رسالة مفتوحة ومنفتحة ما أمكن إلى الشعب التونسي

حجم الخط
0

صلاح بن عياد نرسل لكم هذه الرسالة عبر جريدة القدس العربي لأن لا وجود لجريدة تونسية يمكن أن تتحمّل كمّ الحبّ الذي نحمله لكم. الجرائد التي غرقت نهائيا في تفاصيل البلد بسلبيّة متفاوتة أو بإيجابيّة حذرة مهملة بذلك أساسيّات منسية أو تكاد ولأنه كما شاركتنا القدس العربي تغرّب صوتنا وقلمنا في عهد بن علي فها هي كذلك بعد تداعيه بشخصه لا بصفاته كما تعلمون. ونرجو أن تصل هذه الرسالة بكل معانيها وارتعاشاتها إلى أبوابكم بابا بابا، بكلّ شرائحكم وبكل صفاتكم.أيّها الشعب التونسي، اقرأ كواجب وطنيّ وأتحدث عن القراءة بما هي الباب المفتوح دائما على عالم أكثر رحابة، القراءة بما هي نضال لإنقاذ ماء الوجه والوجه والمرآة، القراءة بما هي تفكير في الشأن الخاص والعام، القراءة بما هي مهدّئ وتمرين ناجح مفيد للعقل، القراءة بما هي دواء لأمراض لن يشخصها طبيب ولو كان ‘الطبيب الصقلّي’ أو حتى ‘محمد المنصف المرزوقي’. القراءة بما هي نسيان لأي شيء كالملل والعنف وفقدان الشهيّة، القراءة بما هي طريق لا شكّ فيها ولا خطر فيها، القراءة بما هي فنّ مع أننا نعلم أن ليس كلّ العالم فنان، القراءة بما هي ‘ثراء دون الحاجة إلى سرقة أحد’ كما يقول أحد الفلاسفة، القراءة بما هي تنوير سبيل إلخ…من فضائلها خاصّة وأنه قد اتضح بعد ما يقارب العامين أن التونسي بحاجة إلى معرفة نفسه والمختلف عنه وبلده ـ تونس ـإن كنت متديّنا، فإنّك الأولى بـ ‘إقرأ’، والكلمة قد تكرّرها في سورة من القرآن تصلي بها ركعات صلاتك إلى جانب الفاتحة. أنت أولى بالتأمّل بين جدران مساجد كفّت على أن تكون كذلك. كثر فيها الصراخ وقلّ التأمّل. غاب الله فيها لحساب السياسي، كيف تخرج من المسجد مليئا بالعنف؟ كيف تخرج منه بشفتين مسمّرتين على ‘الله أكبر’ ويدين متسرّبتين إلى التكسير والتعنيف وإسالة الدم والإساءة في ذات اللحظة؟. كيف لا تنتبه في ‘الله أكبر’ لضعفك الإنسانيّ وضعف الإنسان الذي تسيء إليه مهما كان لأن الله أكبر منك ومنه؟ أنت أولى بهذه الـ ‘إقرأ’ التي تظلّ غريبة وهي أولى ما تلقى نبيّنا كمفتتح لأمة توقفت عند ‘ما أنا بقارئ’. اقرأ ـ أنت السلفي ـ سيرة السلف، اقرأ على سبيل المثال القاضي أبو بكر بن العربي وهو يقول متحدّثا عن سلفه ‘بل أمروا بالصفح والهجر الجميل وقد كان من سلف من الأمم في دينهم التسليم على جميع الأمم’.أي سلف صالح تتّبع وأنت تهشّم البلاد وتسيل دم العباد؟ أين أنت من الحديث الصحيح ومن معانيه المثبتة في كل كتاب ابتداء من القرآن انتهاء بأقل كتاب عن سير المسلمين اللاحقين ‘صل من قطعك وأحسن إلى من أساء إليك وقل الحق ولو على نفسك’. لماذا تقطع من وصلك ومن قطعك ومن لم تكن لك به صلة؟.إن كنت غير متديّن فاقرأ أيضا، اقرأ عن تونس هذه التي حوت في نفس العمارة يهوديا مع مسلم مع مسيحي مع ملحد. اقرأ تراثها. اقرأ اسمها ‘تونس’ من ‘تؤنس’ من ‘أنس’. تثبّت في عروقها، في حكاياتها الشعبيّة، عن السيدة أمّي سيسي وهي تكنس لتجد ‘فليّس’ (قطعة نقود) ولتدخل في حلقة اجتماعيّة هائلة. اقرأ في أغانيها القديمة ستجد شكوى المنتظر لزائر ما في ‘لا من يجيني مريّض دلالة’، انظر في عاداتها حتى في أشدّ المصائب وكيف في الجنازة يفرّقون ‘عشاء الميّت’، في عبارة جدتك ‘النبي وصّى على سابع جار’. اقرأ في خريطتها المفتوحة على كلّ الأماكن. على من أتاها ولم يرد الخروج. على شخصيّة الطيّب الذي لا يغيب في كل رواية من رواياتها. اقرأ في ‘كيف نشفى من حبّ تونس’. إن كنت سياسيّا فاقرأ في الصفحات الإجتماعية ومنذ القديم أن فتاة تعلن رغبتها في الزواج من رجل ‘طيّب القلب’ يقدّس الحياة الزوجيّة. إن زوجناك بها فاقرأ العقد الإجتماعي واقرأ خاصّة قول الشاعر في ‘الروض المعطار في خبر الأقطار’ للحميري (القرن الثامن هجري): وكلّ جبّار إذا ما طغىوكان في طغيانه يسرفأرسله الله إلى تونس فكلّ جبّار بها يقصف ولأذكّرك أيها السياسي بجبّاريْن من ضمن جبابرة كثر عبر تاريخها انتهيا انتهاء لا نتمناه لك كما لا نتمنى أن تدخل السياسة بزاد الجبار، فلويس التاسع مات تحت حيطانها بلعنة تونسية وبن علي غادر حيطانها ملعونا ب’ـديقاجها الجماعيّة’..لن أملأ رسالتي هذه بأسماء الجبابرة الذين انكسروا على أبواب تونس الهشّة فقط أقول لك ما تقول الأغنية التونسية الصرفة ‘قتلك ودليلك ملك’.إن كنت غير معنيّ بشأن بلادك، اقرأ عن علاقة الكائن بالفضاء واقرأ عن المدنيّة وما فعلت عبارة ‘الأغلبية الصّامتة’ فجر سقوط بن علي. إن كنت عاشقا، فاقرأ عن ليل العشّاق الهادئ وانظر إلى ليل تونس المضطرب، اقرأ عن أغضان وارفة خبّأت ما يقترف العشّاق في غفلة الأوصياء وانظر إلى أغصان تونس الجرداء، إن كنت عاشقا لكائن تعتبره نصفك، فاقرأ دساتير العالم وتساءل بما في القراءة من تساؤل من مسودّة دستور ثوريّ علت فيه المرأة عنق حبيبها في المظاهرات. إن كنت عاشقا فاقرأ الخوف منذ هواء البلاد إلى رئة العباد ووشوش في أذن حبيبتك بقول من قبيل ‘لشعبي الحقّ في أن يكون عاشقا’.إن كنت هشّا وتتعبك الصّلابة ويؤرقك غياب القلب الإنسانيّ في كلّ ركن فلا تحوّل هشاشتك إلى جرح في ظهر ‘طريدة صيْد’ تكسر الشجر والحجر. إن كنت صلبا وأعجبتك لعبة الصلابة وطربت لها فلا تمض بعيدا في تعذيب الكائنات، لا تنس لحظة ـ كبوة الجواد ـ الحتميّة والمحدّقة بكلّ متسابق.إن كنت سكّيرا فلا تسكر من أجل تسوية الحسابات اسكر للتخفيف منها أو نسيانها لتخفف من ثقل الكتفين ومن عنف المرفقين. اسكر لإعادة الابتسامة.إن كنت بوهيميّا فلا تستعمل أكثر من الشارع من أجل ذلك، دع المتحرّكين فيه خارج دائرتك واقرأ سير رامبو وبودلير وبوكفسكي وموديقلياني كي تفهم لماذا يأتي الناس في ذاك الشارع ولماذا يذهبون في انتظام. إن كنت ستنتخب اقرأ كتب ساراماغو وهدد بالورقة البيضاء إن لم تختر. إقرأ كتب المرزوقي والغنوشي وما لفّ لفهما، اقرأ ما يكتب المشرّدون على الحيطان. إن كنت صحفيّا فكفّ عن ‘طرطور’ وعرعور’ وحارزة…إن كنت فايسبوكيّا اقرأ ما تقاسم النّاس واقرأ ما تنشر. إن كنت مقيما خارج البلاد، حدّثهم عن الأمل الذي لم يزل طفلا يحبو على أربع!إن كنت شاعرا وأصبحت نجما بفضل الابتزاز العاطفيّ، فاقرأ أشياء أخرى غير نصوصك، كفّ عن اعلاناتك بالقبض على السيدة ‘قريحة’ والزج بها في صدرك دون سواه. كفّ عن التعاطف مع دور الضحيّة في كلّ فلم. لا تجوّل الشعر والكتابة إلى آليّة عسكريّة. القلم قلم والمدفع مدفع.إن كنت رئيسا للبلاد، اقرأ ما لم أقله لك في هذه الرسالة، هذا إذا ما زلت تتذكّر أنك من هذا الشعب.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية