بيروت – «القدس العربي» : بعد 8 أيام على الانتفاضة الشعبية العارمة على امتداد الاراضي اللبنانية، وبعد استهجان العديد من المتظاهرين عدم ظهور رئيس الجمهورية العماد ميشال عون وعدم إدلائه بأي موقف من هذه الانتفاضة، أطلّ الرئيس في رسالة متلفزة غير مباشرة بل مسجّلة وتخلّلها مونتاج ركيك ليطلق مواقف لم تقنع المتظاهرين ولم تستجب لمطالبهم بل خذلتهم على حد تعبير بعضهم لأنها جاءت عمومية وباتوا لا يثقون بالوعود الوهمية.
أبرز ما ورد في رسالة رئيس الجمهورية هو أنه «أصبح من الضرورة اعادة النظر بالواقع الحكومي الحالي كي تتمكن السلطة التنفيذية من متابعة مسؤولياتها، وطبعاً من خلال الاصول الدستورية المعمول بها «.وقد رحّب الرئيس سعد الحريري بدعوة رئيس الجمهورية وغرّد على تويتر قائلاً « إتصلت بفخامة رئيس الجمهورية ورحّبت بدعوته إلى ضرورة اعادة النظر بالواقع الحكومي الحالي من خلال الآليات الدستورية المعمول بها.»
وفي ردود الفعل ، كتب رئيس الحزب «التقدمي الاشتراكي» وليد جنبلاط عبر حسابه على «تويتر» «بعد سماع كلمة الرئيس عون وبما اننا في نفس هذا المركب الذي يغرق وكون نشاطره الخوف من الانهيار الاقتصادي، نجد ان أفضل حل يكمن في الإسراع في التعديل الحكومي والدعوة لاحقاً إلى انتخابات نيابية وفق قانون عصري لا طائفي».
تغريدات بنات الرئيس
غير أن اللافت هو تغريدات إبنتي رئيس الجمهورية ميراي وكلودين التي أكدت وجود إنقسام داخل البيت الرئاسي وخلاف مع رئيس التيار الوطني الحر الوزير جبران باسيل حيث ركزّت إبنتا الرئيس على قول والدهما أنّه «صار من الضروري إعادة النظر بالواقع الحكومي»»، وكتبت ميراي عون «اللبنانيون يطرحون الثقة بحكومتهم في الشارع بعدما تقاعس نوابهم عن ذلك «. اما كلودين عون روكز زوجة النائب العميد شامل روكز فغرّدت» الانتخابات المبكرة، أفضل لليوم ولبكرا» قبل أن تعود وتحذفها، فيما صهر الرئيس الآخر غير باسيل غرّد مؤيداً الاحتجاجات وقال «اسمعوا صوت الشعب، انصتوا لمطالبه، احترموا غضبه المقدس، ولا تتجاهلوا أصل المشكلة: لا ثقة بمن في السلطة اليوم! فلترحل هذه الحكومة فوراً! محاولات الترقيع وانعاشها لن تنفع… نحتاج حكومة موثوقين أخصائيين اخلاقيين».
انقسام داخل البيت العوني بين باسيل وابنتي الرئيس وروكز… ومناصرو «حزب الله» إلى الشارع
وكانت معلومات صحافية ذكرت أن إبنتي الرئيس شجّعتاه قبل يومين على إجراء تعديل حكومي يطال ايضاً الوزير جبران باسيل، وبناء عليه أوفد رئيس الجمهورية إلى الرئيس الحريري المدير العام للامن العام اللواء عباس ابراهيم للبحث في هذا التعديل قبل أن يدخل باسيل على رئيس الجمهورية ويقنعه بالعدول عن التعديل حيث قال له «تدفيعي الثمن سيجعل منك فخامة الرئيس الهدف المقبل». وأمس سُرّب فيديو للوزير باسيل في مركزية التيار يتوجّه فيه لمناصريه بالقول «لا تخافوا ولا تهتزوا».
وكان الرئيس عون أكد أن «المشهد الذي نراه، يؤكد ان الشعب اللبناني هو شعب حي، قادر على الانتفاض، والتغيير، وايصال صوته.. ولكن الطائفية حطّمتنا، ونخرنا الفساد حتى العظم، وقد تركنا من اوصل البلد إلى الهاوية بدون محاسبة». وإذ اعتبر أن «الذهنية الطائفية التي حكمت البلد هي اساس مشاكله»، لفت إلى ان طموحه «كان ولا يزال، التخلّص من هذه الذهنية للوصول إلى دولة مدنية».
وشدد على «ضرورة استعادة الأموال المنهوبة»، مشيراً إلى انه تقدّم بقانون لاستعادتها، وقال :»كل من سرق المال العام يجب ان يحاسب، لكن من المهم ان لا تدافع طائفته عنه بشكل أعمى»، داعياً « إلى كشف كل حسابات المسؤولين لكي يحاسب عليها القضاء». وأكد «ان الورقة الاصلاحية التي أقرّت ستكون الخطوة الأولى لإنقاذ لبنان وابعاد شبح الانهيار المالي والاقتصادي عنه، وهي الانجاز الأول للبنانيين، لكن يجب ان تواكب بمجموعة تشريعات لان مكافحة الفساد الحقيقية تكون عبر قوانين وبالتطبيق الصارم للقانون، وليس بالشعارات والمزايدات والحملات الانتخابية».
رفع السرية المصرفية
وإذ أشار الرئيس عون إلى «وجود مجموعة من اقتراحات القوانين في مجلس النواب متعلّقة بإنشاء محكمة خاصة بالجرائم المتعلقة بالمال العام، وبإسترداد الدولة للأموال المنهوبة، وبرفع السرية المصرفية عن الرؤساء والوزراء والنواب وموظفي الفئة الأولى الحاليين والسابقين، وبرفع الحصانات عن الوزراء والنواب الحاليين والسابقين وكل من يتعاطى المال العام»، دعا الناس إلى «رفع اصواتهم ومطالبة النواب بالتصويت عليها، حي يصبح كل المسؤولين عرضة للمساءلة والمحاسبة القانونية». ودعا اللبنانيين جميعاً «كي يكونوا المراقبين لتنفيذ الاصلاحات»، وقال : «الساحات مفتوحة دائماً أمامكم، في حال حصل أي تأخير او مماطلة. وأنا من موقعي، سأكون الضمانة وسأبذل جهدي لتحقيق الاصلاح». ولفت إلى ان «تغيير النظام لا يتم في الساحات بل من خلال المؤسسات الدستورية»، مؤكداً «للمعتصمين والمتظاهرين أنه على استعداد للقاء بممثلين عنهم للاستماع إلى مطالبهم، وفتح حوار بناء يوصل إلى نتيجة عملية وتحديد الخيارات التي توصلنا إلى أفضل النتائج».
ورصدت «القدس العربي» ردود فعل سلبية للمتظاهرين على رسالة رئيس الجمهورية. ومن جل الديب وزوق مصبح ردّ سلام الزعتري معتبراً «أن الخطاب كان اهانة لذكاء كل اللبنانيين»، واستهجن «الوعود بمحاربة الفساد»، داعياً» إلى جرّ كل الناس إلى القضاء وألا تتوقف العملية على نجيب ميقاتي».
وشدّد متظاهرون آخرون على أنه «قبل الحوار يجب أن تسقط الحكومة وهل سنتفاوض مع وزراء فاسدين ومتهمين؟». وقال أحدهم «كنا نتمنى أن نسمع من الرئيس أن السلطة اجتمعت وأقرّت القوانين بدل الوعود». وأضاف «الدولة كلها معه فكفى ضحكاً على الشعب وكنا نتمنى منه أن يطلب استقالة الحكومة».
واستغرب أحدهم دعوة رئيس الجمهورية إلى الحوار وقال «مطالبنا واضحة ولا ثقة بالرئيس ولا بالنواب ولا بإصلاحاتهم مع كل احترامي للرئيس يسعى لاسترداد الاموال المنهوبة ليبدأوا بأنفسهم».
ومن كفررمان في الجنوب هتف احد المواطنين «لا ثقة لا تفاوض إستقيلوا». وقال آخر «رئيس الجمهورية اذا أراد فعل شيء يصدّقه الشعب ليؤلف لجنة من الجيش والضباط الشرفاء للمحاسبة، ولم يعد مقبولاً من أي سياسي أن يستخف بمليوني مواطن نزلوا إلى الشارع». واضاف أحدهم «الساكت عن الحق شيطان أخرس ولتنزل كل الناس إلى الطرقات وكنا نتوقع منه خطاباً يدعم الثورة ، وما لاحظناه كأنه يريد استعادة صلاحيات رئاسة الجمهورية».
ومن طرابلس قالت إحدى المتظاهرات «إنسمّ بدني عندما سمعت الرئيس وأقلّ شيء بعد 8 ايام كنا ننتظر أن يستجيب لمطالب الشعب ويتنازل عن رئاسة الجمهورية «, وسألت « من سيحاسب الرئيس ؟ صهره ونازل؟»، مضيفة « احتراماً لهيبتك يا فخامة الرئس يا ليتك حباً للشعب أنزل من هذا الحكم وأنزل كل السلطات معك».
وعلى مواقع التواصل الاجتماعي سأل العميد المتقاعد سامي رمّاح « هل يمكن لرئيس الجمهورية أن يسمّي لنا فاسداً واحداً ؟ قطع وعوداً فماذا نفّذتم من الوعود …لديك 30 نائب و11 وزيراً وموظفون ، من يستطيع عرقلتك ومنعك وهذه الاموال المنهوبة هل نعرف من سينهبها من جديد؟».
اما الناشط سلمان سماحة فكتب « ما تعلقوا عالشكل …الرئيس عون معتقل بالقصر متل ما كان الرئيس الحريري معتقل بالسعودية…نعم لتحرير الرئيس عون».
في المقابل، كان مناصرو التيار الوطني الحر نظّموا تظاهرة امام قصر العدل في بعبدا لحثّ القضاء على ملاحقة الفاسدين تزامناً مع تحريك النائب العام الاستئنافي في جبل لبنان القاضية غادة عون الادعاء بحق الرئيس نجيب ميقاتي وإبنه ماهر وشقيقه طه ، وأطلق العونيون هتافات مؤيدة لرئيس الجمهورية وبدّلوا الشعار الذي رفعه متظاهرون ضد رئيس التيار الوزير جبران باسيل وهتفوا «هيلا هيلا هيلا هيلا هو ميشال عون منحبو».
وقال مناصرون للتيار «نحن لدينا ثقة في الرئيس وبكل مطالبه منذ 30 سنة، الرئيس بيّ الكل ولذلك دعا الناس إلى الحوار». وخلال تظاهرة العونيين، تمّ التعرّض بالشتائم للإعلامية جويس عقيقي من محطة MTV واتهامها بالعهر من قبل الملحّن سمير صفير، فردّت عليه بعنف بالقول «صرمايتي بتشرفك».
وعصراً، نزلت مجموعة من مناصري حزب الله إلى ساحة رياض الصلح التي غاب عنها وجود الجيش اللبناني وهتفت للسيد حسن نصرالله رافعة شعار «كلّن يعني كلّن… والسيّد أشرف منهم»، وقد حصل توتّر واشكال بين هذه المجموعة والمتظاهرين وسجلت مواجهات عدة فيما بينهم لاحقاً.