رسالة غزل باهتة تشعل مواقع التواصل الاجتماعي… وأحمد موسى: المعيشة في مصر أفضل من المعيشة في اليابان!

حجم الخط
42

انشغل رواد مواقع التواصل الاجتماعي وبعض الصحف العربية في الأيام الماضية بتداول رسالة «غزل» كتبها شاب يمني يدعى عمر محمد العامودي، قيل إنه شاعر، للإعلامية اللبنانية كرستيان بيسري، وكان قد نشرها على «تويتر» في شهر يونيو/حزيران الماضي، إلى أن وصلت أخيراً إلى المعنية.
وقيل أن سبب كل هذا الاهتمام الذي أحاط بهذه الرسالة دون سواها من رسائل الحب المنشورة هنا وهناك، ليس شهرة الإعلامية ولكن «روعة» الكلمات المكتوبة فيها، وإليكم بعض ما جاء فيها:
أتدركين ماذا يعني أن شاباً يمنياً يمقت السياسة والحديث عنها وسماع أخبارها يقف مشدوهاً بالنظر لكِ مبتسماً وأنتِ تتحدثين عن كوارث بلده؟
أتدركين كم يودّ أن يكون ولو مرةً واحدة مكان أولئك الحُمق الذين يظهرون مرتدين عقالاً أو ربطة عنق ليحادثك على الهواء مباشرة من أجل أن يخبركِ فقط كم تبدين جميلة؟
هل من أحد أن يدلنا أين تختبئ الروعة والشاعرية في هذه الجمل المباشرة؟ أين الخيال المائي والماسي من الكلمات و»موسيقى لنص الداخلية» المنسابة بين السطور؟
وهل يا ترى بنعته كل من يحادث الصحافية الجميلة على الهواء بالحماقة يرفع من مستوى الرسالة؟
يضيف المرسل «الشاعر» قائلاً:
سأخبركِ حينها أن فيكِ من السحر ما يجعل الأخبار السيئة محببة..
ومن التناقضات ما يجعل الأبكم ينطق!
سأحدثك عن عينيكِ وكونها تحمل حربٌ وسلام، وموتٌ وحياة..
وبالطبع يقصد: وكونهما تحملان حرباً وسلاماً وموتاً وحياةً..
يكمل:
عزيزتي «كريستيان»:
ملامحك الشقراء فاتنة جداً..
يا سلام، كم أبدع الكاتب، إنه تعبير «ينبض بالشعر»… ما إن تقرأه حتى تنبت لك جناحا طير فتحلق بعيداً جداً ..
ودعونا نقرأ أكثر:
لكن اللون «الأسود» عليكِ جميلاً جداً جداً ..
ويبدو أنه أخطأ مرة أخرى فهو قصد: جميلٌ جداً!
شامتك التي تتوسط عضدك الأيسر تثبت ذلك.. ولا تدع مجالاً للشك بأنه من الظلم أن يُستخدم هذا اللون في العزاءات..
أنتِ لا تحتاجين إلى الأدلّة وشاهدو العيان والمراسلين لتُثبتِ صدق ما تقولين..
كل الأخطاء السابقة التي عذب بها اللغة العربية لم تكف الكاتب والشاعر «المبدع»، ابتداءً من نصب خبر وصولاً إلى رفع المفعول به، لذا قرر أن يجلدها جلدة معتبرة يعدم فيها النص تماماً فرفع الاسم المجرور وكتب «لشاهدو» بدل «لشاهدي» …
وأنهى رسالته بتمنيات، وكنا نتمنى بدورنا لو أنه اكتفى بها:
أظهري في خبرٍ عاجل، قولي فيه إن القدس تحررت، والسودان أصبحت آمنة، وسوريا أضحت عامرة، وتوقفت الحروب في اليمن..
تحدثي عن ترامب وأنه قدّم استقالته، وأن الحكومات العربية قامت بمقاطعة أمريكا وإيران ..
إن هذه الأمنيات التي ذكرها الكاتب هي الصلوات اليومية التي يرفعها كل عربي حر …
لقد تكلم بلسان حال الملايين منا… ولكنه بدل أن يرفعها هبط بها حين مزجها بنص ركيك مليء بالأخطاء النحوية..
ويا ليته استقطعها من النص ونشرها وحيدة .. ويا ليت تلك الأمنيات خلعت عن نفسها رداء الأدب الذي ألبسه إياها غصباً.
أما الصدمة فليست بالنص فحسب، بل بعدد المشاركات وبكم الإعجاب الهائل الذي حظي به ..
وكأن كل من شاركه يعدم بدوره اللغة العربية.
وبعيداً كل البعد عن الأخطاء اللغوية، نحن أمام كارثة أخرى وهي تدني مستوى التذوق العام للأدب.
فكيف يستسيغ كل هؤلاء الأشخاص التعبير المباشر المبتذل في الغزل مع أنه يسقط القيمة الفعلية والأدبية للكلمات؟
وهل انعدم الحس النقدي العام إلى هذا الحد؟
فإن حذفنا الأمنيات التي تبقى قيمتها معنوية ماذا يبقى من هذا النص؟

قلة البحث كارثة!

الكوارث في عالمنا العربي ليست محصورة باللغة العربية، بل هي تقفز علينا من كل صوب وجانب، ولم تسلم منها الصحافة العربية، فكثير من الصحافيين يحللون ويفتون ويستنتجون من دون أي اطلاع أو معرفة.. أما البحث والتدقيق فقل من يلجأ منهم إليهما ..
وكأنهم تناسوا بأن الصحافة هي سلطة أعطت لهم لاحترامها واستخدامها بشكل صحيح بما ينفع الناس.
بعضهم، وبكل أسف، لا يخشى من تسريب معلومات خاطئة وتضليل الناس بدل نشر المعرفة.
نشرت مؤخراً «بي بي سي ترندينغ» حادثة تتعلق بالصحافي المقرب من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي.
إنه أحمد موسى الذي رافق الرئيس إلى اليابان لتغطية مشاركته في مؤتمر طوكيو الدولي لتنمية إفريقيا «تيكاد» من خلال برنامجه «على مسؤوليتي».
لقد سجل موسى حلقات عديدة مباشرة من طوكيو، ولكن لم تكن جميعها موفقة، وذلك لافتقاره إلى البحث والتدقيق في المعلومات قبل التحدث عنها. ففي إحدى الحلقات قارن بين تكاليف المعيشة في اليابان ومصر.. فتطرق إلى سعر لتر البنزين في اليابان، ذاكراً إنه الأغلى في العالم، وهو يعادل 15 دولاراً أمريكياً. وليته اكتفى بهذه المقارنة، ولكنه ذهب إلى مقارنة أخرى وهي كمية وسعر الفاكهة التي يستهلكها المواطن المصري مقارنة بالمواطن الياباني، ليستنتج أن الفاكهة في اليابان غالية جداً، موثقاً استنتاجه هذا بـ«البراهين». فأعطى مثالاً يؤكد فيه على غلاء سعر الفاكهة في اليابان، قائلاً إن التفاحة الواحدة بدولارين!
ولكن «صفحة اليابان»، وهي صفحة للتعريف باليابان بالعربية، ردت على موسى تحت هاشتاغ «خرافات اليابان»، تقول:
«للأسف، لا يزال الناس يتحدثون عن اليابان دون علم ودون بحث وتدقيق،
فمتوسط سعر البنزين العادي يعادل 1.30 دولار أمريكي وليس 15 دولاراً كما قال موسى. أما سعر التفاح، فمتوسط الراتب السنوي، في بحث أجري على 2681 شركة يابانية في عام 2017، كان 56000 دولار، أي حوالي 928000 جنيه مصري. فلو كان راتب الفرد المصري 80000 جنيه سيضحي أكيد بـ 16 جنيهاً ليشتري تفاحة».

شر البلية ما يضحك!

هكذا وببساطة نصبح مادة دسمة لسخرية الآخرين حين نتحدث على الهواء مباشرة بمواضيع لا نفقه بها.
يبدو أن الصحافي لم يبذل مجهوداً سوى مجهود زيارة السوق! وحين وجد سعر التفاحة في اليابان أغلى من سعر التفاحة في مصر حسم الموضوع في رأسه.
ولم يسأل نفسه ما هو الحد الأدنى لمدخول المواطن الياباني مقارنة بالمواطن المصري؟
لقد شرع في تناول الموضوع من قشوره، مزوداً الناس بمعلومات خاطئة، ولم يتعب نفسه بأي نوع من البحث، مع أن «الأخ الكريم» غوغل لا يبخل على أي أحد بأية معلومة..
إنه زمن الانحدار على الأصعدة كافة…
لم نعد متأكدين ما هي رسالة الصحافة في أيامنا هذه؟ هل تلعب دوراً في الاستنارة أو في زيادة الظلمة ظلمةً؟

*كاتبة لبنانية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية