ليست القدرة العالية على الارتجال في جدول زمني قصير هي إحدى المزايا البارزة لأجهزة الإدارة الأمريكية، حسب معرفة كل من احتك بها. قرار ترامب المفاجئ باغتيال سليماني ترك النظام الأمريكي غارقاً في التشوش وعدم التنسيق. ويمكن أن يكون هذا هو خلفية القصة الغريبة، الإثنين الماضي، عند إعلان الجيش الأمريكي عن سحب قواته من العراق، الذي نفاه البنتاغون بعد وقت قصير.
الرسالة التي وقعها قائد قوات التحالف ضد “داعش”، أرسلت إلى الجيش ووزارة الدفاع العراقيين. وبعد نشرها، أعلنت إدارة ترامب بأن القرار لم يتخذ بعد. وقالت الإدارة الأمريكية إن الأمر يتعلق بمسودة لم تتم المصادقة عليها، وقد أرسلت بخطأ للعراقيين.
تلك مهزلة، لكن الرد بصيغة “لم يتم اتخاذ قرار بعد” يعكس الحل شبه الأوتوماتيكي لذلك المتحدث الذي كشفت نية منظمته التي يمثلها، قبل الأوان في وسائل الإعلام. يبدو أن الرسالة لم تُزوّر ولم تصغ عبثاً بهذه الصورة، فالإعلان يعكس فكرة أن الإدارة تفحص بشكل جدي إخلاء سريع للخمسة آلاف جندي أمريكي الذين بقوا في العراق ويشكلون آخر بقايا الغزو الأمريكي للعراق في العام 2003.
بروحية التوصية التي تلقاها الرئيس جونسون أثناء الحرب في فيتنام للانسحاب من هناك والإعلان عن الانتصار، فإن ترامب قد يتوصل إلى استنتاج مشابه: وصف تصفية سليماني كانتصار تاريخي صارخ، واستغلال هذه الفرصة لتقليص الالتزام العسكري للولايات المتحدة بالشرق الأوسط، والعراق بشكل خاص. هذا وجود يتحفظ منه أصلاً. منذ سنة تقريباً والرئيس يحاول سحب ما تبقى من القوات الأمريكية من الجارة سوريا، لكنه لم ينجح في التغلب على معارضة جنرالاته لهذه الفكرة.
من الترميمات التي تنشرها وسائل الإعلام الأمريكية، يبدو أن عملية اتخاذ القرار في واشنطن عشية عملية الاغتيال تميزت بنفس الروحية العاصفة المعروفة خلال سنوات وجوده الثلاث في البيت الأبيض. لقد كان للبنتاغون حساب طويل مع سليماني الذي كان في العقد الماضي هو المسؤول عن قتل 700 جندي أمريكي تقريباً في كمائن من العبوات الناسفة التي زرعتها المليشيات الشيعية بتوجيه من حرس الثورة الإيراني ضد القوات الأمريكية. في الولايات المتحدة مثلما في إسرائيل، كثيرون اعتبروا سليماني “رأس الأخطبوط”، كما وصفه ذات يوم وزير الدفاع نفتالي بينيت. وناقشت الإدارة الأمريكية في السنوات الأخيرة احتمال تصعيد الحرب مع الإيرانيين بواسطة ضرب حرس الثورة نفسه.
موت المواطن الأمريكي، وهجوم مليشيات الشيعة على السفارة الأمريكية في العراق دفعت الرئيس للرد. في إطار النقاشات التمهيدية، عرض عليه مستشاروه بدائل عدة. هذا ما يسميه العميد احتياط آساف اوريون من معهد بحوث الأمن القومي، الذي مرت عليه نقاشات مشابهة في الجيش الإسرائيلي، بـ “زهافا والبدائل الثلاثة”: الضباط يعرضون عدة إمكانيات، جزء منها متطرف، بهدف توجيه المستوى السياسي نحو البديل الأفضل – طريق وسط أقل خطراً. ولكن ترامب، حسب وسائل الإعلام الأمريكية، فاجأ رجاله وأمر قبل بضعة أيام قبل العملية بالاغتيال.
خيار كهذا ليس غريباً على ترامب. بشكل عام، يتمسك في سياسته الخارجية بعدة مبادئ أساسية: عدم التسليم بإهانة أمريكا و”إهانته بشكل خاص”، ومواجهة الرد بأقوى منه؛ وسلوك غير متوقع هو ميزة، لأنه يخرج الخصم عن توازنه ويجعله يفكر مرتين في الخطوات المستقبلية. ولكن محاولة وصف هذه الأمور كاستراتيجية مبررة وذكية، غير مقنعة، فقد ظهر أن الرئيس يستل سلاحه ويفاجئ اعداء أمريكا، بل ونظامه، وربما نفسه أيضاً.
طهران أخطأت بشكل كامل في قراءة الخريطة، ويبدو أنها افترضت بأنه يمكنها مواصلة ضرب أمريكا وحلفائها في المنطقة بواسطة مبعوثيها دون دفع الثمن. ولكنها الآن تحدد هدفاً جديداً، هو طرد الأمريكيين من العراق، ثم من الشرق الأوسط. وحسب التلميحات الأولية من واشنطن، قد يكون هذا الهدف قابلاً للتحقق، ويمكنه أن يحول سقوط إيران إلى نجاح ما.
انسحاب إيران بشكل متسرع، إذا نفذ حقاً، سيخدم أيضاً الإيرانيين في تعزيز الممر البري الذي أقامته إيران في السنوات الأخيرة بعد هزيمة “داعش”. وسيمكنهم من نقل القوات والوسائل القتالية عبر العراق إلى سوريا ولبنان بسهولة.
زيادة نفوذ إيران في العراق دون أن يكون له معادل أمريكي، يقلق الأردن أيضاً، الذي تعنى إيران منذ سنوات بضعضعة استقراره.
لقيادة إسرائيل أسباب جيدة للرضى من الخطوة الأمريكية. فترامب أزاح عن الطريق عدواً صلباً لإسرائيل وجعل شركاء ومبعوثين آخرين لإيران، وعلى رأسهم زعيم حزب الله حسن نصر الله، بالتفكير مرتين قبل اتخاذ خطوات عنيفة تكلفهم حياتهم. ولكن إذا أدت عملية الاغتيال إلى سحب القوات الأمريكية من العراق، مثلما يتضح الآن، فستكون بشرى إشكالية لإسرائيل.
في ظل غياب القوات الأمريكية في المنطقة، سيتقلص التزام واشنطن باتخاذ خطوات أخرى ضد إيران. إن المس بسليماني قد يقود نظام طهران للتفكير بتسريع المشروع النووي لضمان بقائه. وحتى بعد عملية التصفية، من الصعب القول بأن إسرائيل ستكون واثقة من استعداد الولايات المتحدة لمنع طهران من تحقيق هذا الطموح، حتى لو تعهد ترامب بذلك بشكل دائم في تغريداته المغلقة.
في نهاية المطاف، ثمة سابقة لذلك، وهي فشل الإدارة الأمريكية المطلق، رغم تصريحات الرئيس الواعدة في كبح المشروع النووي لكوريا الشمالية.
بقلم: عاموس هرئيل
هآرتس 8/1/2020