفترض سلامة نية حلمي سالم وتبحث عن تفسير لما قاله؟ ألأنه ليس نبيا؟ هل ينبغي أن نكون أنبياء حتي نحسن الظن ببعضنا البعض؟ أنت لست نبيا، وأنا لست نبيا، فهل يعني هذا أننا لا نستطيع أن نعيش علي كوكب واحد؟
عزيزي يوسفلقد كان بوسع المسلمين علي مدار تاريخهم، أن يشيروا إلي القبلة ـ بكسر القاف لا بالضمة ـ بحجر يوضع أو بسهم يرسمونه، ولكنهم جعلوا منها تجسيدا جماليا للمطلق، أو لنقل تجريدا له، أو لنقل ببساطة إنهم جعلوها جميلة في ذاتها، ملفتة للنظر، آسرة له.
اسمعني الآن في مقطع الأحرار ـ وأحسبه أكثر المقاطع إزعاجا لك ـ يقول حلمي سالم إن حرية الجناة ليست دليلا علي قسوة الله، بل علي حكمة له في ابتلائنا، فهم امتحاننا الأخير الذي يضعه الله قبل أن يؤلف سورة البقرة. أنت استدللت من كلمة سورة علي أن الرب المشار إليه في القصيدة هو الله. أنا لم أكن بحاجة إليها لأعرف أنه الله، أنه إلهي، أنه الإله الذي أحب أن أعبده. لأنه من ناحية يبتلينا بالجناة، ثم يبدأ في تأليف سورة البقرة لنا، رسالة منه إلينا، هل تتصور ربا أجمل من هذا، ربا يكتب لعباده، مخلوقاته، يكاتبهم؟ كم هو جميل ذلك الرب الذي يدعو إليه حلمي سالم. كم يسهل علي المرء أن يفهمه، ويحبه.
وقد يكون المقصود بـ سورة البقرة البقرةَ وحسب، تلك التي يتحسس ضرعها ليطمئن أنه مملوء بالحليب. وهكذا يكون الرب من ناحية يخلق الجناة امتحانا، ومن ناحية يخلق البقرة لمخلوقاته لكي يحصوا منها من بين فرث ودم علي حليب سائغ لهم. أليس ربا جميلا أيضا؟ أليس رحيما؟ لماذا تريد ألا يثني حلمي سالم علي الرب الذي يدعو إليه، والذي أعبده، والذي تحسب أنك مدافع عنه؟ قد يكون المقصود بـ سورة البقرة هو البقرة وحسب، وتكون كلمة سورة هنا مجرد إضافة جمالية كالتي تجدها في محراب مسجد. ولك الحق أن تتساءل عن قيمة هذه الإضافة أو حتي هذه التوشية. قيمة إضافة الشاعر كلمة سورة. ولك الحق في ذلك. وجواب تساؤلك يسير لا يكلفك إلا أن تقول الناس ثم تقول سورة الناس أن تقول النحل ثم سورة النحل أن تقول النور ثم سورة النور. حينئذ ستكتشف تلك الحمولة التي تلقي بها كلمة سورة علي كل ما يليها. حمولة القدسية والجلال والطهر. التي يستحقها النمل والنحل والنور، بوصفها جميعا مخلوقات مرت بين يدي الله، ولا تزال بين يديه مارة.
عزيزي يوسفلن أطيل عليك، أريد أن أضيف نقطة واحدة. أتصور أنك كمثقف تحاول في كل ما تقوله أن تتحري الصواب. أتري كيف أحسن الظن بك برغم أنك لست نبيا؟ ولكنني أتصور أيضا أنك لا تستبعد احتمال أنك قد تكون علي خطأ فيما تقول، أم أنك معصوم من الخطأ؟
رفعك للقضية معناه أنك تتصور أنك قد تكون علي خطأ. رفعك للقضية معناه أنك تلجأ إلي حَكَم يحدد من المخطئ: حلمي سالم في كتابته أم يوسف البدري في قراءته؟
هل القاضي الذي ستنتهي إليه شكواك أو بلاغك أعلم منك بالدين؟ هل هو أعلم من حلمي سالم بالشعر؟ ليس كذلك. ولا ينبغي له أن يكون كذلك. لماذا تلجأ إليه إذن؟ لو كنت مكانك يا عزيزي لكتبت رأيي في مقال واكتفيت بنشره عن البلاغ.
لماذا؟ لأن قضايا من هذا النوع تحتمل الخلاف، تحتمل تعدد الآراء، والقراءات. قد تري أنت أن وصف الله بالفلاح تجديف. قد يري القاضي غير ذلك. والآن ماذا كان ليحدث عند نشرك للمقال؟ كان ليقرأه مثلا محمد عمارة وفهمي هويدي فيكتبان. وجابر عصفور وصلاح فضل فيكتبان. ويقرأ قارئ الأهرام وقارئ الحياة. ويتكلم من يهتم بالأمر في الأمر. ويكتب فيه من يكتب. وتنشأ اختلافات واتفاقات. وينشأ تدريجيا إجماع ما، يتشكل ذوق عام، يصدر حكم علي القصيدة أمضي من حكم أي قاض، حكم يشترك في صياغته أهل الخبرة بالشعر وأهل الخبرة بالدين.
لو كنت نشرت مقالك هذا، بشرط أن يكون مكتوبا بنبرة من يؤمن أنه قد يكون مخطئا، فكان غيرك سيكتب بنفس النبرة، نبرة هادئة تشمل الجميع، فتجعلهم يفكرون أفضل، ويكتبون ضمائرهم وقناعاتهم الحقيقية، دون أن يرفعوا نبرتهم خشية أن يظهروا أقل منك إيمانا وحرصا علي الدين، أو يرفعوا أصواتهم عساهم يبعدون عن عنق حلمي سالم سكينا لعلها الآن في يد صبي جاهل.
عزيزي يوسفإنني لا أدعوك إلي أن تسحب بلاغك. فهذا شأنك. كل ما أتمناه ألا يتسبب شيء في منع حلمي سالم عن الكتابة بمطلق الحرية. وكل ما أتمناه لك أنت أن تجادل بالتي هي أحسن. هكذا طلب الله من الرسول عليه الصلاة والسلام. استحضر دائما الله الذي يقول ذلك، واستحضر من يقال له ذلك، اكتب كأنك تري الله ورسوله، استدع الله والأنبياء كلما أوشكتْ أن تغلبك الشهوة إلي رفع صوتك بحيث يسمعه معدو برامج الفضائيات. ولك تحياتيمسقط ـ عمانشاعر من مصر