‘المواطن’ لسام قاضي من أفلام مهرجان أبوظبي السينمائي:حسين عباسيبحثاً عن المدنة الفاضلة ـ سواء في نسختها الإغرقة لأفلاطون، أو الوصفة الإسلامة للفارابي ـ كدح الناس للَ نهار لحققوا أحلامهم عل أرض الواقع، ولاسّما في البقعة التي اكتشفها كريستوفر كولومبوس، والتي دخل الناس فها مملوكن لكن أمسوا ملوكاً!لقد تعذر في العقد الأخر، تحقق تلك الأحلام؛ خاصة عل من مُدّت نحوهم أصابع الاتهام وعُلّق عل جبنهم وسام الإرهاب: إنّهم العرب والمسلمون الذن تنحوا جانبا عن احتضان حلمهم الأرضي في بلد الأحلام، وفلم ‘المواطن’ هو تجسد لتلك الأماني والمعاناة، لا عل أرض الواقع بل عل الشاشة الفضة.في صالات أبوظبي السنمائةعُرض فلم ‘المواطن’ ضمن مجموعة أفلام ‘آفاق جددة’، وقد رأ الجمهور في المسابقة الرسمة وغرها أفلاما تعكس ما جري في البلدان العربة والإسلامة؛ ففلم ‘ما نموتش’ لنوري بوزد، وفلم ‘عطور الجزائر’ لرشد بن حاج، ساندا المرأة ضد التار المخالف لحرّتها والذي تجسّد في الحجاب وبحكم النظرة الأصولة المتطرّفة و’حجر الصبر’ سلط الضوء عل معاناة المرأة الأفغانة وما حلّ بها جرّاء سلطة طالبان والقاعدة، و’عائلة محترمة’ الفلم الإراني الذي اعتبر الأجال الثلاثة التي تربّت في حضن الحكومة الدنة، محتالن سعون وراء إشباع شهواتهم تحت غطاء الدن ومظاهره. وقد تمّ اختار الأفلام بذكاء مبرمجي مهرجان أبوظبي؛ فكان كلٌ من هذه الأفلام الأربعة تحدث عن مأساة الفترة الراهنة في كلّ من تونس، والجزائر، وأفغانستان، وإران، وهي من منظور مخرجها بمثابة وثقة معبِّرة ومرآة صادقة لهذه البلدان الأربعة، تودّ لو أن تدن صنّاع التطرف.أما فلم ‘المواطن’ فإنّه انتقد الوضع الموجود في بعض البلدان العربة (لبنان، سورا، الكوت، والعراق) ومرّ عل أجوائها مرور الكرام، لكرّس همّه في تحسن الصورة للذات العربة المسلمة في الولاات المتحدة. إنّه كقصة مستوحاة من أحداث حققة، بحث خّل إل المشاهد أنّه ر فلما وثائقا في بعض الأحان. استغرق صنع الفلم خمس سنوات، وحاز عل جائزة أفضل كادر للفلم في عرضه العالمي الأوّل، في الدورة الثامنة والعشرن لمهرجان بوسطن.أحداثُ المهجَر وأنباء المهاجرينعندما ندخل في حرب أهلية ضحاياها الأبرياء، علينا أن ننتقل من بلد عربي لآخر، علّنا نجد السّلام الذي هو رسالة الإسلام، لكننا نجد الوضع أسوأ حيث يهاجم الجارُ جارَه، فنبقى بلا دار ولا جار؛ هذا هو حال ‘إبراهيم الجراح’ في فيلم ‘المواطن’ من إخراج ‘سام قاضي’. فإبراهم فقد أمه وأباه في طاحنة لبنان الأهلة، وهرب بجلده إل سورا فلم جد المناخ مناسباً، فهاجر نحو الكوت وإذا بالغزو الصّدامي الدامي …يصل إبراهيم إلى أمريكا ليحقق حلم الحرية في نيويورك، حيث ينتظره ابن عمه ‘رشاد’، لكن رشاد يُخلف الميعاد (يذهب لمطار آخر!) فيستعين إبراهيم بما هو مسموح غالباً في تصرفاتنا، فيكذب على شرطة المطار (وهم يقرؤون في عيونه وسكناته عدمَ الصدق) فيُسمح له بالدخول.وفي الفندق يرافقه الحظ إذ يتشاجران في الغرفة المجاورة ‘دايان’ وصديقها. ومن طباع إبراهيم كعربي أن يبحث عن مصدر الشجار فيفتح الباب ليرى دايان إلى جانبه هاربة وخائفة. وبعدما تستقر الحال، يبدأ إبراهيم حسب معاييره الإسلامية / العربية ـ بمساعدة مَن لا يعرفها ولم يرها من قبل، والمساعدة جاءت من صميم نصيحة أبيه:’ إزرع اليوم لتحصد غداً’. والعمل بهذه النصيحة هي ركيزة فيلم ‘المواطن’. وهذا المبدأ الأساس الذي يلتزم به كلّ مسلم وعربي، يحثّ إبراهيم طوال الفيلم على عون الآخرين (يساعد دايان التي تصبح زوجته في النهاية؛ يخدم ميكي وهو من أصل إفريقي، والذي دهورت الخمرة حاله ليمسي متسولا وسارقا؛ يسدي إبراهيم لمهاجر هندي نصيحة أن لا يلهيه جمع المال عن احترام الأهل والعيال؛ نقذ إبراهيم حياة مواطن أمريكي وتقاسم اللكمات معه) ولا ينفكّ إبراهيم عن قراءة القرآن، والاهتمام بالمصحف (يضعه قبل كلّ الكتب في رفوف المكتبة)، وخدمة الناس. ونجد إبراهيم إلى جانب كلّ خدمة يسديها لغيره، يخسر أكثر فأكثر، لكنّه يستمر في الإحسان لحوّلَ شعار أبه إل شعور اجتماعي متجسّد، ويتعرف شيئاً فشيئاً على سلوك المواطن الأمريكي (يعترف أحيانا بأنه أخطأ في اعتماده وسلوكه كما في قضة مكي، أو مثلا هو يسكن في بيت دايان لكنّه يفكّر بالزواج من شابة محجّبة لبنانية اسمها ‘باها’ ويلاقيها!)وبعدما يواجه إبراهيم الكثير من المصاعب والمصائب (وقد سجن ستة أشهر دون أن وجّه إله أيّ اتهام أو اعتذار)، يبدأ فصلُ الحصاد، فيأتي لمساعدته طوعاً كلّ مَن خدمه إبراهيم مِن قبل. يجتمع الجمهور أمام باب المحكمة الأمريكية التي رفضت أن تمنحه جنسيةً لأنّه شكل خطرا عل الأمن القومي، وذلك حسب رواية الفيلم بسبب تغير نظرة الأمريكيين من مواطنين وقادة بعد ما حلّ بهم في 11 سبتمبر. وتثمر مساعي المحامي والناس ووسائل الإعلام وإبراهيم نفسه وأصدقائه، فيحصل على الجنسية الأمريكية دون أن يغيّر اسمه أو دينه، أو تنهار شخصته أمام البناات الأمركة العملاقة. والاسم هذا يبقى رمزاً لبطل الفيلم (بتمثيل رائع من ‘خالد النبوي’) بل الاسم هوية إبراهيم كعربي مسلم ملتزم بشعائره وشعوره وشعاراته؛ كالصلاة (دون أن نعلم مذهبه) وقراءة القرآن والابتعاد عن ممارسة الجنس ومعاقرة الخمرة وحتى التدخين.والمحكمة من أهم وأجمل مشاهد فيلم ‘المواطن’، صوّر لوحتها المخرج ‘سام قاضي’ بدقة عالية وحوارات دقيقة ومجادلات عميقة، تسمّر المشاهدين على مقاعدهم. وفي نهاية المطاف، يخاطب المشاهد نفسه قائلاً: ‘لاشك أن المدعي العام خسر في هذه المحكمة لكنّ أمريكا احتضنت مواطناً جديداً من جذور مسلمة وعربية صادق القول والعمل يودّ أن يعيش حلمه في أمريكا، أي البلد الذي في فترة وجيزة زرع إبراهيم فيه بذور الأمل وحصدها’. كما يأمل المشاهد الذكي أن يتمتع وطنه بهذه الحرية والسّلام حتى لا يضطر إل أيّ هجرة أو تهجر.أخراً ولس آخراعلم سام قاضي، أنّه في بداة مشروع جدد عل عاتقه عبء ثقل، وهو ما كان حلم به ‘مصطف العقاد’ لحققه، وقد حقق بعضه؛ إنّها الصورة الواقعة للمسلمن والعرب ـ لا كما حبّه الآخرون أن كونوا، بل عل شاكلتهم وصفاتهم وسجااهم النابعة من صميم دينهم وثقافتهم ـ وما العولمة الحققة سو حق الوجود والتعبر عن الذات المستقلة؛ وإنها كما صور لنا فلم ‘المواطن’ هي مواطنة دون تأمرك. وكلّ هذا يجعل من سام قاضي وفلمه رسالة عربة مسلمة للسّلام والحوار.*سينمائي عربي في ايران