رسالة ساركوزي للمسلمين

حجم الخط
0

أتوقع أن الرسالة التي يريد الرئيس ساركوزي إيصالها للمسلمين قد وصلت الآن بوضوح جلي، وذلك عندما أقدم على منع الشيخ يوسف القرضاوي من الدخول إلى الأراضي الفرنسية لحضور مؤتمر اتحاد المنظمات الإسلامية هناك، واتّهامه بالتطرف والإرهاب وإشاعة الكراهية، وتحت ذريعة أحداث مدينة ‘تولوز’ التي حدثت جنوب غرب فرنسا أواخر شهر مارس آذار 2012. والشيخ القرضاوي معروف بمنهجه الوسطي والمعتدل والصريح، وفكره مقروء ومسموع ومعروض على الجمهور العام، ولا يخفَ منه شيء، ويحظى باحترام كبير وبشعبية كبيرة لدى عامة المسلمين.

فلماذا هذه القراءة المشوّهة لفكر هذا الشيخ؟ ولماذا التجرؤ على وصفه بهذا الوصف دون إكتراث بمشاعر المسلمين؟ ولماذا هذا التوقيت بالذات؟ ومَنْ المراد بهذا الوصف؟ أهو الشيخ القرضاوي نفسه (أحد أهم وجوه ورموز العالم الإسلامي المعاصر، ورئيس الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين)؟ أم هم مسلمي اليوم الذين فقدوا هيبتهم بين الأمم واعتادوا على الصفع والإهانة؟ أم هو انتقاص للدين الإسلامي بطريقة أدبية وغير مباشرة، باتّهامه بهذا الوصف من خلال قراءة مسيسة ومبتورة للإسلام تفسر الأمور باتجاه واحد؟

كنّا نحاول أن نحسّن الظن بدولة تدّعي الديمقراطية وتنادي بالحرية واحترام حقوق الإنسان وتدعم حرية الفكر والتعبير، ولكنّها لم توفق لذلك أبداً.

قرار المنع من دخول الأراضي الفرنسية لم يقتصر على الشيخ القرضاوي فحسب بل شمل ثلة من خيرة علماء المسلمين ‘الشيخ عكرمة صبري، والشيخ صفوت حجازي، والشيخ عبد الله بصفر، والشيخ عائض القرني’ طبعا بحجج واهية تستفز مشاعر كل العرب والمسلمين وكأنهم جميعاَ المعنيون بهذه الصفعة من خلف هؤلاء الرموز.

وكأنّ من يوزّع أوسمة السلام والمحبة والتسامح قد خلت قلوبهم تماما من العنصرية والكراهية والحقد الدفين تجاه غيرهم!

والغريب في الأمر أن هؤلاء العلماء جميعهم يتّسمون بالفكر الوسطي والمعتدل وهم بعيدون كل البعد عن المناهج التكفيرية المتطرفة التي ينتقدها المسلمون قبل غيرهم.

فهل أصحاب الحكم والعقل في فرنسا لم يعد لديهم القدرة الكافية على فهم المسلمين واستيعاب أفكارهم وتمييز مذاهبهم، حتّى التبست عليهم الأمور فلم يعد يفرّقون بين فكر تنظيم القاعدة وفكرالإخوان المسلمين مثلا! وهل بات الجميع في سلة واحدة؟! أم أنهم يعرفون ولكنهم يحرّفون لحسابات سياسية ومصلحية ضيقة.

لم نجد مبررا مقنعاَ حتى الآن من خلال ما صدر عن الحكومة الفرنسية في طريقة تعاملها من علماء ودعاة مسلمين هم من أكثر الناس شعبية ورمزية كما أسلفنا، فلو أن هذا الموقف قد صدر من شخصية سياسية معينة أو غيرها أو من أي مؤسسة أخرى لربّما لم يكن له هذا الصدى ولم يترك هذا الأثر السيىء في نفوس المسلمين، أمَا وأن يصدر من رأس هرم السلطة فهذا يترك العنان لمزيد من الاستفهامات والشكوك والتوترات حول علاقة هذه الدولة وموقفها من الإسلام والمسلمين، ويرسم لمراحل جديدة في العلاقات ربما تكون أكثر سخونة من قبل، وخاصة أن ثورات الربيع العربي أفرزت حكومات جديدة على خلفيات إسلامية ذات شعبية واسعة لا يستطيع ذو عينين إنكارها، مما يضفي نوعاَ مختلفا من العلاقات في المستقبل مع تلك الدولة أو غيرها، على أساس الاحترام للمعتقد والمقدسات والرموز الإسلامية.

وهنا نتسائل: هل ما جنته فرنسا من تعاطف عربي وإسلامي نتيجة مواقفها السياسية المميزة (في ظاهرها) من ثورات الربيع العربي قد تخسره الآن في هذا الموقف المشين (وقبله كانت قضية الحجاب)؟ أم أنه ما زال لديها فرص أخرى ومناسبات قادمة ربما تصحح فيها علاقتها وتصوراتها تجاه المسلمين (إن كان يهمهم ذلك طبعا)؟ ام أن العلاقة مع إسرائيل تبقى هي ‘التيرموميتر’ الأساس الذي تقيس فيه فرنسا من خلاله علاقاتها وودّها مع الدول والمؤسسات والأحزاب والأشخاص، بل وحتى على مستوى المبادئ والأفكار؟! عبد العزيز الحلبي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية