لا ينكر إلا جاهل أو متجاهل أن الحريـات قد تعاظمت في عهـد الرئيس المخلوع مبارك بصفة عامة وعلى الأخص في ثلثه الأخير إلى الدرجة التي أغرت البعض معها إلى سوء استغلال هذه الحريات، ومن شديد الأسف أن هؤلاء البعض ليسوا بقلة بل هم بكل تأكيد كثرة واضحة تتنامى لذاتها (جمع لذة) وتنتشي ذواتها مع كل سقوط في قيم السمو وصعود مقابل في قيم الانحدار باسم الحرية!
وليس بعسير على أي متابع أن يرصد على وجه اليقين أن الدولة كان لها منهجها الفريد في التعامل مع الحريات، ولكن بعد تصنيفها إلى صنفين أولهما يمكننا تسميته بحريات السمو والإرتقاء وثانيهما يمكننا تسميته بحريات السقوط والإنحدار، فأما الصنف الأول فقـــــد اجتهدت الـــــدولة وجاهدت لصرف الناس عنه باعتباره رجعية وتخلفا أو عمالة وخــــيانة، وأما الصنف الثاني فقـــــد جاهدت الدولة واجتهدت لاجــــتذاب الناس إليه باعتباره أحد علامات ودعـــامات ودلائل التـــقدم والمعاصرة والحداثة!! ولا ينكر إلا مجادل أو مكابر أن الدولة قد نجحت إلى حد بعيد في تشويه أذهان ووجدان الغالبية العظمى من أفراد الشعب المصري وبالأخص من هم في مرحلة الشباب، فشاعت في المجتمع كافة مظاهر وظواهر التسيب والانفلات السلوكي والأخلاقي بكل صورهما تحت مرأى ومسمع بل ورعاية ومباركة الدولة بكل سلطاتها بما يؤكد أن الأمر كان متعمدًا ومستهدفـًا للقضاء على ما تبقى من صلات بين المجتمع وهويته المستمدة من شرائعه وعاداته وتقاليده الرصينة. ويبدو لي أن المجتمع المصري في أغلبه قد اقتيد بخبث فانقاد بسذاجة إلى حيث أرادت له السلطة فتجرع من يدها كافة صنوف حريات السقوط والإنحدار حتى أدمنها وصار يدافع عنها في مواجهة الفضائل وحريات السمو والإرتقاء، فتبدلت القيم وتدهورت السلوكيات وتغيرت المفاهيم وتبدلت المعتقدات حتى بات أهل الفضائل أخجل من أن يدافعواعنها في مواجهة أهل الرذائل الذين أوهموا فتوهموا أنهم حملة رايات الحريات والمدافعون عنها، وما هم في حقيقة الأمر إلا طلاب حريات خاصة لا جدران لها من حياء ولا سقف من فضيلة، إنها حريات بني الحيوان لا بني الإنسان الذي لا كرامة له دون جدران الحياء وأسقف الفضيلة!
هذا ومن المشهود أن الرئيس المتنحي وحكوماته لم يقفوا عند إهدار القيم والفضائل وإنما نجحوا أيضـًا في تقبيح المشهد المصري برمته، فلا رؤية ولا رغبة في إصلاح سياسي، ولا رؤية ولا رغبة في إصلاح اقتصادي، ولا رؤية ولا رغبة في إصلاح علمي وتعليمي وبحثي، ولا رؤية ولا رغبة في إصلاح اجتماعي!! إذن فنحن بصدد دولة اللا دولة، دولة ضاع الكثير من شبابها بين الجنس والمخدرات والعقوق والتبجح، دولة صار أسيادها ورموزها هم أهل الغناء والرقص والتمثيل بكل ما تقوم عليه هذه المهن من رذائل ومعاصي إن وجدت من يبرر لها هذا في الدنيا تحت شعار حرية الفكر والفن والإبداع فلن تجد من يجرؤ على مجرد الهمس بمناصرتها بين يدي جبار السماوات والأرض، دولة صار علماؤها وعمالها وزراعها في أذيال قائمة اهتمامات الدولة، دولة تفشت فيها أخطر الأمراض الناتجة عن تلوث الغذاء والماء والهواء فبات نصف الشعب معطلا عن الإنتاج بين عاجز أو شبه عاجز، دولة ديست فيها قيم ومبادئ العدالة الإجتماعية حتى يئس البعض من أبنائها في مسكن يؤويه حيًا أو قبر يواريه ميتًا، دولة تقزمت طموحاتها بمجرد البقاء، وهي طموحات في تقديري بعيدة المنال على الرغم من ضآلتها في ظل الطموحات الدولية والإقليمية التي لاسقف، أي دولة تلك؟ وأي حكم ذلك؟ لقد كان الرئيس المتنحي يعلم يقينـًا حال شعبه ويعلم يقينـًا أن أغلب القوى السباسية المعارضة التي أوجدها هو لتعارضه كما يريد أن تكون المعارضة لاتملك رأيًا ولارؤية ولا إرادة لحكم بديل، فكان يتوجه إليها في سخرية واستهانة قائلاً: أنا أدعو المعارضة ألا تكتفي بكلمة لا، وأن تقدم السياسات والبرامج البديلة لما يقدمه الحزب الوطني، فمصر لكل المصريين، ومن حق جميع المصريين أن يشاركوا في بناء مصر، إلا أن المدهش حقـًا أن هذه القوى ظلت عاجزة عن طرح سياسات أو برامج موضوعية لها قبول شعبي، ولكن لا عجب فهم دون شك أبناء شرعيون لنظام لا شرعية له! ولكن.. نعم سيادة الرئيس، سأفترض فيك الصدق، وسأفترض في نفسي السذاجة، وسأقدم لك ما لم يقدمه من سخرت منهم، إنه كتاب أطواق النجاة لأمة تغرق الصادر عام 2004 والذي كان ولايزال وفق من قيموه من رموز السياسة كتاب شديد الأهمية وواجب التطبيق إذا كنا جادين في إنجاز نهضة كبرى.. إنه كتاب تم تجاهله بالأمس، ولكنني أقدمه لحكام اليوم عساهم ألا يتجاهلوه، فإن تجاهلوه فلن أتردد في تقديمه إلى حكام الغد، فإن تجاهلوه فلا أظن أن العمر سيمهلني فرصة لتقديمه إلى حكام ما بعد الغد، لأنني حتى وإن حييت إلى ما بعد الغد فلن أسعى لتقديمه لسبب واحد وحيد ألا وهو أنني سأكون قد صرت حينها على يقين بأن مبارك الذي حكمنا بالأمس هو نفسه الذي يحكمنا اليوم وهو نفسه الذي سيحكمنا غدًا وهو نفسه الذي سيحكمنا بعد غد حتى وإن تم انتقاله من قصر العروبة إلى مستشفى شرم الشيخ إلى سجن طره ومنه إلى عالم البرزخ، وعاشت مصر لنا وبنا وعشنا لمصر وبها. ماجد ضيف[email protected]