رسالة للدولة العميقة في الاردن

يرتدي 15 مواطنا أردنيا زيهم العسكري الذي خلعوه للتو ويتظاهرون أمام الديوان الملكي لإيصال رسالة فكرتها أن قرارا رسميا صدر بإحالتهم على التقاعد دون مبرر مقنع أو مسوغ وأنهم يطالبون الملك بالتدخل لإعادتهم إلى وظائفهم.
لو كانت الإحالات على التقاعد تتم وفقا لأسس مفهومة ومنصفة للجميع وبعد إعتماد مسطرة واحدة لما شعر أي متقاعد بالظلم ولخرج مسرورا مندفعا نحو الحياة الخاصة بعيدا عن الوظيفة.
لكن المتقاعد يعلم مسبقا بان راتبه التقاعدي يطير في يومين بعد التقاعد ولا يعني شيئا خصوصا وان المواطن الأردني لا يأمن جانب حكومته التي تفاجئه وتتفنن في رفع الأسعار والضرائب وتعتبر خبيرة جدا في المباغتة والمراوغة على أساس الوصفة الكلاسيكية إياها المعنية بحل مشكلة الدولة والخزينة على حساب جيب المواطن الفقير.
الخزينة شبه مفلسة بسبب الحرامية واللصوص والفاسدين والمتهربين من الضرائب والمتلاعبين بالشركات الكبرى في القطاع العام وإحجام المستثمرين والمواطن الفقير فقط هو المطالب بتحمل كلفة {الوطنية} والصبر على الأذى لتعويض عجز الميزانية.
نفس المعادلة القديمة باللغة الأردنية الدارجة { اللي معوش بيعطي اللي معاه}…الفقير يعطي الغني والجائع يتبرع بلقمة الخبز لان من لا يملك أيا من أسباب الرفاهية ما حاجته للطعام والشراب والإتصال الخلوي أصلا ..تلك أبرز مؤشرات العدالة على طريقة الحكومة الأردنية.
عموما نعود لموضوعنا الرئيسي فمشاهدة مواطنين متقاعدين وهم بالزي العسكري يتظاهرون أمام مقر الديوان الملكي تحديدا صورة في غاية الأهمية والحساسية أدعو جميع أصحاب وصناع القرار لتأملها وقراءتها جيدا.
هذا الزي مخصص لحراسة الدولة والنظام وأحلام الأردنيين..هكذا كان طوال عمره…عندما يرتديه بعض أبناء الأردن المخلصين الأوفياء في إطار شكوى وتذمر من قرارات إدارية يشوبها العيب بحقهم متظلمين علينا أن نتوقف ونعيد التفكير وعلى جميع الأجراس أن تقرع في الأبواب العليا التي أطالبها بالإصغاء إلى إيقاع البسطاء والناس.
واحدة من مشكلات الأردن أن الحلقات الوسيطة التي يغذيها ويسمنها الحكم لا تقوم بعملها في نقل الصورة وتبادل الإستشعار مع قواعد الشعب بدليل عدم وجود حاجة أومبرر لتنظيم أي مسيرة أو فعالية إحتجاجية أمام ديوان القصر الملكي بهدف لفت نظر الملك لو كانت الشكوى للحكومة أو للوزير المختص تعيد حقا أو تنصف متظلما أو حتى تصغى لشكوى.
لو إحترم الناس الوزراء والمسؤولين في المؤسسة البيروقراطية لما وصلوا أصلا في نطاق الإحتجاج للقصر الملكي فغالبية المحتجين من الموظفين وصغار المتكسبين يرفعون صور الملك طلبا للتدخل والإنصاف.
الناس يقفون أمام القصر الملكي اليوم لانه ملاذهم بعدما أقفلت الحكومات أبوابها وإستعصت الحلول وبدأ عليه القوم يميلون إلى تصفية الحسابات فيما بينهم على حساب الوطن والمواطن.
الأردن المحتج او المحتاج او الباحث عن الإنصاف يشتكي لقصر الملك لان صغار وكبار الموظفين حتى في حلقات الحكم الإستراتيجية لا يقومون بواجبهم وهذه الوقفة تعبير دقيق عن أمل الأردنيين ورجائهم في قصرهم.
وهي كذلك الأن لكن إستمرار الغفلة أو التغافل وسياسة النكران والإصرار على وضع عجين في الأذن اليمنى وطين في اليسرى قد ينتهي بمآلات لا يحبها الأردنيون الذين ولدوا وماتوا على أساس فكرة في غابة البساطة تتمثل في الإختلاف من أجل القصر الملكي وليس معه وفي اللجوء دوما لمؤسسة القصر للشكوى أو التظلم أو للبحث عن العدالة.
يمكننا بالتوازي الإصغاء لإيقاعات العودة المحزنة للهويات الفرعية وذهنية {الغزو} والإتجاهات القبلية والمناطقية والجهوية البائسة المتكلسه المتخلفة وهي تطل برأسها لتسميم ليس واقعنا الحالي إنما أحلامنا في المستقبل.
ما حصل مؤخرا وسط تغاضي مريب من الدولة وأجهزتها يدفع لأقصى دوائر ومساحات القلق فمشاجرة صغيرة بين طالبين جامعيين إنتقلت بعد إفطار رمضاني إلى ضاحية بأكملها وإنتهت بحرب البسوس حيث تجمع المئات من أقارب كل شاب مقابل بعضهما البعض في الشارع العام وفي إستعراض مخجل وينطوي على كل أصناف العار مما تطلب تدخل قوات الدرك.
مشاجرة أخرى بين سائقين في عمان العاصمة تحولت إلى عمليات غزو فعلية من طراز تلك التي نراها في أفلام الكاوبوي حيث هجم العشرات على حي بأكمله مسلحين بكل ما خف وزنه وإرتفعت كلفته الجسدية ولولا العناية الإلهية لحصلت مذبحة وتوقف اليوم الأول للمشاجرة بعشرات المصابين في المشفى والغريب أن المشهد تكرر في اليومين الثاني والثالث وسط إضطرار رجال الأمن للتفرج.
..كنا نعتقد للأسف أننا في الأردن غادرنا هذه المشاهد المؤلمة منذ عقود لصالح هيبة القانون ودولة المؤسسات لكن أذرع هيبة القانون تحضر بقوة عندما يتعلق الأمر بالأخوان المسلمين أو بالرغبة في توجيه رسائل قاسية لخمسة مصريين أو لعشرة لاجئين سوريين فيما تغيب تماما عندما يتعلق الأمر بكل الأسئلة المعلقة التي حقنت الناس وغذت الكراهية في المجتمع.
إنها عصبية الدم والجوار المقيتة بإمتياز وذهنية الغزو والقبيلة تعود في القرن الحادي والعشرين لتجرح أبهى العواصم عمان ولتخيفنا من أيام صعبة وحرجة في المستقبل القريب.
هذه الوقائع تثبت للقاصي والداني أن لا أمل للأردنيين بالإنتقال من هواجس الخطر إلا بالتحلق فعلا حول مؤسستهم ودولتهم فهي ملاذهم الأخير وحصنهم العميق.
الدولة الأردنية بمؤسساتها العميقة لابد من الحفاظ عليها وصيانتها وحمايتها حتى من بعض رموزها الذين يسيئون لها بذريعة حمايتها وكذلك من بعض الأدعياء الذين قدموا مساهمات رفيعة في سحب رصيد الدولة عند الناس.
وعلى الأوفياء المخلصين في جميع المؤسسات العميقة البحث عن الحلفاء والأصدقاء والقادرين على المساهمة بفعالية في حماية الدولة وبناء شراكات على أساس المصالح الوطنية مع هذه الحلقات…هؤلاء موجودون بكثافة خارج مؤسسات البيروقراط ويمكن التوافق وطنيا معهم على حماية الدولة والنظام.
مع الضائقة الإقتصادية المتفاقمة في الأردن وبوادر الإنفلات الأمني المقلقة جدا ومشاهدة رجال الأمن يقفون متفرجين لا حول لهم ولا قول في الشارع أمام مشاجرات جماعية وعشائرية يصبح إقفال الملاذات أيضا خيار صعب ومعقد يقود المملكة إلى أوضاع أكثر صعوبة وتعقيدا لا يحبها الناس ولا يريدها الحكم.
الحد الأدنى في أوقات الإنهيار الإقتصادي لمعيشة الناس الإستماع لشكاويهم وآلامهم وتجنب إقفال أبواب القصر أمامهم.
الحد الأدنى اليوم تخصيص وقت للإستماع للمواطنين وتأوهاتهم وعدم تركهم مكشوفين أمام وصايا الطاقم الإقتصادي وهو يعالج مشكلة البلاد بالإقتراب من الجيوب فقط.
الحد الأدنى تنشيط الحلقات الوسيطة وإختيار بعض {الأحصنة} مرحليا لان الحاجة ملحة جدا جدا لبعض الأحصنة في الملعب حتى لا يطيح الفيلة وغيرهم بكل الجرار.

‘ مدير مكتب ‘القدس العربي’ في الاردن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية