رسالة سلام!

حجم الخط
0

منال الشيخ

يصعب علي شخصياً أن أكتب الآن عن أي شيء ‘شخصي’ خارج ‘الربيع الدموي’ في بلداننا. واتضح أنني لستُ الوحيدة التي تعاني من نضوب في الخيال والجمال وسط ضجيج صوت الحق والحقيقة. الشعر والفن عموماً يحتاجان إلى خيال صافٍ وعالم منفصل عن الواقع. أعتقد أنه ليس نضوباً بقدر ماهو انطفاء وهج لحظة البدء، حتى تصلك رسالة في البريد تقلب عليك طاولة انتظار اللحظة. لا بأس إذن أن أكتب عن الحب والذات في غير أوانه، والأدق أن أكتب عن اللاحب في أوانه تماماً. لم اقرأ الرسالة، فقد أصبحتُ مصابة بغشاوة الكلمات والحروف بعدما امتلأ بصري وبصيرتي بالصور. كان عنوان الرسالة كافياً لاستشف ما تحمله من عروض مغرية لاستئناف السلام. ولكن بعض العروض تصل بعدما ينفد رصيدنا من الرؤية، وأنا الآن عمياء!

حاولت أن اقرأ الرسالة باعتمار فطنتي، التي غررت بي مراراً، بدلاً من نظارة طبية لم استخدمها بعد، إلا أني اكتشفتُ جهلي المدقع في القراءة على طريقة ‘برايل’ للمكفوفين. نصاب بالعمى عندما نرى أكثر من اللازم ولم يكن بمقدوري اغماض عيني لحظتها عن الصور الخادعة المتفجرة من بين ثكنات الماضي. نصاب بالعمى حين تكون الألوان فاقعة ومؤذية مثل أشعة الشمس وننسى دائماً جلب النظارات الواقية للحقيقة. نصاب بالعمى عندما ننام ليلاً على حلم نؤسسه نحنُ ويعيشه آخرون دوننا في الصباح. لم تنفع وصفات أمي لي حين كانت تنصحني بعدم كشف غطاء الأسرار عما تطبخه الأيام: عيشي لحظتكِ مع اللقمة القادمة واستمتعي ولا تسألي عن سرّ خلطة البهار! لم يفد كل ما تعلمته من مدرسة ‘كونفوشيوس’ ودروس صديقي البوذي المتصوف في تقويم ذاتي وغض البصر عن النقائص. لم تفد كل تلك الساعات التي دفعت ثمنها بالعملة الصعبة من أجل دروس اليوغا الكاوية لأتمكن من الوقوف على قدم واحدة، رأسي يحلم عالياً بالسلام دون أن تسقط مني دمعة. لم تفد صلابتي التي اكتسبتها من صوت الانفجارات في أذني وصدى الرصاص حين كان يرتد إلى صدري بعدما يغتال رفيقاً لي. كل هذا لم يفد يا أمي إزاء وجع اللحظة. لماذا أصبح التسامح صعباً إلى هذا الحد!

؟ سؤالٌ دقَّ في رأسي مثل مطرقة يوم مقتل القذافي وفلقَ صمتي يوم وصول الرسالة. انقسم الناس يومها إلى مجاميع؛ منهم من استنكر الطريقة التي قتل بها، ومنهم من قال إنه يستحق أكثر من هذا جزاء ما كان يفعله بشعبهِ، ومنهم من اكتفى بإعطاء العذر لقاتليه نظراً لمجهولية ملابسات اللحظة عندنا. عن نفسي، كنتُ هذه المجاميع كلها. عندما سمعت خبر مقتلهِ، قلت هذه قضية عادلة لأنها كانت حرباً بين جهتين مسلحتين. بغض النظر عن النتيجة ومن كان سيربح الحرب، فان النتيجة كانت ستأتي دائماً منصفة لتكافؤ الأطراف في التسلح والعدد. في البدء رأيت صورة القذافي مقتولاً قبل رؤية الفيديو، وكان الانطباع لحد لحظة الصورة: لا بأس، هؤلاء الناس تجرعوا المرّ لأشهر عديدة دون توقف نزف الدماء من الطرفين. حتى توافدت أفلام أخرى عن لحظات ما قبل مقتله، صار عندي رد فعل مغاير ومختلط استغربتهُ في نفسي. لماذا أحسستُ بالحزن لحظتها وليس بالقرف والاشمئزاز كما حدث مع الآخرين؟ لماذا الحزن والخوف معاً؟ وكنتُ أقاوم الاستسلام لهذا الشعور كلما تذكرتُ جرائمه في حق شعبه. استغربت من عدم تحديد موقفي بالضبط مما حدث وأنا منْ تسامح مع قاتل أهلي حتى قبل أن أعرف من هو. كيف استطعت للحظة أن أجيز ‘لثوار ليبيا’ حق التمثيل بجثة القذافي والتصرف بما لا يليق من حركات نستنكرها على الأحياء قبل الأموات؟ كلما كثرت تساؤلاتي ودهشتي انفتحت نوافذ للتبرير أمامي: قاتل أهلي لم يُهني ولم يمارس عليّ سطوته طوال عقود ولم يتهمني يوماً بالغباء والعدمية. قاتل أهلي لم يرقص يوماً على هدر كرامتي في الطوابير وجثث ملتي في غياهب السجون. قاتل أهلي لم يمارس الخيانات تلو الخيانات في حق وجودي وسياسة الاستغفال على انسانيتي. قاتل أهلي أطلق الرصاص عن وعي بما يفعله وكان دافِعهُ المال أو العقيدة، ثم اختفى. لم يبقَ ماثلاً بعدها أمامي ليذكّرني بهذه الخيبات كلها التي ربّاها القذافي في صدر الشعب الليبي على مرّ السنين. قاتل أهلي لم يعد ليعتذر مراراً على جرائمه في حقي ويستأنف السلام ثم يرتكب جرائم أكبر من ذي قبل. لذا كان من السهل عليّ التسامح مع القاتل لأن مهمته كانت محددة ولم يُطبع وجوده كوشم في الذاكرة، ولكن لم يكن سهلاً عليّ التسامح مع مُخطِط الجريمة وممولها، لذا جاء مقتل القذافي بهذه الطريقة نتيجة طبيعية لممارساته هو شخصياً، فلا أستطيع لوم ثورة مارد الغضب والانتقام بعد أن جرحهِ بنصل الظلم والإهانة. لا أبرر جريمة أحد في حق أحد، ولا أجيز أساليب الانتقام. كل ما في الأمر أنني أحس بالغشاوة على بصيرتي مثل الآلاف ولا أعرف ما الذي يحدث بالضبط ولماذا يستعصي علينا التسامح في لحظة بعينها. ما أعرفه أن الخيانة مرّة والاستغفال أمرّ، ألفتُ طعمهما، ولكنني لم أعد أتعرف على طعم التسامح وسط هذه المرارة!

إنها الواحدة بعد منتصف العمر، يبدو أن الوقت قد تأخر على تعلم لغة ‘برايل’ لقراءة الرسالة! كاتبة من العراق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية