نصر جميل شعث
عما قريبٍ سأنامُ علي فجْوةِ الحالِ، سيقومُ النهرُ في روحي بتلاواتٍ أخري. مِثلَ سرّ لم يفكّكه الناسُ سيغطس جسدي في شوطِ النومِ. قد أحلم.. لعلّني سأحلمُ بالعشبِ، ومدرستي الأولي، وجدائل جدّتي النائمة. أين أنا؟ أنا في الليلِ وحدي. ألهذهِ اللحظةُ ساقٌ تحتملُ السيرَ مثقلةً بالفكرةِ؟ مثقلُ جسدي. أفكاري طائرةٌ محلّقة متألّقةٌ في قداسةِ الهَدْأة؟! أمشي نحوَ ما يمكنني أن أتوه فيه. لا أفصح عن عادة الوقت، أختارُ التغطيةَ لأعبّر عن عمقيَ بما لا يؤلمني أكثر. لستُ ندّا للكتمانِ؛ هُويتي عفويتي. هُم في الأطرافِ كما الأعماق في حالةٍ ممكنةٍ من هُبوب. سيكتبني النهرُ لو أرادَ النهرُ أنْ يجري في ضحكتي طَوْعاً دُون ما مُجاملةٍ. بمقدار انتشاري أحبكِ، ساعةَ أكونُ منكسراً أسْندُني بِتذكّرِكِ. أحملُكِ في الصدي، أُحاصِرُ صَدايَ في قلبي؛ لئلا يخرجُ المعني خارجي. أحتمي بدفءِ صوتكِ يا حبيبتي، صوتكِ بحّةُ ماء جارٍ. حينَ تمرّ الأممُ علي معنايَ وتنكسرُ.. أتقنُ حبّكِ. في مذكّرة التكيّفِ لكَ أكتبُ انتصارَاتِ الروح العظيمة. حبيبتي التي لم تزل تسأل عن تفاصيلي الصغيرة، اطمئني: [ اليومَ تجاوزتني سيارةٌ! لكنها لم تُؤذني، لأني تذكّرتكِ، وابتسمتُ. حمداً لكِ علي سلامتي. تمنيتكِ لو كنتِ معي كنتُ مَسَكْتُ كفّكِ الدافئة في شارع موسم البردِ في مدينتي] بردٌ في مدينتي! أحتاجك، علي أية حالٍ، يا حبيبتي. دائماً، أزدادُ قوّةً بالأكيدِ المقدّس. أيّ نقاءٍ أكونُهُ حينَ أفكّركِ بقلبي. لديّ بكاءٌ نبيلٌ يذكّرني بفرحة النهر، وبحّة الماء، ودفء صوتكِ الجاري! أتخيلكِ الآنَ. أغمضُ عينيّ، أحضنني قبالة المرآةِ، ترفرفُ في عبارتي طفولةُ الطيرِ، أنت أنتِ حافزي معنايَ تكمنينَ فيّ. أعرفُ أنكِ سرّ صحويَ، واتساعُ قلبي دائماً. أخافُ عليكِ من فجأةِ انقلابِ الطقسِ. حبيبتي. تَغطّي بالحذَرِ، بالكسلِ الشتائيّ، ظَلّيْ في الأنثي. لا تحيدي. أبّدِيْ المكوثَ في الأنثي. أخبريني عن فصلِكِ البطوليّ، عن عبثِ أصابعكِ في الأوراقِ. أخبريني عن اتكاءات الكفّ علي الخدّ، وما في اللحظة من أفكار. أخبريني عن إنصاتك، عن سَيركِ، عن عاداتكِ، عن شكّكِ اليقيني، عن فضولك النبيل واهتماماتكِ النمطية، وعن طفولتكِ الخاصّة. أخبريني كلّما ثَقُلَتْ أحجامُ الناس علي قلبك. تخفّفي منهم كثيراً.. دائماً. يا حبيبتي. حينَ أكتبُ لكِ لا استخدمُ الكلماتِ من وفرة الأشياء بأسمائها. أنا أوقنُ بكِ قصيدةً تمنح الأشياءَ جوهرَا وصفاتٍ. لا يعبأ الشعرُ بالمارينَ وهم يحملونَ.. يتذاكرونَ أسماءَ وأشياء المكان. وحدك موطأ شعري. أنتِ مطلقي المهذّب، لغتي، قصيدتي، واتجاهاتي. وحدكِ تكمنينَ فيّ، تروضينَ نهاياتي، فلا تشرد أجزائي مني أكثر. قلبي يفهمُ روحكِ. أخضرُ كل ما حولي. أحبكِ. أخافُ عليكِ عليكِ أخافُ عليّ. أرفو أحلاميَ الصغيرةَ لأخلعَ عُريَّ أيامٍ ضالّة، أرفع مستوي أحُلاُميَ اليوميةَّ، أُصارِحُني في الحالِ: أنتِ نهاريَ الواسعُ. آتي إليكِ واقعياً بأمزجةٍ من كثرة؛ تشهدُ عليّ أمامَ الوقتِ الذي يَعزلُني فيّ لأكتبَ إليكِ. أقول: أحبّكِ.. ملءُ صوتي بحّة نهرٍ بابليّ. في اكتمال الليلِ أسحبُني من غفوتي لأهادنَ موتي بحياةِ اللغةِ. لا أغفو حتي ترْقَي الشمسُ أوانها. كيفَ أرقي سلّمَ الشمسِ، وهذا اللونُ وحْشِيٌّ في غابة الآن؟ لكنْ، أحبّكِ بعافية القلبِ واتّساعِ الروعةِ، وعفويّةِ طفلٍّ فيّ يملك الطفولةَ والجرأةَ والجدارة فَي حُبّ اللغةِ. أنتهي من طريقي، أشْرِفُ، كفاتحةٍ، علي كلامٍ طَرِيٍّ كبحيرةٍ في غموضٍ قادرٍ علي خَلْقِ قاربٍ من مِزاجيَ المتجوّلِ في غضونِ الكلامِ الذي في الذاتِ كبحيرةٍ منقوعةٍ في الهدوءِ مرةً، وفي الإثارةِ مرّةً. دائماً أختارُ ضوءَكِ لغموضِ التّحوّلِ.. حبيبتي.. حينَ لا أجدُكِ أكفرُ بشهادةِ النوم، أوصلني علي جناحِ اليقظةِ إلي آذانٍ يَشْهَدُ آمِرُهُ أنّي في المشقّةِ لا أشهدُ إلا أني حَصْوَةٌ أجرحُ صمتَ البحيرةِ، فتتسعُ فِراخُ الجُرْحِ.. دائرة تُفَرِّخُ دائرةً.. مداراتُ الحيرةِ في الذاتِ. تجَْرَحُني لازِمَةُ ورموزُ الماء. كلّ فرحةِ ماءٍ يَنفَعِلُ الماءُ، لا فرحة ماءٍ تنجو من زبدِ الماءِ. لا ماء يحتفل بشفافيته، بصفوهِ الذّاتيّ. أحبّكِ جدّاً. كم ترزقني هذي الـ “أحبكِ” حِنطةَ اللغةِ. هاتِ السلامةَ وروحَكَ ضماداً لطفلٍ يلقّنني العبثَ البدائيَّ. وقِني بحُسنِ أنوثتكِ مجاهيلَ لا تحترمُ اللهَ وعمري.
أريدُكِ وقتاً خارجياً نزقاً في المحبّةِ دونَ وقتي. تعالي أحبّكِ كلَّ منعطفٍ، يكرّرُ ذاتَهُ، ضدّ اعتباراتِ الإطاحةِ والرصيفِ. هاتِ وجهَكِ السعيدَ وقبلةً توجزُ التيه؛ تحُلُّ ضيفاً علي مُثُلِ الفراغِ. ذاكرتي اكتمال العاشق فيكِ. وإن تبكِ، فالحقولُ أوْلي بخصيصاتِ عينيكِ. في عينيكِ شأنٌ عميقٌ يجهلُهُ الوصفُ؛ شيءٌ يكمنُ في المطلقِ الحرّ.. الحُرّةُ هناكَ أغنيةٌ علي شفتيكِ. للبكاء شأنٌ عميقٌ علي جسدِكِ. دعيهِ يفتحُ شرفةَ المعني جسدُك عما قريبٍ. وعما قريبٍ ينامُ الليلُ ولا أنامُ. علي شاكلةِ الخائفِ أتشكّلُ يقظاً أغمضُ عيني لأراكِ، فأراكِ.
غيّريني ما استطعتِ. أنا غريبٌ عليّ، أنا الغريبُ فيّ. تيهٌ جِوار قلقٍ يتراشقانِ أيامي. أنتِ الفكرةُ ضمادَ الفصْلِ كُوني حبيبتي التي لا تُمَلُّ ولا تَمِلُّ! “أعشقكِ، وجاهلٌ بي” ! فاعشقيني بما لا يقبلُ الشكَّ؛ بما لا يَقْسمُ الدائرة؛ بما يكفلُ معرفتي بي. كلّهُمْ أُكَلّمُهم من أبهةِ الذاتِ إلاكِ: تغازلينَ الشمسَ بالمرآةِ. تقولين: المعرفةُ فكرةُ الحبّ مثلما الومضةُ إشارة الكشفِ بين الشمسِ والمرآةْ. حُضِّي الأنوثةَ علي جوابِ السؤالِ، اتْركي كلَّ معنيً يرعي وينمو في اتّساعِ المحبّةِ وحدَها كلّها دونَ اجتزاءْ. تخُصُّني اللغةُ بالعراقةِ والخرافةِ والضمادِ الفوريّ. أهنّئني: بلقائِكِ مُردّداً بمنطقِ عينيّ رموزَ الحديقةِ؛ المنطقُ- كما تفعل اللهفةُ – إغماضاتٌ تُكَشِّفُ عن مخبأِ الروحِ. فرادتي أنتِ تسيّجينَني بألقٍ ودلالٍ أعُوزُهُ. شاغبي، في الآن، كمُباغتةِ شعاعٍ لعتمةِ رُكْن!
حفاوةُ الله في مدي عينيكِ. ألِقةٌ في حضرةِ الصحْوِ بيضاءُ كمهجعِ النّيةِ. أليفةُ الروح. كلامك في حرّية الزرقة جمهورُ حمامٍ. فنّانةٌ الروحُ. فنّانٌ ألحمامُ. فنانٌ هذا اللهُ يشكّلُ إكليلَ حمامٍ أعلايَ. أحبُّك ِ: مخُلِصٌ لانكسارِ الكافِ فيكِ. أحبّكَ: لا قياس لحبٍّ بموضوعِ الجمادِ: لا بــــ”جبلِ شمس”. لا ب”الكرمل” المسروقِ. ساوي القياسَ بالمطلق الحرّ. تكمنينَ في الصحو، وعلي وشكِ الإغفاءةِ تنهضين من كموني. تُقبّليْنَ الشتاءَ من فمِهِ، فتهرعُ القُدرةُ إلي اللغةِ؛ يهرعُ الموسمُ إلي صحرائي. تطّوّفينَ في ضِيقيَ، فيحدثُ المطلقُ الدائريُّ الشيّقُ. أهنّيءُ فصوليَ، فراغيَ، طفولتيَ، ولغتي بكِ, كلُّ جدلٍ في الذاتِ حولَ الذاتِ يُؤلّفُ المراجيحَ التي تفاقم “فوبيايَ”؛ فأقترحُكِ كلَّ منعطفٍ، لتوحيدِ هشاشتي، وقلْبِ التأرّجُحِ رفرفةً وتجلّي!
أتنفّسُكِ في سحري البدائيّ، في بطولة كسليَ أحكي للّسانِ صَمتي. أكافُئني بدالّةِ الظلّ، أغنّي لي مِنّي: { فاتحةُ الشرقِ أنوثةُ شمسٍ. فاتحةُ الغربِ سفينة} يتمشّي جرحي تحتَ الشمس. كلُّ شيءٍ تحتَ الشمسِ متفتحٌ عارٍ منفتحٌ، كجرحيَ الخاسرِ، علي جُرْحٍ أليفٍ عريضْ! ظاميءٌ قدَريَ لنهرينِ مغويينِ ب”الزُّهرةِ”؛ يدفعني السلامُ إليكِ… تردّني الوسائلُ والمظانّ!